الوحدة ترفع فاتورة التقاعد مع تقلص حجم الأسرة
لم تعد معادلة التقاعد مرتبطة فقط بحجم المدخرات التي يراكمها الفرد خلال سنوات العمل، أو بالعائد المتوقع على استثماراته بعد مغادرة الوظيفة. فهناك متغير ديموغرافي يتسع تأثيره بهدوء، يتمثل في انتقال ملايين كبار السن من اقتصاد الأسرة إلى «اقتصاد الوحدة»، حيث يتحمل شخص واحد تكاليف كان يمكن توزيعها سابقاً بين فردين أو أكثر.
ويزداد هذا التحدي مع ارتفاع متوسط الأعمار وانتقال الأبناء إلى منازل مستقلة أو وفاة أحد الزوجين. ووفق بيانات «يوروستات»، كانت 39.8 % من النساء بعمر 65 عاماً فأكثر في الاتحاد الأوروبي يعشن بمفردهن في 2021، مقابل 20 % من الرجال.
ولا يعني العيش منفرداً بالضرورة وضعاً مالياً سيئاً، لكنه يغير اقتصاديات التقاعد جذرياً، لأن انخفاض عدد أفراد المنزل لا يؤدي إلى انخفاض مماثل في الإيجار والطاقة والإنترنت والصيانة وغيرها من المصروفات الثابتة.
كلفة المنزل
يظهر أثر «اقتصاد الوحدة» بوضوح في السكن. فالشخص الذي يعيش بمفرده يحتاج إلى منزل وكهرباء وتدفئة أو تبريد وإنترنت وأجهزة وصيانة، تماماً كما تحتاج إليها أسرة أكبر، لكن من دون وجود دخل ثانٍ أو شخص آخر يتقاسم معه الفاتورة.
وتقدم المملكة المتحدة مثالاً واضحاً. فمن أصل 28.6 مليون أسرة في 2024، كانت 29.5% مكونة من شخص واحد، وبلغ عدد من يعيشون منفردين 8.4 مليون شخص، مقابل 7.6 مليون قبل عشر سنوات.
وكان التحول أكبر بين كبار السن، إذ ارتفع عدد الأشخاص بعمر 65 عاماً فأكثر الذين يعيشون بمفردهم من 3.5 مليون في 2014 إلى 4.3 مليون في 2024، وأصبحوا يمثلون 51.1 % من جميع الأشخاص الذين يعيشون منفردين، مقابل 45.5 % قبل عقد.
وتبرز الفجوة بين الجنسين أيضاً، إذ بلغت نسبة النساء بعمر 65 عاماً فأكثر اللاتي يعشن بمفردهن 40.9 %، مقابل 27 % للرجال.
وتكمن المشكلة الاقتصادية في أن المسكن قد يصبح أكبر من حاجة شخص واحد بعد وفاة الزوج أو مغادرة الأبناء، لكن كثيراً من تكاليف تشغيله تظل ثابتة تقريباً. وهكذا قد يتراجع حجم الأسرة بصورة أسرع بكثير من انخفاض مصروفاتها.
فاتورة الطعام
تمتد هذه «الضريبة الخفية» إلى الإنفاق اليومي، فالشخص المنفرد يفقد وفورات الحجم التي تحصل عليها الأسرة عند شراء الغذاء وإعداد الوجبات وتخزين المنتجات وتقاسم تكلفتها.
وتظهر بيانات وزارة الزراعة الأميركية هذا الفارق بوضوح. ففي 2023 بلغ متوسط الإنفاق الأسبوعي على الغذاء للفرد بعمر 65 عاماً فأكثر الذي يعيش منفرداً 80 دولاراً، مقابل 70 دولاراً للفرد من العمر نفسه عندما يعيش ضمن أسرة تضم أكثر من شخص.
وتقدم اليابان صورة لما يمكن أن تصبح عليه اقتصادات أخرى مع تقدم السكان في العمر. فقد ارتفعت حصة الأسر المكونة من شخص واحد من إجمالي الإنفاق على الغـذاء من 21.7 % في 2005 إلى 29.6 % في 2025، عندما بلغ إجمالي الإنفاق الغذائي نحو 515 مليار دولار.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت حصة الأسر المسنة من الإنفاق الغذائي الياباني من 37% إلى 47.5 %.
رعاية مكلفة
يزداد العبء بصورة أكبر عندما يدخل عامل الرعاية طويلة الأجل إلى المعادلة. ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يحتاج نحو واحد من كل أربعة أشخاص بعمر 65 عاماً فأكثر في دول المنظمة إلى شكل من أشكال هذه الرعاية.
ومن المتوقع ارتفاع عدد المحتاجين إليها من 42.8 مليون شخص إلى 54.7 مليون بحلول 2050، أي بزيادة تقارب 28 %. وتمثل النساء نحو ثلثي كبار السن المحتاجين إلى الرعاية طويلة الأجل، فيما يبلغ نحو ثلثي أصحاب الاحتياجات الشديدة 80 عاماً فأكثر.
وتكشف التكلفة عن حجم المخاطر التي قد تواجه ميزانية المتقاعد المنفرد. فحتى بعد احتساب الدعم الحكومي، تتجاوز المدفوعات الشخصية للرعاية طويلة الأجل 70 % من متوسط الدخل المتاح للأشخاص ذوي احتياجات الرعاية الملحة في المتوسط عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي الولايات المتحدة، بلغ متوسط الدخل المتاح لمن تتجاوز أعمارهم 65 عاماً نحو 45.2 ألف دولار سنوياً. وإذا بلغت تكاليف الرعاية ما يعادل 70 % منه، فإن الفاتورة تصل إلى نحو 31.6 ألف دولار سنوياً.
وتستعد الحكومات بدورها لضغوط أكبر، إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اقتراب الإنفاق العام على الرعاية طويلة الأجل من الضعف بحلول 2050، ليصل إلى 2.8 % من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة.
وفورات تختفي
توضح بيانات الإنفاق الأميركية سبب أهمية حجم الأسرة في التخطيط المالي. ففي 2023 أنفقت الأسرة المكونة من شخص واحد 46.6 ألف دولار في المتوسط سنوياً، مقابل 80.5 ألف دولار للأسرة المكونة من شخصين.
ظاهرياً، ينفق الشخص المنفرد أقل، لكن الأسرة المكونة من فردين لا تنفق ضعف ما ينفقه الفرد الواحد. وهذا هو جوهر وفورات الحجم: كثير من التكاليف يمكن تقاسمها من دون مضاعفتها.
التقاعد يدخل عصر الأسرة الفردية
من المتوقع أن يصل عدد الأشخاص بعمر 65 عاماً فأكثر عالمياً إلى 1.6 مليار بحلول 2050، ما يعني أن اقتصاد الوحدة مرشح للتحول من ظاهرة ديموغرافية إلى قوة تعيد تشكيل أسواق الإسكان والغذاء والخدمات والرعاية والتأمين.
وسيكون التحدي أمام المتقاعدين أكبر من مجرد الإجابة عن سؤال: «كم ادخرت؟». فالسؤال الأكثر أهمية قد يصبح: كم ستكلف الحياة إذا أصبحت كل الفواتير لشخص واحد؟