تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجرة‭ ‬الجماعية‭ ‬تواجه‭ ‬مراجعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة

الهجرة‭ ‬الجماعية‭ ‬تواجه‭ ‬مراجعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة

شهدت‭ ‬قضية‭ ‬الهجرة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بعدما‭ ‬ظلت‭ ‬لعقود‭ ‬تُقدَّم‭ ‬باعتبارها‭ ‬محركاً‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تغير‭ ‬مواقف‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬والاقتصاديين،‭ ‬بدأت‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬جديدة‭ ‬حول‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للهجرة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬خصوصاً‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأسواق‭ ‬الإسكان‭ ‬والإنتاجية‭ ‬ومستويات‭ ‬الأجور‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭.‬
ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواجه‭ ‬فيه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬ونقص‭ ‬المساكن،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬نمو‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬فتح‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الهجرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬أو‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬تعقيدها‭.‬

تحول‭ ‬سياسي
على‭ ‬جانبي‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬بدأت‭ ‬أحزاب‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬الوسط‭ ‬تتبنى‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً‭ ‬تجاه‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬المنضبطة،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬القضية‭ ‬تشكل‭ ‬عاملاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬الناخبين‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزاً‭ ‬على‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬وتنظيم‭ ‬تدفقات‭ ‬المهاجرين‭.‬
ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكاً‭ ‬متزايداً‭ ‬بأن‭ ‬سياسات‭ ‬الهجرة‭ ‬باتت‭ ‬ترتبط‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بقضايا‭ ‬الإسكان‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭ ‬وسوق‭ ‬العمل،‭ ‬وهي‭ ‬ملفات‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬أولويات‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭.‬

أزمة‭ ‬الإسكان
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬إشعال‭ ‬الجدل،‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬اقتصاديون‭ ‬في‭ ‬بنكي‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬دالاس‭ ‬وسان‭ ‬فرانسيسكو،‭ ‬إذ‭ ‬أرجعوا‭ ‬نحو‭ ‬30‭% ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المساكن‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬و2024‭ ‬إلى‭ ‬طفرة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭.‬
وأعادت‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬السريع‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬المساكن،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعاني‭ ‬فيه‭ ‬المدن‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المعروض‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬البناء‭. ‬كما‭ ‬عززت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬آراء‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬السكني‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭.‬

الإنتاجية‭ ‬أولاً
وفي‭ ‬سويسرا،‭ ‬أثار‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬وضع‭ ‬سقف‭ ‬لعدد‭ ‬السكان‭ ‬اهتماماً‭ ‬جديداً‭ ‬بالدور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للهجرة،‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬قد‭ ‬يقلل‭ ‬الحوافز‭ ‬أمام‭ ‬الشركات‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ورفع‭ ‬الإنتاجية‭.‬
ويذهب‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬عمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬تحديث‭ ‬نماذج‭ ‬أعمالها‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الابتكار،‭ ‬بينما‭ ‬يؤدي‭ ‬نقص‭ ‬العمالة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الأتمتة‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭.‬
أبحاث‭ ‬جديدة

وتدعم‭ ‬ورقة‭ ‬بحثية‭ ‬أعدها‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لعام‭ ‬2024‭ ‬دارون‭ ‬عجم‭ ‬أوغلو،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين،‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬إذ‭ ‬خلصت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬المواليد‭ ‬ارتبط‭ ‬بارتفاع‭ ‬إنتاجية‭ ‬العامل‭ ‬ونمو‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭.‬
ويرى‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬نقص‭ ‬العمالة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الموفرة‭ ‬للعمالة،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ومستويات‭ ‬الأجور‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الدراسة‭ ‬تناولت‭ ‬أثر‭ ‬انخفاض‭ ‬المواليد،‭ ‬فإن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬نتائجها‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬بعض‭ ‬الفرضيات‭ ‬التقليدية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهجرة‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭.‬

إجماع‭ ‬يتراجع
كما‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬المسلمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تتعرض‭ ‬للمراجعة،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬تمثل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعويض‭ ‬شيخوخة‭ ‬السكان‭ ‬ودعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ويستحضر‭ ‬مراقبون‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬حول‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬وانضمام‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شبه‭ ‬إجماع‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬على‭ ‬فوائد‭ ‬الانفتاح‭ ‬التجاري،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬لاحقاً‭ ‬دراسات‭ ‬سلطت‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬والعمال‭.‬
ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬الحالي‭ ‬حول‭ ‬الهجرة‭ ‬قد‭ ‬يسلك‭ ‬مساراً‭ ‬مشابهاً،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬الأبحاث‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الافتراضات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والديموغرافية‭.‬

نقاش‭ ‬مفتوح‭ ‬يتطلب‭ ‬أدلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أوضح
ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬الجدل‭ ‬بين‭ ‬المؤيدين‭ ‬والمعارضين‭ ‬للهجرة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬فإن‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التسليم‭ ‬بالفوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬والدراسات‭ ‬التطبيقية‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الإسكان‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أهمية‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والابتكار،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستشهد‭ ‬مراجعة‭ ‬أوسع‭ ‬للسياسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالهجرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سعي‭ ‬الحكومات‭ ‬لتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬احتياجات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬ومتطلبات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

رجوع لأعلى