النفط يواجه اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار
تواصل أسواق النفط العالمية التحرك في نطاق واسع من التقلبات، مـع استمـرار المخـاوف المتعلقـة بأمن الإمدادات وحركة الملاحة في أهم الممرات البحرية لنقل الخام. فالتوترات التي تشهدها المنطقة دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر السوق، الأمر الذي انعكس على الأسعار التي سجلت ارتفاعات قوية خلال معظم جلسات الأسبوع قبل أن تتراجع في نهايته بفعل مؤشرات على تحركات دبلوماسية تهدف إلى احتواء التصعيد.
ورغم تراجع الأسعار في جلسة الجمعة، فإن خامي برنت وغرب تكساس الوسيط أنهيا الأسبوع على مكاسب قوية، في إشارة إلى أن الأسواق ما زالت تضع احتمالات تعطل الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين في مقدمة العوامل المؤثرة على الأسعار، متقدمة على العوامل التقليدية المرتبطة بالإنتاج والطلب والمخزونات.
مكاسب أسبوعية
شهدت أسعار النفط أسبوعاً استثنائياً اتسم بارتفاعات قوية، بعدما عززت المخاوف المرتبطة بالإمدادات الطلب على العقود الآجلة، ليتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أشهر.
لكن الأسعار تعرضت في جلسة الجمعة لضغوط بيعية بعد ظهور مؤشرات على جهود سياسية لخفض التوترات، فتراجع خام برنت بنحو 3.88 % ليستقر عند 96.78 دولاراً للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.12 % إلى 89.31 دولاراً.
ورغم هذا التراجع، أنهى خام برنت الأسبوع على مكاسب تقارب 10 %، في حين ارتفع الخام الأميركي بنحو 8.27 %، ما يعكس استمرار المخاوف من اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن البحري.
تقلبات حادة
تعكس التحركات الأخيرة حجم حالة عدم اليقين التي تسيطر على سوق النفط، إذ أصبحت الأسعار تستجيب بسرعة لأي تطور أمني أو سياسي، حتى في غياب تغيرات فعلية في الإنتاج أو المخزونات.
فمجرد تزايد احتمالات تعطل الإمدادات أو استهداف الممرات البحرية يدفع الأسعار إلى الصعود، بينما تؤدي أي مؤشرات على انفراج سياسي إلى تقليص علاوة المخاطر وانخفاض الأسعار.
كما أن بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويرفع تكاليف النقل والصناعة والكهرباء، ما قد يؤخر خطط البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة.
عامل هرمز
يبقى مضيق هرمز أحد أهم نقاط الارتكاز في سوق النفط العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الخام والمنتجات النفطية القادمة من منطقة الخليج.
وأي اضطراب في حركة الملاحة داخل المضيق يثير قلق الأسواق فوراً، حتى إذا لم يؤد إلى توقف فعلي للصادرات، لأن مجرد ارتفاع مستوى المخاطر يدفع شركات الشحن إلى رفع رسوم النقل والتأمين أو تغيير مسارات السفن.
وقد شهدت الفترة الأخيرة زيادة في الإجراءات الاحترازية التي تتخذها شركات الملاحة، الأمر الذي رفع تكلفة نقل النفط وأوجد ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى أسعار الخام تحسباً لأي تطورات مفاجئة.
البحر الأحمر
لا تقتصر الضغوط على مضيق هرمز، إذ ما زالت اضطرابات البحر الأحمر تؤثر في حركة التجارة العالمية وسلاسل إمدادات الطاقة.
فالهجمات التي استهدفت سفناً تجارية خلال الأشهر الماضية دفعت عدداً من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول، ما زاد زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين.
كما أدى طول الرحلات إلى تقليص عدد الناقلات المتاحة، الأمر الذي ساهم في ارتفاع أسعار الشحن، حتى مع استمرار الإنتاج عند مستويات مستقرة.
ويؤكد ذلك أن استقرار إنتاج النفط لا يكفي وحده لضمان استقرار السوق، إذ أصبحت كفاءة النقل البحري عاملاً رئيسياً في وصول الإمدادات إلى المستهلكين.
أمن الإمدادات
دفعت هذه التطورات الدول المستوردة إلى تشديد مراقبة أوضاع السوق وتعزيز خطط أمن الطاقة، من خلال متابعة مستويات المخزون وتنويع مصادر الاستيراد.
وتفضل الحكومات عدم استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية إلا في حالات الانقطاع الفعلي للإمدادات، لأنها تمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة الأزمات الكبرى.
كما تعمل الدول على توقيع عقود طويلة الأجل مع المنتجين، وتوسيع شبكة الموردين، لتقليل الاعتماد على مسار بحري واحد أو مصدر واحد للنفط، بما يحد من آثار أي اضطرابات مستقبلية.
اليابان تطمئن
أكدت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي أن بلادها نجحت في تأمين احتياجاتها من النفط الخام، وأن الحكومة لا ترى حاجة حالياً إلى السحب من المخزون النفطي الاستراتيجي.
وأوضحت أن احتياجات الشهر الجاري مؤمنة بالكامل، فيما تسير عمليات شراء احتياجات الشهر المقبل وفق الخطط الموضوعة، مؤكدة استمرار الحكومة في متابعة أوضاع السوق لضمان استقرار الإمدادات.
احتياطيات استراتيجية
تحتفظ الاقتصادات الكبرى باحتياطيات نفطية استراتيجية لمواجهة الأزمات الطارئة، لكنها تتجنب استخدامها عند ارتفاع الأسعار فقط.
فالإفراج عن هذه المخزونات يهدف إلى تعويض النقص الفعلي في الإمدادات، وليس التدخل لمعالجة تقلبات الأسعار قصيرة الأجل.
كما أن استخدام هذه الاحتياطيات يبعث برسائل قوية للأسواق، ولذلك تتعامل الحكومات مع هذه الأداة بحذر شديد، حتى لا تستنزف مخزوناتها في أزمة قد تطول.
وفي المقابل، فإن تأكيد الدول الكبرى عدم الحاجة إلى استخدام الاحتياطيات يسهم في تهدئة الأسواق إذا كان مدعوماً باستمرار تدفق الإمدادات.
الطلب العالمي
إلى جانب التطورات الأمنية، تواصل الأسواق مراقبة مؤشرات الطلب العالمي، خصوصاً في الصين والهند والولايات المتحدة وأوروبا.
فانتعاش النشاط الصناعي والسفر يزيد استهلاك الوقود، بينما يؤدي تباطؤ الاقتصاد إلى تقليص الطلب على الطاقة.
ومع ذلك، فإن استمرار المخاطر الجيوسياسية قد يبقي الأسعار مرتفعة حتى في حال ظهور مؤشرات على ضعف الطلب، لأن المستثمرين يركزون حالياً على احتمـالات نقص الإمــدادات أكثر من تركيزهم على مستويات الاستهلاك.
الإنتاج والمخزونات
تتابع الأسواق أيضاً مستويات الإنتاج والطاقة الاحتياطية لدى الدول المنتجة، إضافة إلى حجم المخزونات التجارية.
ورغم امتلاك بعض المنتجين قدرة على زيادة الإنتاج إذا دعت الحاجة، فإن استمرار أي اضطرابات لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف المخزونات وارتفاع الأسعار، خاصة إذا تزامن ذلك مع زيادة موسمية في الطلب.
كما تلعب قدرة الموانئ والمصافي وشبكات النقل على مواصلة العمل دوراً أساسياً في استقرار السوق، إلى جانب حجم الإنتاج نفسه.
تكاليف اقتصادية
يمثل بقاء أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل تحدياً كبيراً للدول المستوردة، إذ ترتفع فاتورة الواردات وتتزايد الضغوط على الميزانيات والعملات المحلية.
كما تنتقل زيادة أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل والصناعة والزراعة والخدمات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع للمستهلكين ويزيد الضغوط التضخمية.
أما الدول المنتجة، فتستفيد من ارتفاع الإيرادات النفطية، لكنها تواجه في المقابل مخاطر تباطؤ الطلب العالمي إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، فضلاً عن احتمال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على صادراتها.