انتعاش مرتقب لسوق الصكوك الخليجية خلال 2027
تتجه سوق الصكوك في دول مجلس التعاون الخليجي إلى مرحلة جديدة خلال عام 2027، مع توقعات بعودة عدد من المُصدرين إلى السوق، مدفوعين بتحسن الظروف الاقتصادية وارتفاع الاحتياجات التمويلية الحكومية والشركات، بعد تراجع ملحوظ في نشاط الإصدارات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
وترى وكالة ستاندرد آند بورز أن التحسن المرتقب في اقتصادات المنطقة خلال العام المقبل قد يعيد تنشيط سوق الصكوك، خصوصاً مع ارتفاع متطلبات التمويل وتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر السيولة، في وقت أظهرت فيه السوق خلال الفترة الماضية قدرة واضحة على استيعاب الطروحات الكبرى، رغم تراجع إجمالي حجم الإصدارات.
وبحسب تقديرات الوكالة، انخفض إجمالي إصدارات الصكوك في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 20% حتى نهاية سبتمبر 2026، في حين كان التراجع أقل حدة بالنسبة إلى الإصدارات الخليجية المقومة بالعملات الأجنبية، والتي انخفضت بنحو 9% خلال الفترة نفسها.
ويعكس هذا التباين بين إجمالي الإصدارات والإصدارات بالعملات الأجنبية اختلافاً في توجهات المُصدرين، إذ يبدو أن جزءاً من النشاط التمويني اتجه إلى الأسواق المحلية أو جرى تأجيله في ظل ظروف السوق وأسعار الفائدة وتقييمات المستثمرين لتطورات الاقتصاد العالمي والإقليمي.
تحسن اقتصادي يدعم الاحتياجات التمويلية
وتستند توقعات «ستاندرد آند بورز» بانتعاش سوق الصكوك في 2027 إلى فرضية تحسن النمو الاقتصادي في دول الخليج، وهو ما يمكن أن ينعكس على احتياجات الحكومات والشركات للتمويل.
ومع استمرار دول المنطقة في تنفيذ خططها الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب الإنفاق على البنية التحتية وتنويع الاقتصادات بعيداً عن النفط، تظل أدوات الدين، ومن بينها الصكوك، أحد المصادر المهمة لتوفير التمويل اللازم.
كما أن احتياجات التمويل لا ترتبط فقط بتمويل الإنفاق العام، وإنما تشمل أيضاً عمليات إعادة تمويل الديون القائمة، وتمويل التوسعات والاستثمارات، وإدارة آجال الاستحقاق، فضلاً عن دعم خطط الشركات والمؤسسات المرتبطة بالحكومات.
ومن شأن عودة النشاط الاقتصادي إلى مستويات أفضل أن تدفع مزيداً من المُصدرين إلى استغلال أسواق الدين، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تحسن شهية المستثمرين وانخفاض الضغوط المرتبطة بتكلفة الاقتراض.
أسعار الفائدة عامل حاسم
وتربط الوكالة عودة المُصدرين بقوة إلى سوق الصكوك خلال العام المقبل باستمرار ظروف السوق الداعمة، محذرة بصورة ضمنية من أن أي تغيرات حادة في تكلفة التمويل أو شهية المستثمرين قد تؤثر في توقيت الطروحات.
وتظل أسعار الفائدة العالمية من أبرز العوامل المؤثرة في سوق الصكوك، باعتبار أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يمكن أن يدفع بعض الجهات إلى تأجيل إصداراتها أو تقليص أحجامها، بينما يمكن لانخفاض أسعار الفائدة أو استقرارها عند مستويات أكثر ملاءمة أن يشجع على إعادة فتح السوق أمام مُصدرين جدد.
وبالتالي، فإن مسار السياسة النقدية العالمية، ولا سيما تحركات البنوك المركزية الكبرى، سيكون عاملاً مهماً في تحديد تكلفة التمويل وتسعير الصكوك الخليجية خلال 2027.
ولا يقتصر تأثير أسعار الفائدة على تكلفة الإصدار فحسب، بل يمتد إلى قرارات المستثمرين، إذ يقارن المستثمرون بين العوائد المتاحة على الصكوك والسندات والأصول الأخرى، ما يجعل مستويات العائد وهوامش الائتمان عنصراً أساسياً في تحديد حجم الطلب.
الطلب الاستثماري لا يزال قوياً
ورغم انخفاض حجم الإصدارات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، فإن أداء الطروحات الحديثة يقدم مؤشراً على استمرار قوة الطلب على أدوات الدين الإسلامية الخليجية.
ويبرز في هذا السياق الإصدار الدولي الذي نفذته السعودية في سبتمبر 2026، وجمعت من خلاله 3.25 مليار دولار، بينما وصلت طلبات المستثمرين إلى نحو 16.5 مليار دولار.
وتعني هذه الأرقام أن الطلب تجاوز حجم الإصدار بأكثر من خمسة أضعاف، وهو ما منح المملكة مساحة أكبر لإدارة عملية التسعير والاستفادة من المنافسة بين المستثمرين.
ونجحت السعودية، وفق المعطيات الواردة في التقرير، في خفض هامش التسعير بنحو 30 نقطة أساس مقارنة بالمستوى الاسترشادي الأولي لكل من شريحتي الإصدار لأجلي خمس وعشر سنوات.
ويعكس ذلك قدرة المُصدر الخليجي ذي الجدارة الائتمانية المرتفعة على جذب السيولة حتى في بيئة تتسم بقدر من الحذر، كما يوضح أن انخفاض إجمالي الإصدارات لا يعني بالضرورة تراجعاً مماثلاً في شهية المستثمرين تجاه الصكوك الخليجية.
لماذا تظل الصكوك الخليجية جذابة؟
تستفيد سوق الصكوك الخليجية من مجموعة من العوامل التي تدعم جاذبيتها لدى المستثمرين الدوليين والإقليميين.
أول هذه العوامل يتمثل في الوزن الائتماني لدول الخليج، خصوصاً الدول التي تتمتع بمراكز مالية قوية واحتياطيات كبيرة وقدرة مرتفعة على الوصول إلى أسواق الدين العالمية.
أما العامل الثاني فيرتبط بتنويع قاعدة المستثمرين، إذ توفر الصكوك فرصة للمؤسسات الاستثمارية والصناديق التي تبحث عن أدوات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، إلى جانب المستثمرين التقليديين الباحثين عن عوائد وأصول ذات جودة ائتمانية مرتفعة.
كما أن نمو سوق الصكوك عالمياً ساهم في زيادة عمق قاعدة المستثمرين، وهو ما يتيح للمُصدرين الخليجيين الاستفادة من الطلب الإقليمي والدولي عند طرح إصدارات كبيرة.
تراجع الإصدارات لا يعني ضعف السوق
ومن المهم التمييز بين انخفاض حجم الإصدارات خلال فترة معينة وبين ضعف هيكلي في سوق الصكوك.
فالتراجع البالغ نحو 20% في إجمالي الإصدارات الخليجية حتى نهاية سبتمبر قد يكون مرتبطاً بتوقيت عمليات التمويل، وظروف أسعار الفائدة، واحتياجات المُصدرين، وليس بالضرورة نتيجة انخفاض جاذبية الصكوك نفسها. وتشير قوة الطلب على الإصدار السعودي الأخير إلى أن المستثمرين لا يزالون مستعدين لتخصيص مبالغ كبيرة للطروحات الخليجية عندما تتوافر شروط التسعير المناسبة والجودة الائتمانية المطلوبة.
وبالتالي، فإن عودة النشاط في 2027 قد تكون مدفوعة بزيادة عدد الإصدارات أو أحجامها أو كليهما، خصوصاً إذا تزامنت الاحتياجات التمويلية مع بيئة سوق أكثر استقراراً.
العملات الأجنبية تحافظ على حضورها
أما الإصدارات الخليجية المقومة بالعملات الأجنبية، فقد سجلت تراجعاً أقل، بلغ نحو 9% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026.
ويكتسب هذا المسار أهمية بالنسبة إلى دول الخليج التي تستخدم أسواق الدين الدولية لتنويع قاعدة التمويل والوصول إلى المستثمرين العالميين، إلى جانب الاستفادة من السيولة المتاحة بالدولار.
وتظل السوق الدولارية مهمة بشكل خاص بالنسبة إلى المُصدرين الخليجيين، نظراً إلى ارتباط عملات غالبية دول مجلس التعاون بالدولار الأميركي، ما يجعل التمويل بالدولار أداة طبيعية لإدارة الالتزامات والاحتياجات التمويلية الخارجية.
السعودية في صدارة المشهد
ويبرز الدور السعودي بصورة واضحة في سوق الصكوك الخليجية، في ظل الحجم الكبير للاحتياجات التمويلية للمملكة واتساع قاعدة المستثمرين الدوليين المهتمين بأدوات الدين السعودية.
ويقدم الإصدار الأخير بقيمة 3.25 مليار دولار مثالاً على قدرة المملكة على الوصول إلى السيولة العالمية بشروط تسعير تنافسية، خصوصاً في ظل حجم طلب بلغ 16.5 مليار دولار.
كما أن نجاح خفض هامش التسعير بنحو 30 نقطة أساس عن المستويات الاسترشادية الأولية يعكس أهمية قوة الطلب في تحسين شروط التمويل للمُصدر.
ومن المرجح أن تظل السعودية أحد أبرز محركات نشاط سوق الصكوك الخليجية خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب إصدارات محتملة من دول ومؤسسات وشركات خليجية أخرى بحسب احتياجاتها التمويلية وظروف الأسواق.
آفاق السوق
وتشير الصورة العامة إلى أن سوق الصكوك الخليجية تدخل 2027 من قاعدة قوية رغم تراجع حجم الإصدارات في 2026. فالانخفاض في النشاط لم يترافق مع اختفاء الطلب، بينما أثبتت الطروحات الكبرى قدرة المُصدرين ذوي الجدارة الائتمانية على جذب طلب يفوق حجم المعروض بصورة كبيرة.
وتبقى قدرة السوق على التعافي مرتبطة بثلاثة محاور رئيسية: احتياجات التمويل، تكلفة الاقتراض، وشهية المستثمرين. فإذا اجتمعت هذه العوامل في اتجاه مواتٍ، فإن عودة المُصدرين إلى السوق خلال العام المقبل قد ترفع حجم الإصدارات وتعيد الصكوك إلى مسار أكثر نشاطاً.
وبذلك، فإن توقعات الوكالة لا تعني بالضرورة عودة فورية وكاملة إلى مستويات الإصدارات السابقة، وإنما تشير إلى إمكانية استعادة السوق زخماً تدريجياً مع تحسن الاقتصاد وارتفاع متطلبات التمويل، مع بقاء ظروف الأسواق العالمية وأسعار الفائدة العامل الأكثر حسماً في تحديد سرعة هذا التعافي.