النينيو يوقظ الاقتصاد العالمي.. من حرارة المحيط إلى غلاء الخبز والطاقة
لم تعد ظاهرة “النينيو” مجرد حدث مناخي عابر يراقبه العلماء في خرائط المحيطات، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى متغير اقتصادي عالمي قادر على التأثير المباشر في أسعار الغذاء والطاقة والتأمين والنقل البحري وحتى معدلات النمو الاقتصادي. ففي الوقت الذي يركز فيه العالم على التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية، يتشكل في المحيط الهادئ “عامل ضغط” جديد قد يكون الأكثر تأثيراً على حياة البشر خلال عام 2026.
وتشير القياسات المناخية الحديثة إلى ارتفاع حرارة المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي فوق العتبة الحرجة البالغة نصف درجة مئوية، وهو ما يعد بداية رسمية لنشاط ظاهرة النينيو. كما رصد العلماء مياها أكثر دفئاً من المعتاد قرب سواحل بيرو بفارق وصل إلى 1.8 درجة مئوية، في إشارة يراها خبراء المناخ دليلاً على تسارع الظاهرة واحتمال تطورها إلى موجة قوية قد تمتد حتى نهاية العام الجاري.
ويخشى الباحثون من أن يؤدي تزامن النينيو مع ارتفاع درجات حرارة الأرض الناتج عن الاحتباس الحراري إلى خلق “صدمة مناخية مزدوجة” تدفع العالم إلى مرحلة أكثر اضطراباً على مستوى الأمن الغذائي وأسعار السلع الأساسية. فهذه الظاهرة لا تقتصر على ارتفاع حرارة المياه فقط، بل تقلب أنماط الرياح والأمطار عالمياً، ما يسبب جفافاً شديداً في بعض المناطق وفيضانات مدمرة في مناطق أخرى، وهو ما ينعكس سريعاً على الأسواق وسلاسل الإمداد.
حركة الملاحة
وتبرز قناة بنما كواحدة من أكثر النقاط حساسية أمام تداعيات النينيو. فالقناة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية تعتمد على كميات ضخمة من المياه العذبة لتشغيل الأهوسة ورفع السفن وخفضها أثناء العبور. ومع انخفاض الأمطار نتيجة الجفاف، تتراجع مستويات المياه في البحيرات المغذية للقناة، ما قد يدفع السلطات إلى تقليل عدد السفن المسموح بمرورها يومياً.
هذا السيناريو لا يعني فقط ازدحاماً في حركة الملاحة، بل يهدد أيضاً بارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري. فالسفن قد تضطر لتخفيف حمولاتها كي تتمكن من المرور في المياه الضحلة، بينما ستلجأ شركات أخرى إلى تحويل مساراتها عبر طرق أطول مثل رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يضيف أسابيع إلى زمن الرحلات ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التأمين والنقل.
ومع انتقال هذه الضغوط إلى الأسواق، تبدأ أسعار الغذاء في التحرك صعوداً. فدول آسيوية رئيسية مثل تايلاند وفيتنام تواجه مخاطر جفاف قد تؤثر في إنتاج الأرز، بينما تتزايد التوقعات بأن تفرض الهند قيوداً جديدة على صادرات الحبوب لحماية السوق المحلية من نقص الإمدادات. ويعد ذلك تطوراً شديد الحساسية بالنسبة للدول المستوردة للغذاء، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث يشكل الأرز والقمح عناصر أساسية في الأمن الغذائي.
كما تمتد التداعيات إلى أسواق السكر والزيوت النباتية. فالجفاف والفيضانات المفاجئة يهددان محاصيل السكر في البرازيل وآسيا، في وقت تواجه فيه إندونيسيا مخاطر تراجع إنتاج زيت النخيل بسبب انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما قد يرفع أسعار المنتجات الغذائية والوقود الحيوي معاً.
تضخم الغذاء
ويحذر اقتصاديون من أن العالم قد يدخل موجة جديدة من “تضخم الغذاء”، وهو المصطلح الذي يصف ارتفاع أسعار المواد الغذائية بوتيرة أسرع من بقية السلع والخدمات. وتزداد خطورة هذا السيناريو مع استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة والنقل، ما يخلق أزمة مركبة تضغط على ميزانيات الأسر وترفع تكاليف المعيشة عالمياً.
ولا تتوقف آثار النينيو عند الغذاء فقط، بل تمتد إلى قطاع الطاقة والصناعة. ففي البرازيل مثلاً، قد يؤدي الجفاف إلى انخفاض مستويات المياه في السدود الكهرومائية، ما يجبر الحكومة على تشغيل محطات أكثر كلفة لإنتاج الكهرباء. أما في إندونيسيا، فإن نقص الأمطار قد يعطل إنتاج النيكل، وهو معدن أساسي في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، ما يهدد برفع تكاليف الصناعات التكنولوجية الحديثة.
وتكشف الدراسات الاقتصادية أن الخسائر المرتبطة بموجات النينيو الكبرى قد تستمر لسنوات طويلة بعد انتهاء الظاهرة نفسها. فقدرت خسائر موجة الثمانينيات بنحو 2.6 تريليون دولار، بينما ارتفعت في تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 4.7 تريليون دولار، مع تأثيرات امتدت إلى الصحة العامة ومستويات المعيشة ومتوسط العمر المتوقع في العديد من الدول.
ومع تقديرات تشير إلى أن خسائر الكوارث الطبيعية قد تصل إلى 148 مليار دولار خلال 2026، تبدو شركات التأمين والبنوك والأسواق المالية أمام تحديات متزايدة، خاصة إذا تزامنت الظاهرة مع أعاصير قوية وحرائق غابات وعواصف أكثر عنفاً. ولهذا، يرى خبراء الاقتصاد أن الاستثمار في التكيف المناخي لم يعد خياراً بيئياً فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية لحماية النمو العالمي وتقليل الخسائر المستقبلية.
وفي عالم باتت فيه حرارة المحيط قادرة على تغيير أسعار الخبز والكهرباء والشحن خلال أسابيع، يبدو أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها المناخ لاعباً رئيسياً لا يقل تأثيراً عن السياسة والحروب وأسعار الفائدة.