تخطي إلى المحتوى الرئيسي

باب‭ ‬المندب‭ ‬تحت‭ ‬التهديد‭.. ‬والعالم‭ ‬يترقب‭ ‬فاتورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أثقل

باب‭ ‬المندب‭ ‬تحت‭ ‬التهديد‭.. ‬والعالم‭ ‬يترقب‭ ‬فاتورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أثقل

أعادت‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تطورت‭ ‬المواجهة‭ ‬الإقليمية‭ ‬واتسعت‭ ‬رقعتها،‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الاختناقات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الأمن‭ ‬والطاقة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬وأسعار‭ ‬السلع،‭ ‬ومعدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬وحتى‭ ‬إيرادات‭ ‬الممرات‭ ‬الملاحية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬
فالمسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬هنا‭ ‬بممر‭ ‬بحري‭ ‬ضيق‭ ‬يربط‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بخليج‭ ‬عدن‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بشريان‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نسبة‭ ‬مؤثرة‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط،‭ ‬وسفن‭ ‬الحاويات،‭ ‬وشحنات‭ ‬السلع‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬التلويح‭ ‬بإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تصريح‭ ‬سياسي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إنذار‭ ‬اقتصادي‭ ‬مبكر‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬باباً‭ ‬واسعاً‭ ‬لارتفاع‭ ‬التكاليف‭ ‬عالمياً‭.‬
النفط‭ ‬ليس‭ ‬وحده

ورغم‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬الأول‭ ‬ينصرف‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬النفط،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬تهديد‭ ‬بإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬يتجاوز‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بأكملها‭. ‬فالمضيق‭ ‬يمثل‭ ‬البوابة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمسار‭ ‬الملاحي‭ ‬الذي‭ ‬ينقل‭ ‬الحاويات‭ ‬والبضائع‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ثم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تعطيل‭ ‬فيه‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬بين‭ ‬المصانع‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأسواق‭ ‬الغربية‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭: ‬فالأزمة‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬بعنوان‭ ‬نفطي،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭. ‬إذ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن،‭ ‬وتأخير‭ ‬البضائع،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬البحري،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬النهائية‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬للطاقة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬ممر‭ ‬للأسعار‭.‬
الأرقام‭ ‬تشرح‭ ‬الخطر

تكشف‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬يؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬صورته‭ ‬الجغرافية‭ ‬المحدودة‭. ‬فقد‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬نحو‭ ‬4‭.‬2‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يوميًا‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والمنتجات‭ ‬البترولية‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2025،‭ ‬فيما‭ ‬عبرت‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وخط‭ ‬سوميد‭ ‬نحو‭ ‬4.9‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يوميًا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬وفق‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬استند‭ ‬إليها‭ ‬تقرير‭ ‬الجزيرة‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تدفقات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عبر‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬تراجعت‭ ‬بشدة‭ ‬خلال‭ ‬2024‭ ‬والنصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2025‭ ‬بفعل‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬وكلفة‭ ‬التأمين‭.‬
الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬حركتها‭ ‬الجنوبية‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬تستوعب‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭ ‬وقرابة‭ ‬22‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الحاويات،‭ ‬بحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬الأونكتاد،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬للمضيق‭ ‬لا‭ ‬يصيب‭ ‬فقط‭ ‬حركة‭ ‬النفط،‭ ‬بل‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الشرايين‭ ‬اللوجستية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الآسيوي‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬الأوروبي‭.‬

طريق‭ ‬أطول‭.. ‬وكلفة‭ ‬أعلى

إذا‭ ‬تحوّل‭ ‬التهديد‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬عملي،‭ ‬فإن‭ ‬البديل‭ ‬الفوري‭ ‬أمام‭ ‬شركات‭ ‬الملاحة‭ ‬سيكون‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح،‭ ‬أي‭ ‬عبور‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬بدل‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬البديل،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬يبقي‭ ‬السفن‭ ‬متحركة،‭ ‬يحمل‭ ‬كلفة‭ ‬باهظة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوقت‭ ‬والتشغيل‭.‬
فالمسار‭ ‬بين‭ ‬موانئ‭ ‬الصين‭ ‬وشمال‭ ‬أوروبا‭ ‬يصبح‭ ‬أطول‭ ‬بآلاف‭ ‬الأميال‭ ‬البحرية،‭ ‬وتزداد‭ ‬مدة‭ ‬الرحلة‭ ‬بنحو‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬استهلاكًا‭ ‬أكبر‭ ‬للوقود،‭ ‬وكلفة‭ ‬أعلى‭ ‬للأطقم،‭ ‬وتأخيراً‭ ‬في‭ ‬تسليم‭ ‬البضائع،‭ ‬وضغطاً‭ ‬على‭ ‬سعة‭ ‬الأساطيل‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الانسيابية‭ ‬والسرعة‭ ‬والدقة‭ ‬في‭ ‬مواعيد‭ ‬التسليم،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬الإضافية‭ ‬ليست‭ ‬تفصيلاً‭ ‬لوجستياً،‭ ‬بل‭ ‬عبئاً‭ ‬مالياً‭ ‬مباشراً‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬السفينة‭ ‬الواحدة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الملاحي‭ ‬بأكمله‭. ‬فكلما‭ ‬طالت‭ ‬الرحلات،‭ ‬انخفضت‭ ‬كفاءة‭ ‬الأساطيل،‭ ‬واحتاجت‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬سفن‭ ‬إضافية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬الخدمة،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ضغطاً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬البحري‭ ‬ويرفع‭ ‬الأسعار‭.‬

الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الإغلاق

أحد‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬التوترات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬وقوع‭ ‬الإغلاق‭ ‬الكامل‭ ‬كي‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬التسعير،‭ ‬مجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬احتمال‭ ‬الخطر‭ ‬كافٍ‭ ‬لكي‭ ‬تتحرك‭ ‬شركات‭ ‬الملاحة‭ ‬وشركات‭ ‬التأمين‭ ‬والمستوردون‭ ‬بسرعة،‭ ‬لأن‭ ‬كلفة‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬التحوط‭ ‬المبكر‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬بإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬إذا‭ ‬تصاعدت‭ ‬المواجهة،‭ ‬كفيل‭ ‬وحده‭ ‬بأن‭ ‬يرفع‭ ‬‮«‬علاوة‭ ‬الخطر‮»‬‭ ‬على‭ ‬المرور‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬إغلاق‭ ‬رسمي‭ ‬أو‭ ‬توقف‭ ‬كامل‭ ‬للملاحة‭. ‬وهذه‭ ‬النقطة‭ ‬بالذات‭ ‬تجعل‭ ‬أثر‭ ‬التهديد‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬أثره‭ ‬العسكري‭.‬
فشركات‭ ‬الشحن‭ ‬الكبرى،‭ ‬عندما‭ ‬تعيد‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر،‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الممر‭ ‬مفتوحاً‭ ‬أو‭ ‬مغلقاً،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المرور‭ ‬عبره‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬‮«‬مقبولاً‭ ‬تجارياً‮»‬‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التأمين،‭ ‬وسلامة‭ ‬الأطقم،‭ ‬واحتمالات‭ ‬التعطيل‭. ‬وإذا‭ ‬اختل‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬تبدأ‭ ‬التحويلات‭ ‬الملاحية‭ ‬تلقائياً،‭ ‬وتبدأ‭ ‬معها‭ ‬الكلفة‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭.‬

قناة‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬الخسارة

من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬تأتي‭ ‬مصر‭ ‬بوصفها‭ ‬صاحبة‭ ‬الممر‭ ‬الملاحي‭ ‬التالي‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة،‭ ‬أي‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬فالقناة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬فقط‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬بل‭ ‬تعد‭ ‬أيضاً‭ ‬مصدراً‭ ‬حيوياً‭ ‬للعملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المصري‭.‬
وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لاضطراب‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬سريعًا‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬القناة،‭ ‬بعدما‭ ‬فقدت‭ ‬جزءًا‭ ‬معتبرًا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬فضلت‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬إفريقيا‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬جديد‭ ‬بإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬المرور‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن‭ ‬عالمياً،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬ضغطًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬مصر‭.‬

تضخم‭ ‬مستورد

اقتصاديًا،‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬المشكلة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الشحن‭ ‬أو‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالتضخم‭ ‬المستورد‭. ‬فحين‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين‭ ‬ومدة‭ ‬الوصول،‭ ‬ترتفع‭ ‬تلقائيًا‭ ‬كلفة‭ ‬استيراد‭ ‬السلع،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مواد‭ ‬غذائية،‭ ‬أو‭ ‬منتجات‭ ‬استهلاكية،‭ ‬أو‭ ‬معدات،‭ ‬أو‭ ‬مكونات‭ ‬صناعية‭.‬
وهذا‭ ‬الأثر‭ ‬يكون‭ ‬أشد‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الوسيطة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬آسيا،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن‭ ‬أو‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬الإمداد‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬المصنع‭ ‬أو‭ ‬المستورد‭ ‬أو‭ ‬تاجر‭ ‬التجزئة‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ينتقل‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭.‬
لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التصعيد‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬فقط‭ ‬ملفاً‭ ‬أمنياً‭ ‬أو‭ ‬نفطياً،‭ ‬بل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬متغير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬فيها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬تحاول‭ ‬تثبيت‭ ‬التضخم‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬

الشركات‭ ‬تعيد‭ ‬الحسابات

اللافت‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬الشحن‭ ‬العالمي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬كأزمة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كمنطقة‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭. ‬وهذا‭ ‬يدفع‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬وزيادة‭ ‬المخزونات‭ ‬الاحتياطية،‭ ‬وتعديل‭ ‬جداول‭ ‬الشحن،‭ ‬بل‭ ‬وإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬مواقع‭ ‬التخزين‭ ‬والتوزيع‭.‬
هذه‭ ‬التعديلات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬فنية‭ ‬وتشغيلية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تعني‭ ‬شيئًا‭ ‬واحدًا‭: ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬التجاري‭ ‬بدأ‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬‮«‬الخطر‭ ‬البحري‮»‬‭ ‬كتكلفة‭ ‬دائمة‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬دائمة،‭ ‬لا‭ ‬كحادث‭ ‬استثنائي‭ ‬مؤقت‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يجعل‭ ‬أثر‭ ‬التهديدات‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬ممتدًا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬فعلي‭ ‬كامل‭.‬

فاتورة‭ ‬مفتوحة

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬تهديد‭ ‬إيران‭ ‬بإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬إذا‭ ‬تطورت‭ ‬الأمور‭ ‬واتسعت‭ ‬رقعة‭ ‬المواجهة،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان‭ ‬جيوسياسي‭ ‬ساخن،‭ ‬بل‭ ‬يضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التكاليف‭ ‬المرتفعة‭. ‬فالمضيق‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬بحري‭ ‬ضيق،‭ ‬بل‭ ‬نقطة‭ ‬تماس‭ ‬بين‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والشحن‭ ‬والتضخم‭.‬
وفي‭ ‬عالم‭ ‬يتنفس‭ ‬أصلًا‭ ‬بصعوبة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬والتوترات‭ ‬التجارية‭ ‬وتقلبات‭ ‬الإمداد،‭ ‬فإن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬احتمال‭ ‬تعطّله،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فاتورة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬العالم‭: ‬كل‭ ‬ناقلة،‭ ‬وكل‭ ‬حاوية،‭ ‬وكل‭ ‬سلعة‮…‬‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭.‬

رجوع لأعلى