باب المندب تحت التهديد.. والعالم يترقب فاتورة اقتصادية أثقل
أعادت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق باب المندب، في حال تطورت المواجهة الإقليمية واتسعت رقعتها، تسليط الضوء على واحد من أخطر الاختناقات البحرية في العالم، ليس فقط من زاوية الأمن والطاقة، بل من زاوية الكلفة الاقتصادية التي قد تمتد سريعاً إلى التجارة الدولية، وأسعار السلع، ومعدلات التضخم، وحتى إيرادات الممرات الملاحية الحيوية في المنطقة.
فالمسألة لا تتعلق هنا بممر بحري ضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن فحسب، بل بشريان تمر عبره نسبة مؤثرة من تجارة العالم، بما في ذلك ناقلات النفط، وسفن الحاويات، وشحنات السلع القادمة من آسيا إلى أوروبا، ولهذا، فإن مجرد التلويح بإغلاق باب المندب لا يُقرأ في الأسواق على أنه تصريح سياسي عابر، بل على أنه إنذار اقتصادي مبكر قد يفتح باباً واسعاً لارتفاع التكاليف عالمياً.
النفط ليس وحده
ورغم أن التركيز الأول ينصرف عادة إلى النفط، فإن الأثر الحقيقي لأي تهديد بإغلاق باب المندب يتجاوز الطاقة إلى التجارة العالمية بأكملها. فالمضيق يمثل البوابة الجنوبية للمسار الملاحي الذي ينقل الحاويات والبضائع عبر البحر الأحمر ثم قناة السويس نحو أوروبا، ما يعني أن أي تعطيل فيه ينعكس مباشرة على سلاسل التوريد بين المصانع الآسيوية والأسواق الغربية.
وهنا تكمن المفارقة: فالأزمة قد تبدأ بعنوان نفطي، لكنها لا تنتهي عند أسعار الخام. إذ سرعان ما تنتقل إلى تكاليف الشحن، وتأخير البضائع، وارتفاع أقساط التأمين البحري، ثم إلى أسعار السلع النهائية التي تصل إلى المستهلك. بمعنى آخر، فإن باب المندب ليس مجرد ممر للطاقة، بل أيضًا ممر للأسعار.
الأرقام تشرح الخطر
تكشف البيانات أن باب المندب يؤدي دوراً يتجاوز بكثير صورته الجغرافية المحدودة. فقد عبر المضيق نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية خلال النصف الأول من 2025، فيما عبرت عبر قناة السويس وخط سوميد نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا في الفترة نفسها، وفق البيانات التي استند إليها تقرير الجزيرة من إدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما أن تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب تراجعت بشدة خلال 2024 والنصف الأول من 2025 بفعل ارتفاع المخاطر وكلفة التأمين.
الأهم من ذلك أن قناة السويس، التي تعتمد في حركتها الجنوبية على باب المندب، تستوعب نحو 10 % من التجارة البحرية العالمية وقرابة 22 % من تجارة الحاويات، بحسب تقديرات الأونكتاد، وهذا يعني أن أي تهديد للمضيق لا يصيب فقط حركة النفط، بل يضغط على أحد أهم الشرايين اللوجستية التي تربط الإنتاج الآسيوي بالاستهلاك الأوروبي.
طريق أطول.. وكلفة أعلى
إذا تحوّل التهديد إلى واقع عملي، فإن البديل الفوري أمام شركات الملاحة سيكون الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، أي عبور القارة الإفريقية من الجنوب بدل المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. لكن هذا البديل، رغم أنه يبقي السفن متحركة، يحمل كلفة باهظة على مستوى الوقت والتشغيل.
فالمسار بين موانئ الصين وشمال أوروبا يصبح أطول بآلاف الأميال البحرية، وتزداد مدة الرحلة بنحو عشرة أيام أو أكثر، ما يعني استهلاكًا أكبر للوقود، وكلفة أعلى للأطقم، وتأخيراً في تسليم البضائع، وضغطاً على سعة الأساطيل. وفي عالم يعتمد على الانسيابية والسرعة والدقة في مواعيد التسليم، فإن هذه الأيام الإضافية ليست تفصيلاً لوجستياً، بل عبئاً مالياً مباشراً.
كما أن المشكلة لا تتوقف عند السفينة الواحدة، بل تمتد إلى النظام الملاحي بأكمله. فكلما طالت الرحلات، انخفضت كفاءة الأساطيل، واحتاجت الشركات إلى سفن إضافية للحفاظ على نفس مستوى الخدمة، ما يخلق ضغطاً إضافياً على العرض البحري ويرفع الأسعار.
الأسواق لا تنتظر الإغلاق
أحد أهم الدروس التي أفرزتها التوترات الأخيرة في البحر الأحمر هو أن الأسواق لا تنتظر وقوع الإغلاق الكامل كي تبدأ في إعادة التسعير، مجرد ارتفاع احتمال الخطر كافٍ لكي تتحرك شركات الملاحة وشركات التأمين والمستوردون بسرعة، لأن كلفة الانتظار في مثل هذه الحالات قد تكون أعلى من كلفة التحوط المبكر.
ولهذا السبب، فإن مجرد التهديد الإيراني بإغلاق باب المندب، إذا تصاعدت المواجهة، كفيل وحده بأن يرفع «علاوة الخطر» على المرور البحري في المنطقة، حتى من دون إعلان إغلاق رسمي أو توقف كامل للملاحة. وهذه النقطة بالذات تجعل أثر التهديد اقتصاديًا أسرع من أثره العسكري.
فشركات الشحن الكبرى، عندما تعيد تقييم المخاطر، لا تنظر فقط إلى ما إذا كان الممر مفتوحاً أو مغلقاً، بل إلى ما إذا كان المرور عبره ما زال «مقبولاً تجارياً» من حيث التأمين، وسلامة الأطقم، واحتمالات التعطيل. وإذا اختل هذا التوازن، تبدأ التحويلات الملاحية تلقائياً، وتبدأ معها الكلفة في الارتفاع.
قناة السويس في مرمى الخسارة
من بين أكثر المتضررين من أي تصعيد في باب المندب، تأتي مصر بوصفها صاحبة الممر الملاحي التالي مباشرة في هذه السلسلة، أي قناة السويس. فالقناة لا تمثل فقط أهمية استراتيجية للتجارة العالمية، بل تعد أيضاً مصدراً حيوياً للعملة الأجنبية بالنسبة للاقتصاد المصري.
وقد أظهرت الأشهر الماضية كيف يمكن لاضطراب الملاحة في البحر الأحمر أن ينعكس سريعًا على إيرادات القناة، بعدما فقدت جزءًا معتبرًا من حركة السفن التي فضلت الالتفاف حول إفريقيا. وبالتالي، فإن أي تهديد جديد بإغلاق باب المندب أو تعطيل المرور فيه لا يعني فقط ارتفاع كلفة الشحن عالمياً، بل أيضاً ضغطًا إضافيًا على إيرادات قناة السويس، وما يرتبط بها من انعكاسات مالية واقتصادية داخل مصر.
تضخم مستورد
اقتصاديًا، لا تنتهي المشكلة عند حدود الشحن أو الطاقة، بل تنتقل سريعًا إلى ما يعرف بالتضخم المستورد. فحين ترتفع كلفة النقل والتأمين ومدة الوصول، ترتفع تلقائيًا كلفة استيراد السلع، سواء كانت مواد غذائية، أو منتجات استهلاكية، أو معدات، أو مكونات صناعية.
وهذا الأثر يكون أشد على الاقتصادات المعتمدة على الواردات أو على المواد الوسيطة القادمة من آسيا، لأن أي زيادة في كلفة الشحن أو تأخير في الإمداد ينعكس مباشرة على المصنع أو المستورد أو تاجر التجزئة. وفي نهاية المطاف، ينتقل جزء معتبر من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي.
لهذا، فإن باب المندب في لحظة التصعيد لا يصبح فقط ملفاً أمنياً أو نفطياً، بل يتحول إلى متغير مباشر في معادلة الأسعار العالمية، خصوصاً في بيئة ما زالت فيها البنوك المركزية تحاول تثبيت التضخم وإعادة التوازن إلى السياسة النقدية.
الشركات تعيد الحسابات
اللافت أن جزءاً من قطاع الشحن العالمي لم يعد يتعامل مع البحر الأحمر كأزمة عابرة، بل كمنطقة عالية المخاطر قد تستمر لفترة طويلة. وهذا يدفع كثيراً من الشركات إلى إعادة رسم سلاسل التوريد، وزيادة المخزونات الاحتياطية، وتعديل جداول الشحن، بل وإعادة تقييم مواقع التخزين والتوزيع.
هذه التعديلات قد تبدو فنية وتشغيلية، لكنها في جوهرها تعني شيئًا واحدًا: أن العالم التجاري بدأ بالفعل في تسعير «الخطر البحري» كتكلفة دائمة أو شبه دائمة، لا كحادث استثنائي مؤقت. وهذا التحول بحد ذاته كفيل بأن يجعل أثر التهديدات في باب المندب ممتدًا حتى لو لم يصل الوضع إلى إغلاق فعلي كامل.
فاتورة مفتوحة
الخلاصة أن تهديد إيران بإغلاق باب المندب، إذا تطورت الأمور واتسعت رقعة المواجهة، لا يمثل مجرد عنوان جيوسياسي ساخن، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام احتمال موجة جديدة من التكاليف المرتفعة. فالمضيق هنا ليس مجرد ممر بحري ضيق، بل نقطة تماس بين الطاقة والتجارة والشحن والتضخم.
وفي عالم يتنفس أصلًا بصعوبة تحت ضغط أسعار الفائدة والتوترات التجارية وتقلبات الإمداد، فإن أخطر ما في باب المندب ليس فقط احتمال تعطّله، بل أن يتحول إلى فاتورة مفتوحة على العالم: كل ناقلة، وكل حاوية، وكل سلعة… قد تدفع ثمن هذا التهديد.