تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يهبط‮…‬‭ ‬والقلق‭ ‬لا‭ ‬يغادر‭ ‬الأسواق

النفط‭ ‬يهبط‮…‬‭ ‬والقلق‭ ‬لا‭ ‬يغادر‭ ‬الأسواق

التراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل،‭ ‬بعدما‭ ‬اتفقت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬لمدة‭ ‬أسبوعين،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬خففت‭ ‬حدة‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُنهِ‭ ‬القلق‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬والطاقة‭ ‬والنمو‭ ‬العالمي‭.‬
لم‭ ‬يكن‭ ‬هبوط‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬مجرد‭ ‬تراجع‭ ‬رقمي‭ ‬على‭ ‬الشاشات،‭ ‬بل‭ ‬بدا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬تصحيح‭ ‬نفسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬واسع‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬التسعير‭ ‬العنيف‭ ‬لاحتمالات‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬ممرات‭ ‬الطاقة‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فحين‭ ‬تراجعت‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطّل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ولو‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الأسواق‭ ‬النظر‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬علاوة‭ ‬الخطر‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬بصورة‭ ‬حادة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭.‬
لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬نفسها‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬بعثها‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭. ‬فالنفط‭ ‬لم‭ ‬يهبط‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬أصبحت‭ ‬مطمئنة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬جرى‭ ‬تخفيض‭ ‬احتمالات‭ ‬‮«‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‮»‬‭ ‬فقط‭. ‬وهذا‭ ‬فرق‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬فالسوق‭ ‬لا‭ ‬تقول‭ ‬اليوم‭ ‬إن‭ ‬الخطر‭ ‬انتهى،‭ ‬بل‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬احتمال‭ ‬الانفجار‭ ‬الفوري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هو‭ ‬الاحتمال‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬التداولات‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬الهبوط‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءته‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نهاية‭ ‬موجة‭ ‬التوتر،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬مؤقتة‭ ‬داخل‭ ‬سوق‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬ملف‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بوصفه‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬جاء‭ ‬التراجع‭ ‬سريعاً‭ ‬وقوياً،‭ ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬مصحوباً‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬

تسعير‭ ‬هرمز

في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأسواق‭ ‬تسعّر‭ ‬النفط‭ ‬وحده‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تسعّر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬نفسه‭. ‬فالممر‭ ‬البحري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان‭ ‬جغرافي‭ ‬في‭ ‬الأخبار،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬فعلياً‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أصل‭ ‬مالي‭ ‬غير‭ ‬مباشر‮»‬‭ ‬تتحرك‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬والغاز‭ ‬والشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬وحتى‭ ‬العملات‭ ‬والأسهم‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬فتحه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬وآمن‭ ‬كانت‭ ‬كفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬المشهد‭ ‬بأكمله‭. ‬فحين‭ ‬تراجع‭ ‬خطر‭ ‬الإغلاق‭ ‬أو‭ ‬التعطيل،‭ ‬انخفضت‭ ‬فوراً‭ ‬علاوة‭ ‬الخطر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مضافة‭ ‬على‭ ‬البرميل‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬بقيت‭ ‬السوق‭ ‬واعية‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬المضيق‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬المعادلة،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬الخطر‭ ‬الفوري‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬الخطر‭ ‬المؤجل‮»‬‭.‬
اقتصادياً،‭ ‬هذه‭ ‬نقطة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭. ‬لأن‭ ‬استقرار‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬استقرار‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬ومرونة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬أما‭ ‬أي‭ ‬عودة‭ ‬للتهديد،‭ ‬فستعني‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬للقفز‭ ‬بنفس‭ ‬السرعة‭ ‬وربما‭ ‬بعنف‭ ‬أكبر،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬شعرت‭ ‬السوق‭ ‬أن‭ ‬الهدنة‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬استراحة‭ ‬قصيرة‭ ‬بين‭ ‬موجتين‭ ‬من‭ ‬التوتر‭.‬

الأسواق‭ ‬تتنفس

تراجع‭ ‬النفط‭ ‬منح‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬شيئاً‭ ‬كانت‭ ‬تحتاجه‭ ‬بشدة‭: ‬مساحة‭ ‬تنفس‭. ‬فحين‭ ‬هبط‭ ‬الخام،‭ ‬لم‭ ‬تستفد‭ ‬فقط‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬تلقّت‭ ‬الأسهم،‭ ‬والعملات،‭ ‬والسندات،‭ ‬وحتى‭ ‬الأصول‭ ‬الخطرة،‭ ‬إشارة‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬تجنب‭ ‬مؤقتاً‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الصدمات‭ ‬الممكنة‭: ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬تمتد‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬تضخم‭ ‬ونمو‭ ‬وفائدة‭.‬
هذا‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سوق،‭ ‬ولماذا‭ ‬استقبل‭ ‬المستثمرون‭ ‬تراجع‭ ‬الخام‭ ‬بوصفه‭ ‬خبراً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تحرك‭ ‬سلعي‭. ‬فكل‭ ‬دولار‭ ‬ينخفض‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬يعني،‭ ‬نظرياً،‭ ‬ضغوطاً‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية،‭ ‬وشركات‭ ‬النقل‭ ‬والطيران،‭ ‬والمستهلكين،‭ ‬والبنوك‭ ‬المركزية‭. ‬وهذه‭ ‬معادلة‭ ‬تملك‭ ‬وزناً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬عالمية‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬تجاه‭ ‬التكاليف‭ ‬والتضخم‭.‬
لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تفاؤل‭ ‬كامل‭ ‬أو‭ ‬‮«‬نشوة‭ ‬راحة‮»‬‭ ‬مطلقة،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬سريع‭ ‬لتراجع‭ ‬الذعر،‭ ‬لا‭ ‬دليلاً‭ ‬قاطعاً‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬التوازن‭ ‬الطبيعي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الارتياح‭ ‬الحالي‭ ‬حقيقياً‮…‬‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مطمئن‭ ‬بالكامل‭.‬

شح‭ ‬لا‭ ‬يختفي

واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬تغطيات‭ ‬السوق‭ ‬الأربعاء‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أسواق‭ ‬الخام‭ ‬كانت‭ ‬أصلاً‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬لشح‭ ‬الإمدادات‭ ‬قبل‭ ‬الهدنة‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬الفعلية‭ ‬كانت‭ ‬تسعّر‭ ‬بالفعل‭ ‬نقصاً‭ ‬متزايداً‭ ‬في‭ ‬المعروض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهبوط‭ ‬الحالي‭ ‬كافياً‭ ‬لإزالة‭ ‬كل‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬المشهد‭.‬
بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬الهدنة‭ ‬خففت‭ ‬الخوف‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تخلق‭ ‬تلقائياً‭ ‬وفرة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الإمدادات‭ ‬مشدودة‭ ‬بالفعل،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬عودة‭ ‬للتوتر‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تعطّل‭ ‬لوجستي‭ ‬ولو‭ ‬محدود‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬السوق‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسعار‭ ‬الأربعاء‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُفسر‭ ‬فقط‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬الهدنة‭ ‬‭= ‬هبوط‮»‬‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬أيضاً،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬المتعاملين‭ ‬لا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الخام‭ ‬الحالي‭ ‬كإشارة‭ ‬على‭ ‬بداية‭ ‬هبوط‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬بل‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التنفيس‭ ‬السعري‭ ‬بعد‭ ‬موجة‭ ‬تسعير‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭ ‬للمخاطر‭. ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬تبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأساسية‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تستعد‭ ‬بعد‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬الراحة‭ ‬البنيوية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كملف‭ ‬هامشي‭.‬

التضخم‭ ‬يترقب

النفط‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مؤشر‭ ‬تضخم‭ ‬متنقل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬تحركاته‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية‭. ‬فحين‭ ‬صعدت‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬عادت‭ ‬الأسواق‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭: ‬هل‭ ‬ستعود‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الطاقة؟‭ ‬وحين‭ ‬هبط‭ ‬الخام‭ ‬الأربعاء،‭ ‬جاء‭ ‬السؤال‭ ‬المعاكس‭ ‬فوراً‭: ‬هل‭ ‬تم‭ ‬احتواء‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬بالفعل‭ ‬أم‭ ‬جرى‭ ‬فقط‭ ‬تأجيله؟
هذه‭ ‬النقطة‭ ‬محورية‭ ‬للغاية‭ ‬لأن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬بعد‭ ‬نهائياً‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬التضخم‭. ‬فالبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الكبرى‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬حذرة،‭ ‬والأسواق‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬حساسة‭ ‬جداً‭ ‬لأي‭ ‬إشارة‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬بقاء‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تفعله‭ ‬بأسعار‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتوقعات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬هبوط‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬كان‭ ‬خبراً‭ ‬مريحاً‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬نظرياً،‭ ‬لأنه‭ ‬خفف‭ ‬مؤقتاً‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬إعادة‭ ‬إشعال‭ ‬الضغوط‭ ‬السعرية‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الارتياح‭ ‬يبقى‭ ‬هشاً‭ ‬جداً،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬عودة‭ ‬للتوتر‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬ببساطة‭ ‬عودة‭ ‬سيناريو‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬الطاولة‭ ‬بسرعة‭ ‬شديدة‭.‬

الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ

من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬توحي‭ ‬حركة‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬انتهت،‭ ‬لكن‭ ‬مؤشرات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأخرى‭ ‬تقول‭ ‬العكس‭. ‬فتقارير‭ ‬حديثة‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬أشهراً‭ ‬للاستقرار‭ ‬رغم‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الغاز‭ ‬الأوروبي‭ ‬سجل‭ ‬أكبر‭ ‬وتيرة‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬عامين‭ ‬بعد‭ ‬الهدنة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬القفزة‭ ‬السابقة‭ ‬وحجم‭ ‬الحساسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مسعّرة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬الأوسع،‭ ‬لا‭ ‬النفط‭ ‬وحده‭.‬
وهذا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬لفهم‭ ‬الصورة‭ ‬الكاملة‭. ‬لأن‭ ‬الطاقة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬أو‭ ‬الخام‭ ‬الأميركي،‭ ‬بل‭ ‬شبكة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬المشتقات‭ ‬والغاز‭ ‬والوقود‭ ‬والشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬والتسعير‭ ‬الفوري‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬عناصر‭ ‬الأزمة‭ ‬انطفأت،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الذعر‭ ‬تم‭ ‬تفريغه‭ ‬من‭ ‬السوق‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الأساسية‭: ‬السوق‭ ‬تحتفل‭ ‬الأربعاء‭ ‬بانخفاض‭ ‬الأسعار،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬للأزمة‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬بالكامل‭. ‬فالإمدادات‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬حساسة،‭ ‬والممرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تحت‭ ‬المجهر،‭ ‬والطلب‭ ‬العالمي‭ ‬لم‭ ‬يختفِ،‭ ‬والسياسة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬إشعال‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭.‬

بين‭ ‬التصحيح‭ ‬والاتجاه

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يهم‭ ‬المستثمرين‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭: ‬لماذا‭ ‬هبط‭ ‬النفط؟‭ ‬بل‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬الهبوط‭ ‬بداية‭ ‬اتجاه،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬تصحيح‭ ‬بعد‭ ‬ذروة‭ ‬خوف؟‭ ‬والإجابة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تميل‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تحسم‭ ‬أمرها‭ ‬بعد‭.‬
إذا‭ ‬صمدت‭ ‬الهدنة،‭ ‬واستمر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مفتوحاً‭ ‬وآمناً،‭ ‬ولم‭ ‬تظهر‭ ‬صدمات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬فقد‭ ‬يجد‭ ‬النفط‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للتراجع‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬الاستقرار‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬تعثرت‭ ‬التفاهمات،‭ ‬أو‭ ‬عاد‭ ‬الخطاب‭ ‬التصعيدي،‭ ‬أو‭ ‬ظهرت‭ ‬اختناقات‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬لوجستية،‭ ‬فقد‭ ‬تعود‭ ‬الأسعار‭ ‬للارتفاع‭ ‬بسرعة،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬بعد‭ ‬ذاكرتها‭ ‬القريبة‭ ‬لما‭ ‬جرى‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الهبوط‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ببساطة‭ ‬نتيجة‭ ‬تفكيك‭ ‬مراكز‭ ‬شراء‭ ‬دفاعية‭ ‬بُنيت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الذعر‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التراجع‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬سريعاً‭ ‬وقوياً،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لبناء‭ ‬اتجاه‭ ‬نزولي‭ ‬مستدام‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تدعمه‭ ‬أساسيات‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬والاستقرار‭ ‬الجيوسياسي‭.‬

الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬هبط‭ ‬النفط‭ ‬الأربعاء‭ ‬لأنه‭ ‬تلقى‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭: ‬هدنة‭ ‬في‭ ‬الخوف‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الهدنة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الخطر،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬أنه‭ ‬ابتعد‭ ‬مؤقتاً‭ ‬عن‭ ‬حافتها‭ ‬الأكثر‭ ‬حدة‭. ‬وهذا‭ ‬فرق‭ ‬جوهري‭.‬
فالخام‭ ‬تراجع،‭ ‬نعم،‭ ‬لكن‭ ‬القصة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬هبوط‭ ‬السعر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬كشفه‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭: ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الطاقة،‭ ‬وأن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬حتى‭ ‬ترتبك،‭ ‬بل‭ ‬يكفيها‭ ‬احتمال‭ ‬الحرب‭ ‬كي‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الفائدة‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬عنوان‭ ‬المرحلة‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬انتهاء‭ ‬الأزمة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إدارة‭ ‬الهشاشة‭. ‬والأسواق‭ ‬الأربعاء‭ ‬لا‭ ‬تحتفل‭ ‬بانتصار‭ ‬نهائي،‭ ‬بل‭ ‬تلتقط‭ ‬أنفاسها‭ ‬فقط‭. ‬وبين‭ ‬تراجع‭ ‬البرميل‭ ‬الأربعاء‭ ‬واحتمالات‭ ‬الغد،‭ ‬تبقى‭ ‬الرسالة‭ ‬الأوضح‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يهبط‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬القلق‭ ‬لم‭ ‬يهبط‭ ‬معه‭ ‬بالكامل‭.‬

رجوع لأعلى