النفط يهبط إلى أدنى مستوياته منذ 3 أشهر مع عودة رهانات تدفق الإمدادات
شهدت أسواق النفط العالمية تحولاً حاداً في اتجاهها خلال الأيام الأخيرة بعدما انتقلت من التركيز على مخاطر نقص الإمدادات الناتجة عن الحرب والتوترات الإقليمية إلى التركيز على احتمالات عودة تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم. وجاء هذا التحول سريعاً وقوياً لدرجة دفعت الأسعار إلى تسجيل أكبر موجة تراجع منذ أشهر، مع إعادة تقييم المستثمرين لحجم المخاطر الفعلية التي تواجه السوق خلال النصف الثاني من العام.
وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في نحو ثلاثة أشهر بعدما بدأت الأسواق تسعير احتمال انتهاء جزء كبير من الأزمة التي عطلت حركة الطاقة في المنطقة خلال الفترة الماضية. وبينما كانت المخاوف الجيوسياسية هي المحرك الرئيسي للأسعار خلال الأسابيع السابقة، أصبحت التوقعات المتعلقة بعودة الصادرات والإمدادات البحرية العامل الأكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين وصناديق التحوط والمتعاملين في أسواق العقود الآجلة.
تراجع سريع
شهدت أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط موجة بيع واسعة دفعت الخامين إلى أدنى مستوياتهما منذ شهر مارس، في انعكاس واضح لتغير المزاج العام في الأسواق العالمية. ويعكس هذا الانخفاض اقتناع عدد متزايد من المستثمرين بأن مخاطر تعطل الإمدادات قد تكون أقل مما كان متوقعاً قبل أسابيع قليلة.
وجاءت عمليات البيع بعد يوم واحد فقط من خسائر قوية بلغت نحو 5 % في جلسة واحدة، وهو تراجع يعد من أكبر الانخفاضات اليومية خلال العام الحالي. وتزامن ذلك مع الإعلان عن تفاهمات سياسية جديدة مرتبطة بالأزمة الإيرانية، ما دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم احتمالات استمرار القيود على حركة النفط عبر الخليج العربي.
ويرى مراقبون أن السوق انتقلت من مرحلة المبالغة في تسعير المخاطر إلى مرحلة المبالغة في تسعير التفاؤل، وهو ما يفسر حدة الحركة السعرية التي شهدتها العقود الآجلة خلال فترة زمنية قصيرة.
أهمية هرمز
يحتل مضيق هرمز مكانة استثنائية في سوق الطاقة العالمية، إذ يعد الشريان البحري الأهم لنقل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية. وقبل اندلاع الحرب الأخيرة كانت نسبة تقارب خمس الإمدادات العالمية من النفط تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وخلال فترة التوترات العسكرية ارتفعت المخاوف من استمرار إغلاق المضيق أو تقييد الحركة البحرية فيه لفترات طويلة، ما أدى إلى صعود حاد في أسعار النفط بسبب المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات العالمية.
لكن المؤشرات الحالية بدأت توحي بإمكانية استعادة حركة الملاحة تدريجياً، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص علاوة المخاطر التي أضيفت إلى الأسعار خلال الأشهر الماضية. وتقوم الأسواق حالياً بتقييم سيناريوهات متعددة تتراوح بين إعادة فتح كاملة وسريعة للمضيق وبين فتح تدريجي يخضع لمفاوضات وضمانات أمنية وسياسية معقدة. وتعتبر هذه التطورات ذات أهمية خاصة للدول المستهلكة الكبرى في آسيا وأوروبا، إذ إن أي تحسن في حركة الملاحة يساهم في استقرار الإمدادات وخفض تكاليف النقل والتأمين المرتبطة بالشحنات النفطية.
تفاهمات مؤقتة
جاءت التحركات الأخيرة في الأسواق بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء الحرب المرتبطة بإيران وتهيئة الظروف اللازمة لبدء مرحلة جديدة من التفاوض بين الأطراف المعنية.
ورغم أن الأسواق رحبت بالإعلان فور صدوره، فإن كثيراً من التفاصيل الأساسية لا تزال غير واضحة، وهو ما يفسر استمرار حالة الحذر لدى شريحة من المستثمرين. فالاتفاق المبدئي لا يمثل تسوية نهائية بقدر ما يشكل إطاراً مؤقتاً يسمح بوقف التصعيد وفتح الباب أمام مفاوضات أكثر شمولاً.
وفي هذا السياق أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن جولة جديدة من المفاوضات ستنطلق في سويسرا بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات العالقة بين طهران وواشنطن.
أثر نفسي
غالباً ما تتحرك أسعار النفط وفق مزيج من العوامل الأساسية والنفسية. وفي الحالة الراهنة لعب العامل النفسي دوراً محورياً في تسريع عمليات البيع، إذ إن مجرد الحديث عن إمكانية عودة الإمدادات كان كافياً لتغيير سلوك المستثمرين بشكل جذري.
فخلال فترات الأزمات تميل الأسواق إلى إضافة ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي زيادة سعرية تعكس احتمالات تعطل الإنتاج أو النقل. وعندما تبدأ مؤشرات التهدئة بالظهور، تتعرض هذه العلاوة للتآكل بسرعة، حتى قبل تحقق التحسن الفعلي على أرض الواقع.
وهذا ما حدث بالفعل في سوق النفط، حيث تراجعت الأسعار بوتيرة أسرع من وتيرة تحسن الإمدادات نفسها، في دلالة على أن المستثمرين بدأوا المراهنة على المستقبل أكثر من اعتمادهم على الواقع الحالي.
ضعف الطلب
في المقابل، لا تقتصر الضغوط الحالية على جانب الإمدادات فقط، بل تمتد أيضاً إلى جانب الطلب العالمي الذي بدأ يظهر إشارات تباطؤ واضحة خلال الأشهر الأخيرة.
وتبرز الصين باعتبارها العامل الأكثر أهمية في هذا السياق. فالدولة الآسيوية العملاقة تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأي تغير في وتيرة استهلاكها ينعكس مباشرة على توازن السوق العالمية. وقد أظهرت البيانات الأخيرة تراجع واردات الصين من النفط الخام بنسبة 29 % خلال شهر مايو مقارنة بالفترات السابقة، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ ثماني سنوات. ويعكس هذا الانخفاض مزيجاً من العوامل الاقتصادية والصناعية، بما في ذلك تباطؤ النشاط الصناعي وتراجع الطلب على الوقود في بعض القطاعات.
كما تشير التوقعات إلى احتمال انخفاض الواردات الصينية من الخام السعودي خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يزيد من المخاوف المتعلقة بضعف الطلب الآسيوي بصورة عامة.
توقعات المؤسسات
أعادت المؤسسات المالية العالمية الكبرى مراجعة توقعاتها لأسعار النفط في ضوء المستجدات الأخيرة. وجاءت هذه المراجعات لتعكس قناعة متزايدة بأن السوق تتجه نحو توازن أكثر مرونة مما كان متوقعاً في السابق.
فقد خفض بنك غولدمان ساكس توقعاته لسعر خام برنت خلال الربع الأخير من العام إلى 80 دولاراً للبرميل بدلاً من 90 دولاراً، كما خفض متوسط توقعاته للعام التالي إلى 75 دولاراً للبرميل.
ويستند هذا التعديل إلى افتراض أساسي يتمثل في عودة صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة، إضافة إلى انحسار مخاطر تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
من جانب آخر، أشار محللو مورغان ستانلي إلى أن عدداً كبيراً من المؤشرات المرتبطة بالسوق الفورية يعكس ضعفاً واضحاً في الطلب الفعلي على النفط خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يدعم الرؤية القائلة بأن الأسعار قد تواجه صعوبة في العودة إلى مستوياتها المرتفعة السابقة ما لم تظهر عوامل دعم جديدة.