بايننس.. رحلة تداول تنتهي بأموال عالقة وحسابات مجمدة
تبدأ الحكاية عندما تسمع عن منصة «بايننس» من صديق أو شخص مقرب يخبرك بأنه حقق أرباحاً من التداول عليها. تقرر خوض التجربة، تدخل إلى المنصة وتبدأ التداول، وربما تحقق أرباحاً في البداية، فتزداد ثقتك وتواصل استثمار أموالك من خلالها.
لكن المشهد قد يتغير تماماً عندما يهبط السوق بقوة، وتتراجع بعض العملات إلى مستويات يصعب معها حتى على الخبراء تحديد القاع الذي يمكن أن تصل إليه. عندها لا يكون أمام المتداول سوى الانتظار، على أمل تعافي الأسعار والخروج بأقل خسارة ممكنة.
وخلال هذا الانتظار قد تظهر مشكلة من نوع آخر: تبدأ المنصة بشطب بعض العملات التي يمتلكها المتداول، لأسباب تعلن أنها مرتبطة بمعايير الإدراج والتداول.
وهنا تبدأ علامات الاستفهام.
كيف كانت العملة متاحة للتداول عبر المنصة، ثم تقرر «بايننس» لاحقاً شطبها، بينما قد يستمر تداول الأصل نفسه على منصات أخرى؟ وما مصير أموال العملاء الذين اشتروا هذه العملات وانتظروا تعافي أسعارها؟
السؤال الأهم هنا ليس عن حق المنصة في مراجعة العملات المدرجة لديها، وإنما عن حقوق المتداول بعد اتخاذ قرار الشطب: هل يحصل على مهلة كافية للتصرف في أصوله؟ وهل يستطيع نقلها بسهولة إلى محفظة خارجية؟ وما الذي يحدث إذا لم يتمكن من ذلك؟
من يتحمل خسائر الشطب؟
اللافت أن الأمر لم يقتصر، وفق التجربة التي جرت متابعتها منذ أكتوبر 2024، على أصل رقمي واحد، وإنما شمل أصولاً أخرى، بعضها ظل متاحاً للتداول في منصات أخرى.
وبعد أشهر من الانتظار، ظهرت في الحساب مبالغ محدودة بالدولار مقابل بعض الأصول المشطوبة، لكنها لم تمثل، بحسب الرصيد المسجل سابقاً، سوى نسبة ضئيلة للغاية من القيمة التي كانت ظاهرة في الحساب، وفي بعض الحالات كانت النسبة أقل من 0.10% من قيمة الرصيد الأصلي.
وهنا تتسع دائرة الأسئلة: كيف تم احتساب هذه المبالغ؟ وعلى أي سعر أو آلية جرى تقييم الأصول؟ ومن يتحمل الفارق بين قيمة الرصيد وما تم إيداعه؟
المتداول عندما يشتري أصلاً رقمياً يدرك أنه معرض للربح والخسارة نتيجة تحركات السوق، وهذه إحدى أبجديات التداول. لكنه لا يتوقع بالضرورة أن يصبح أمامسيناريو مختلف: أصل اشتراه بصورة طبيعية، ثم تقرر المنصة شطبه، ليجد نفسه مطالباً بالتعامل مع تداعيات قرار لم يتخذه.
ومن هنا يصبح التمييز ضرورياً بين خسارة السوق التي يتحملها المستثمر، وبين خسارة قد تنشأ عن إجراءات تتخذها المنصة نفسها.
إعادة التوثيق.. بداية أزمة جديدة
لكن الرحلة لم تتوقف عند العملات المشطوبة. فقد ظهر ملف آخر يتعلق بإعادة توثيق الحساب.
تطلب المنصة من العميل تقديم مستنداته الثبوتية، فيقدمها، ثم يتلقى إشعاراً بأن المستندات غير واضحة أو غير مقبولة. يعيد تصويرها، ويرفعها مرة أخرى، ويتواصل مع خدمة العملاء، ثم يعيد المحاولة.
تمر الأيام، والأموال لا تزال داخل الحساب، بينما يصبح الوصول إليها والتصرف فيها أكثر صعوبة.
وفي النهاية، قد يتم تقييد الحساب بدعوى عدم استكمال متطلبات التوثيق، رغم تأكيد صاحبه أنه قدم المستندات المطلوبة وحاول مراراً استكمال الإجراءات.
وهنا يتحول التوثيق، الذي يفترض أن يكون وسيلة لحماية الحساب والتحقق من هوية صاحبه، إلى عقبة أمام وصول العميل إلى أمواله.
ثم تصل رسالة تغير مسار القضية بالكامل: أمامك 30 يوماً لسحب أموالك وأصولك المشفرة قبل إغلاق الحساب.
للوهلة الأولى يبدو الحل بسيطاً: سحب الأموال ونقل العملات إلى محفظة أخرى.
لكن المفاجأة تظهر عند الدخول إلى التطبيق، حيث يظهر إشعار يمنح مهلة مختلفة: أسبوع واحد فقط قبل إغلاق الحساب.
30 يوماً عبر رسالة.. وأسبوع عبر التطبيق.
فأي المهلتين هي المعتمدة؟ ولماذا يظهر هذا التباين في مسألة ترتبط مباشرة بأموال العميل وحقه في التصرف فيها؟
«اسحب أموالك».. لكن كيف؟
كان لدي فضول لمواصلة إجراءات المنصة حتى النهاية، لمعرفة ما إذا كان بالإمكان فعلاً إخراج الأصول قبل إغلاق الحساب.
تواصلت مع صديق وأبلغته بأنني سأحاول تحويل العملات الموجودة في الحساب إلى محفظته، فوافق.
دخلت إلى الحساب وبدأت إجراءات التحويل، لكن ظهرت رسالة تفيد بعدم إمكانية استخدام خدمات المنصة.
وهنا برزت المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل في التجربة: المنصة تطلب من العميل سحب أمواله خلال مهلة محددة، لكنه عندما يحاول نقلها يجد قيوداً تمنعه من استخدام الخدمة اللازمة لذلك.
فكيف ينفذ العميل طلب السحب إذا لم تكن أدوات النقل متاحة أمامه؟
إذا كانت «بايننس» تريد إنهاء علاقتها مع أحد العملاء، فهذا شأن تنظمه شروطها والقواعد القانونية والتنظيمية التي تخضع لها، لكن يبقى السؤال الأساسي: ما الآلية الفعلية التي تضمن للعميل استعادة أمواله وأصوله قبل إغلاق الحساب؟
ليست خسارة سوق فقط
عند هذه النقطة لم تعد المسألة مجرد تداول خاسر بسبب هبوط الأسعار.
جزء من المحفظة تضرر نتيجة تراجع السوق، وأصول أخرى شُطبت من المنصة، بينما أصبح الجزء المتبقي معرضاً لخطر عدم القدرة على نقله أو سحبه نتيجة القيود المفروضة على الحساب.
وهكذا يجد المتداول نفسه في نهاية رحلة تختلف تماماً عن بدايتها.
دخل المنصة بأمواله ليتداول، وتحمل مخاطر السوق وانتظر تعافي الأسعار، ثم وجد بعض أصوله تُشطب، وطُلب منه إعادة توثيق حسابه، وبعد محاولات متكررة أصبح الحساب مقيداً، ثم مُنح مهلة لسحب أمواله، وعندما حاول نقلها واجه قيوداً على استخدام الخدمات.
والسؤال هنا: أين تذهب أموال العميل إذا انتهت المهلة ولم يتمكن من سحبها؟
هذا السؤال ينقل القضية من نطاق تجربة تداول فردية إلى ملف يتعلق بحقوق العملاء، وبالإجراءات المتبعة عند شطب الأصول أو تقييد الحسابات أو إنهاء العلاقة مع المتداول.
من يتحمل المسؤولية؟
لا خلاف على أن المتداول يتحمل مخاطر قراراته الاستثمارية وتقلبات السوق. لكن هل يتحمل أيضاً كل الآثار المترتبة على شطب أصل من المنصة؟ وماذا عن تقييد الحساب؟ وماذا يحدث إذا تعذر قبول مستندات التوثيق رغم المحاولات المتكررة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم يتمكن العميل من نقل أصوله خلال المهلة المحددة له؟
هذه أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة.
كما أنها تستدعي معرفة ما إذا كانت التجربة حالة فردية أم أن متداولين آخرين واجهوا سيناريوهات مشابهة، ومراجعة الرسائل والإشعارات والمستندات التي تلقاها أصحاب الحسابات، والاستماع إلى رد «بايننس» بشأن آليات التعامل مع الأموال المتبقية في الحسابات المقيدة أو المغلقة.
فالقضية ليست أن المتداول خسر صفقة؛ الخسارة جزء معروف من الاستثمار. القضية الأكثر أهمية هي ما إذا كان العميل يستطيع الوصول إلى أمواله والتصرف فيها عندما يريد إنهاء علاقته بالمنصة أو عندما تقرر المنصة إنهاء هذه العلاقة.