تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬تربك‭ ‬هيمنة‭ ‬الذكاء‭ ‬الأميركي

النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬تربك‭ ‬هيمنة‭ ‬الذكاء‭ ‬الأميركي

شهد‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تحولاً‭ ‬متسارعاً،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬إقبال‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تقدم‭ ‬مستويات‭ ‬أداء‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬نظيراتها‭ ‬الأميركية،‭ ‬ولكن‭ ‬بتكلفة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير،‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬سوق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ويضع‭ ‬الشركات‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬والإنفاق،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيـز‭ ‬علـى‭ ‬امتلاك‭ ‬النموذج‭ ‬الأقـوى‭ ‬فقط‭.‬
فبعد‭ ‬أن‭ ‬هيمنت‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬لطفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬تفوقها‭ ‬التقني‭ ‬وسرعة‭ ‬تطوير‭ ‬النماذج،‭ ‬بدأت‭ ‬الشركات‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬شركات‭ ‬أميركية،‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬التشغيلية‭ ‬مع‭ ‬تضخم‭ ‬تكاليف‭ ‬استخدام‭ ‬النماذج‭ ‬المتقدمة‭ ‬وظهور‭ ‬بدائل‭ ‬صينية‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬معظم‭ ‬المهام‭ ‬اليومية‭ ‬بكفاءة‭ ‬مرتفعة‭ ‬وأسعار‭ ‬أقل‭.‬

التكلفة‭ ‬تقود‭ ‬التحول

ويعد‭ ‬عامل‭ ‬التكلفة‭ ‬المحرك‭ ‬الأبرز‭ ‬لهذا‭ ‬التحول،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬الأميركية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أعلى‭ ‬تكلفة‭ ‬بعشرات‭ ‬المرات‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنماذج‭ ‬الصينية،‭ ‬بينما‭ ‬تقدر‭ ‬مصادر‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬تقل‭ ‬أسعارها‭ ‬بنحو‭ ‬60‭ % ‬إلى‭ ‬90‭ % ‬عن‭ ‬نظيراتها‭ ‬الأميركية‭.‬
وتوضح‭ ‬بيانات‭ ‬السوق‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الفارق،‭ ‬إذ‭ ‬تبلغ‭ ‬تكلفة‭ ‬استخدام‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬ميني‭ ‬ماكس‭ ‬إم‭ ‬2‭.‬5‮»‬‭ ‬الصيني‭ ‬نحو‭ ‬0‭.‬30‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬مليون‭ ‬رمز‭ (‬Token‭)‬،‭ ‬مقابل‭ ‬5‭ ‬دولارات‭ ‬لنموذج‭ ‬‮«‬كلود‭ ‬أوبس‭ ‬4‭.‬6‮»‬‭ ‬التابع‭ ‬لشركة‭ ‬أنثروبيك،‭ ‬أي‭ ‬بفارق‭ ‬يقارب‭ ‬17‭ ‬ضعفاً‭.‬
ومع‭ ‬توسع‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬آلاف‭ ‬المهام‭ ‬اليومية،‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الفروقات‭ ‬المالية‭ ‬مؤثرة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬التشغيل،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬خياراتها‭ ‬التقنية‭.‬

الأداء‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬المنافسين

ولم‭ ‬يعد‭ ‬انخفاض‭ ‬السعر‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تراجع‭ ‬الجودة،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬اختبارات‭ ‬البرمجة‭ ‬المتقدمة‭ ‬تقارباً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬مع‭ ‬منافسيها‭ ‬الأميركيين‭.‬
فقد‭ ‬سجل‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬ميني‭ ‬ماكس‭ ‬إم‭ ‬2‭.‬5‮»‬‭ ‬معدل‭ ‬نجاح‭ ‬بلغ‭ ‬80‭.‬2‭ % ‬في‭ ‬اختبارات‭ ‬البرمجـة‭ ‬المعقـدة،‭ ‬مقابل‭ ‬80‭.‬8‭ % ‬لنموذج‭ ‬‮«‬كلود‭ ‬أوبس‭ ‬4‭.‬6‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬فارق‭ ‬محدود‭ ‬يعكس‭ ‬تطور‭ ‬قدرات‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬
ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬دفع‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أولوياتها،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التفوق‭ ‬الطفيف‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬كافياً‭ ‬لتبرير‭ ‬فارق‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬التكلفة،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمهام‭ ‬الروتينية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬أعلى‭ ‬مستويات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬
كما‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬أوبن‭ ‬راوتر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حصة‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬المستخدمة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ % ‬أسبوعياً‭ ‬منذ‭ ‬فبراير،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬تبلغ‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬نحو‭ ‬11‭ % ‬فقط‭ ‬قبل‭ ‬عام،‭ ‬فيما‭ ‬وصلت‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأسابيع‭ ‬إلى‭ ‬46‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬سرعة‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

استراتيجيات‭ ‬استخدام‭ ‬جديدة

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬بدأت‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬نماذج‭ ‬تشغيل‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬مزود‭ ‬واحد‭.‬
فقد‭ ‬اختارت‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬دورداش‮»‬‭ ‬و«إير‭ ‬بي‭ ‬إن‭ ‬بي‮»‬‭ ‬توزيع‭ ‬المهام‭ ‬بين‭ ‬النماذج‭ ‬الأميركية‭ ‬والصينية،‭ ‬بحيث‭ ‬تتولى‭ ‬النماذج‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬الأعمال‭ ‬الروتينية،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬النماذج‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬قدرات‭ ‬استدلالية‭ ‬أعلى‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ذهبت‭ ‬شركات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬أعلنت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬ليندي‮»‬‭ ‬نقل‭ ‬عملياتها‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬ديب‭ ‬سيك‭ ‬في‭ ‬4‮»‬‭ ‬الصيني،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬تزايد‭ ‬ثقة‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬بالنماذج‭ ‬الصينية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الأعمال‭ ‬اليومية‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الهجين‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬النموذج‭ ‬الأكثر‭ ‬انتشاراً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬لأنه‭ ‬يسمح‭ ‬للشركات‭ ‬بتحقيق‭ ‬وفورات‭ ‬كبيرة‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬مزايا‭ ‬النماذج‭ ‬المتقدمة‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.‬

المنافسة‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة

ولم‭ ‬يكن‭ ‬عامل‭ ‬التكلفة‭ ‬وحده‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬إذ‭ ‬ساهمت‭ ‬القيود‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬شركات‭ ‬أوروبية‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬اعتماد‭ ‬البدائل‭ ‬الصينية،‭ ‬رغم‭ ‬رفع‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬لاحقاً‭.‬
ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬النموذج‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتكز‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وسهولة‭ ‬الوصول‭ ‬والاستقرار‭ ‬التنظيمي‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬تقارب‭ ‬أداء‭ ‬النماذج‭ ‬الصينية‭ ‬مع‭ ‬منافساتها‭ ‬الأميركية،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تزداد‭ ‬المنافسة‭ ‬حدة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬توسع‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الاستخدام‭ ‬الهجين‭ ‬أو‭ ‬انتقال‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬النماذج‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭. ‬ويشير‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سباق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة،‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الأداء‭ ‬والسعر‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬الشركات،‭ ‬وليس‭ ‬التفوق‭ ‬التقني‭ ‬وحده‭.‬

رجوع لأعلى