انحسار المخاطر الجيوسياسية يدفع الذهب إلى موجة تراجع جديدة
شهدت أسواق الذهب العالمية جلسة شديدة التقلب، بعدما تخلى المعدن النفيس عن معظم مكاسبه الأخيرة تحت ضغط تراجع احتمالات التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت واصلت فيه عوائد السندات الأميركية المرتفعة وأسعار الطاقة القوية الضغط على شهية المستثمرين تجاه الأصول التي لا تدر عائداً.
وتراجعت أسعار الذهب الفوري إلى نحو 4544 دولاراً للأونصة، بعدما تحركت الأسعار بين المكاسب والخسائر خلال التداولات، وسط متابعة دقيقة من الأسواق للتطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الأنباء المتعلقة بتأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربة جديدة ضد إيران استجابة لوساطة خليجية قادتها السعودية والإمارات وقطر لإفساح المجال أمام الحلول الدبلوماسية.
ويعكس هذا التحول في حركة الذهب حالة التعقيد التي تسيطر حالياً على الأسواق العالمية، حيث لم تعد العوامل التقليدية وحدها هي المحرك الرئيسي للأسعار، بل أصبحت التوازنات الجيوسياسية، والسياسات النقدية، وتحركات السندات والدولار، عوامل مترابطة تحدد اتجاه المعدن النفيس بصورة يومية وسريعة.
تراجع الملاذات
الذهب، الذي يُنظر إليه تاريخياً باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة خلال الأزمات والحروب، وجد نفسه هذه المرة تحت ضغط مزدوج؛ فمن جهة، تراجعت احتمالات توسع الحرب بين واشنطن وطهران بعد الحديث عن فتح نافذة تفاوض جديدة، ومن جهة أخرى استمرت عوائد سندات الخزانة الأميركية في التحليق قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات.
وعادة ما يستفيد الذهب من التوترات الجيوسياسية، إذ يلجأ المستثمرون إليه لحماية أموالهم من التقلبات والمخاطر، لكن عندما تتراجع احتمالات التصعيد العسكري المباشر، تبدأ موجات بيع لجني الأرباح والانتقال نحو أصول أخرى أكثر عائداً.
هذا ما حدث فعلياً بعد إعلان ترمب تأجيل ضربة عسكرية جديدة ضد إيران، وهو ما خفف جزئياً من الطلب الدفاعي على الذهب، خاصة أن الأسواق كانت قد رفعت الأسعار بقوة خلال الأيام السابقة تحسباً لتوسع الصراع.
كما أن حالة التفاؤل الحذر بإمكانية استئناف المسار الدبلوماسي دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم حجم المخاطر الحالية، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة المعدن النفيس.
ضغوط العوائد
العامل الأكثر تأثيراً على الذهب حالياً يتمثل في الارتفاع القوي لعوائد سندات الخزانة الأميركية.
فمع استمرار المخاوف التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، بقيت العوائد قرب مستويات مرتفعة للغاية، ما قلل جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يقدم أي عائد دوري للمستثمرين.
وعندما ترتفع عوائد السندات، يفضّل كثير من المستثمرين تحويل أموالهم نحو أدوات الدخل الثابت التي تمنح عوائد مرتفعة وآمنة نسبياً، بدلاً من الاحتفاظ بالذهب.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن الأسواق بدأت تستبعد سريعاً أي خفض قريب وكبير لأسعار الفائدة الأميركية، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط.
كما أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يواجه معضلة معقدة؛ إذ إن خفض الفائدة سريعاً قد يعيد إشعال التضخم، بينما إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول يضغط على النمو الاقتصادي والأسواق المالية.
وفي الحالتين، يبقى الذهب عالقاً بين قوتين متعاكستين؛ المخاطر الجيوسياسية التي تدعمه، والعوائد المرتفعة التي تضغط عليه.
الدولار القوي
إلى جانب السندات، شكل ارتفاع الدولار الأميركي عاملاً إضافياً ضغط على أسعار الذهب.
فقـد ارتفـع مؤشـر الدولار بنحـو 0.2 % خلال التداولات، ما جعل شراء الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
وترتبط العلاقة بين الذهب والدولار عادة بصورة عكسية؛ إذ إن قوة العملة الأميركية تقلل جاذبية المعدن النفيس عالمياً، بينما يؤدي ضعف الدولار غالباً إلى ارتفاع أسعار الذهب.
ويأتي صعود الدولار مدعوماً بتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة نسبياً في الولايات المتحدة، إضافة إلى استمرار تدفقات المستثمرين نحو الأصول الأميركية الآمنة في ظل حالة الضبابية العالمية.
كما أن الاقتصاد الأميركي ما زال يظهر قدراً من الصمود مقارنة ببعض الاقتصادات الكبرى الأخرى، وهو ما يمنح الدولار دعماً إضافياً في الأسواق العالمية.
الحرب وتغير الاتجاه
المثير في أداء الذهب خلال الأزمة الحالية أن المعدن النفيس لم يتحرك وفق النمط التقليدي المتوقع بالكامل.
فعلى الرغم من اندلاع الحرب وارتفاع أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية، فإن الذهب تراجع بنحو 14 % منذ بداية الصراع، في تطور أثار تساؤلات واسعة داخل الأسواق.
ويرى محللون أن السبب الرئيسي يعود إلى أن المستثمرين باتوا أكثر تركيزاً على السياسات النقدية والعوائد الحقيقية والدولار، مقارنة بالعوامل الجيوسياسية وحدها.
كما أن الارتفاعات القوية في أسعار الطاقة رفعت المخاوف من عودة التضخم العالمي بقوة، ما دفع الأسواق إلى توقع استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وهو ما انعكس سلباً على الذهب.
وفي المقابل، استفادت بعض الأصول الأخرى من التحولات الحالية، خصوصاً السندات قصيرة الأجل والدولار وبعض الأسهم الدفاعية.
وساطة خليجية
أحد أبرز التطورات التي أثرت على الأسواق كان الحديث عن دور خليجي مباشر في احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران.
فقد كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه وافق على تأجيل موجة جديدة من الهجمات ضد إيران بعدما طلب قادة السعودية والإمارات وقطر مزيداً من الوقت لإفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية.
هذه الخطوة أعادت التذكير بالدور المتزايد لدول الخليج في إدارة التوازنات الإقليمية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالطاقة والأمن والاستقرار الإقليمي.
كما أن الأسواق تعاملت مع الوساطة الخليجية باعتبارها مؤشراً على وجود رغبة دولية وإقليمية في منع انفجار شامل قد يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة الدولية.
ومع ذلك، فإن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر شديد، إذ إن أي فشل للمحادثات أو عودة التصعيد العسكري قد يعيد الذهب سريعاً إلى موجة صعود قوية.
تذبذب حاد
أداء الذهب خلال الجلسات الأخيرة اتسم بدرجة عالية من التذبذب، وهو ما يعكس حجم الضبابية المسيطرة على الأسواق.
فالأسعار تتحرك بصورة سريعة بين الصعود والهبوط وفق كل تصريح سياســــي أو تحــرك عسكــري أو تغيــر في عوائد السندات والدولار.
ويرى خبراء أن هذه البيئة مرشحة للاستمـرار خلال الفتـرة المقبلـــة، خصوصاً مع غياب رؤية واضحة بشأن مستقبـل الحـــرب والسياسات النقدية العالمية.
كما أن المستثمرين باتوا يتابعون عن قرب كل البيانات المتعلقة بالتضخم الأميركي، وتحركات الاحتياطي الفيدرالي، وأسعار النفط، لأنها أصبحت عوامل حاسمة في تحديد مسار الذهب.
المعادن الأخرى
لم يكن الذهب وحده تحت الضغط، إذ شهدت بقية المعادن النفيسة تراجعات واضحة أيضاً.
فقد هبطت الفضة بنحو 2.2 % إلى 76.05 دولاراً، فيما تراجع كل من البلاتين والبلاديوم وسط انخفاض شهية المستثمرين تجاه الأصول الدفاعية.
ويعكس هذا الأداء تراجع الطلب الاستثماري على المعادن النفيسة بشكل عام مع انحسار جزئي للمخاوف الجيوسياسية المباشرة.
لكن بعض المحللين يرون أن الفضة قد تبقى مدعومة نسبياً على المدى المتوسط بسبب الطلب الصناعي المرتبط بقطاع الطاقة النظيفة والتكنولوجيا.
أما البلاتين والبلاديوم، فيتأثران بصورة أكبر بأوضاع الاقتصاد العالمي والطلب الصناعي، خصوصاً في قطاع السيارات.
الذهب كتحوط
ورغم التراجعات الحالية، فإن عدداً كبيراً من المؤسسات المالية العالمية لا يزال ينظر إلى الذهب باعتباره أداة تحوط استراتيجية مهمة في مواجهة التقلبات العالمية.
وقال فاسو مينون، الخبير الاستراتيجي لدى «أوفرسي تشاينيز بانكينغ كورب»، إن التطورات في الشرق الأوسط إلى جانب تحركات أسعار النفط وعوائد السندات ستواصل الضغط على الذهب في الأجل القصير.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن المعدن النفيس ما زال يحتفظ بأهميته كأداة تحوط ضد عدم اليقين العالمي، خصوصاً في ظل التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى التي يشهدها العالم.
مشتريات البنوك المركزية
من العوامل التي ما تزال تدعم الذهب على المدى الطويل استمرار مشتريات البنوك المركزية حول العالم.
ففي السنوات الأخيرة، كثفت العديد من الدول، خصوصاً الاقتصادات الناشئة، مشترياتها من الذهب ضمن توجه لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.
ويرى محللون أن هذا الاتجاه قد يتسارع أكثر في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالنظام المالي الدولي.
كما أن البنوك المركزية تنظر إلى الذهب باعتباره مخزناً للقيمة وأداة لحماية الاحتياطيات من التقلبات الحادة في العملات والأسواق.