تخطي إلى المحتوى الرئيسي

‮براميل‭ ‬القلق‮‬‭ ‬تشتعل‭.. ‬والنفط‭ ‬رهينة‭ ‬الحرب‭ ‬والطلب

‮براميل‭ ‬القلق‮‬‭ ‬تشتعل‭.. ‬والنفط‭ ‬رهينة‭ ‬الحرب‭ ‬والطلب

تدخل‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬مرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬العوامل‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬تقريباً‭ ‬منذ‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭. ‬وبينما‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسعار‭ ‬يومياً‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية‭ ‬والتطورات‭ ‬العسكرية،‭ ‬تظل‭ ‬الصورة‭ ‬الأكبر‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭: ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬فقط‭ ‬خطر‭ ‬انقطاع‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬سؤالاً‭ ‬مقلقاً‭ ‬بشأن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تضخمية‭ ‬مرتفعة‭.‬
وخلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أظهرت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة،‭ ‬إذ‭ ‬قفز‭ ‬الخام‭ ‬الأمريكي‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬11‭ % ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الجلسات،‭ ‬فيما‭ ‬ارتفع‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬بنحو‭ ‬8‭ % ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الحرب‭ ‬واتساع‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬الأسعار‭ ‬لاحقاً‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬رهانات‭ ‬على‭ ‬تدخلات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬لوجستية‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الصدمة‭. ‬وفي‭ ‬أحدث‭ ‬تحركات‭ ‬بارزة،‭ ‬صعد‭ ‬الخام‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬111‭.‬54‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬فيما‭ ‬لامس‭ ‬برنت‭ ‬109‭.‬03‭ ‬دولارات‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬القلق‭ ‬بشأن‭ ‬الإمدادات‭ ‬من‭ ‬الخليج‭.‬

علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬تعود‭ ‬بقوة

العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬حالياً‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الزيادة‭ ‬السعرية‭ ‬التي‭ ‬يضيفها‭ ‬المتعاملون‭ ‬إلى‭ ‬النفط‭ ‬تحسباً‭ ‬لاحتمال‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬البراميل‭ ‬المتاحة‭.‬
وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كعامل‭ ‬يعيد‭ ‬تسعير‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فالمتعاملون‭ ‬لا‭ ‬يراقبون‭ ‬فقط‭ ‬عدد‭ ‬البراميل‭ ‬المنتجة‭ ‬يومياً،‭ ‬بل‭ ‬يراقبون‭ ‬أيضاً‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬واحتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري،‭ ‬وقدرة‭ ‬المنتجين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬النزاع‭.‬
ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأسعار‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتحرك‭ ‬فقط‭ ‬وفق‭ ‬البيانات‭ ‬التقليدية،‭ ‬مثل‭ ‬المخزونات‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬الطلب،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬تصريح‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬أو‭ ‬طهران‭ ‬أو‭ ‬العواصم‭ ‬الخليجية،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجبهة‭ ‬قد‭ ‬يغير‭ ‬خريطة‭ ‬الإمدادات‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭.‬

مضيق‭ ‬هرمز‮…‬‭ ‬العقدة‭ ‬المركزية

في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬يظل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬النفط‭. ‬فوفق‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬تدفق‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬قرابة‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬السوائل‭ ‬النفطية‭ ‬عالمياً،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬عملياً‭ ‬أهم‭ ‬ممر‭ ‬نفطي‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬تعثر‭ ‬الملاحة‭ ‬أو‭ ‬تباطؤها‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬الأسعار،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الصادرات‭ ‬بالكامل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬والمنتجات‭ ‬البترولية‭ ‬المكررة،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬مستوى‭ ‬القلق‭ ‬لدى‭ ‬المستهلكين‭ ‬الكبار،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭.‬
وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬إغلاق‭ ‬فعّال‭ ‬للمضيق‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬إنتاج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬مع‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬تخفيف‭ ‬الاختناقات‭ ‬سيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬تحسنت‭ ‬الظروف‭ ‬الميدانية‭.‬

السوق‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬العرض‭ ‬فقط‮…‬‭ ‬
بل‭ ‬الطلب‭ ‬أيضاً

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الأخبار‭ ‬تركز‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬العرض،‭ ‬فإن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الجانب‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الاتجاه‭ ‬المتوسط‭ ‬للأسعار‭.‬
فالاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬غير‭ ‬مريحة‭:‬
1‭ – ‬أسعار‭ ‬فائدة‭ ‬مرتفعة
2‭ – ‬تباطؤ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى
3‭ – ‬ضغوط‭ ‬تضخمية‭ ‬مستمرة
4‭ – ‬ضعف‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مؤشرات‭ ‬التصنيع‭ ‬والنقل
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬حذرت‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نمو‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬سيكون‭ ‬أبطأ‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬سابقاً،‭ ‬فيما‭ ‬رجحت‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬السوق‭ ‬مائلاً‭ ‬إلى‭ ‬الفائض‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام‭ ‬إذا‭ ‬استقرت‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬كل‭ ‬قفزة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬مستدامة‭. ‬ففي‭ ‬تقرير‭ ‬سابق،‭ ‬قدرت‭ ‬الوكالة‭ ‬نمو‭ ‬الطلب‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بنحو‭ ‬930‭ ‬ألف‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬السوق‭ ‬عرضة‭ ‬لفائض‭ ‬إذا‭ ‬هدأت‭ ‬الاضطرابات‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬الحالية‭: ‬العرض‭ ‬مهدد،‭ ‬لكن‭ ‬الطلب‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قوي‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتبرير‭ ‬صعود‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انقطاعات‭ ‬فعلية‭ ‬كبيرة‭.‬

الإنتاج‭ ‬الأمريكي‮…‬‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬
لكن‭ ‬ليس‭ ‬بلا‭ ‬حدود

على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬تظل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬توازن‭ ‬السوق‭. ‬فالإنتاج‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الصخري،‭ ‬يمثل‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬التحليق‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتمتع‭ ‬بالمرونة‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تميزه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭.‬
وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأمريكي‭ ‬تعرض‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬لبعض‭ ‬الاضطرابات،‭ ‬إذ‭ ‬انخفض‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬13‭.‬25‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬بسبب‭ ‬عاصفة‭ ‬شتوية‭ ‬قوية،‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬تراجع‭ ‬شهري‭ ‬في‭ ‬عامين‭ ‬تقريباً،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬الأثر‭ ‬لاحقاً‭.‬
لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الأرقام‭ ‬اللحظية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭ ‬مالياً‭ ‬من‭ ‬السابق‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬الحفر‭ ‬والإنتاج،‭ ‬باتت‭ ‬تفضل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭:‬
1‭ – ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬للمساهمين
2‭ – ‬الانضباط‭ ‬الرأسمالي
3‭ – ‬خفض‭ ‬الديون
وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأمريكي‭ ‬سيظل‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬كافياً‭ ‬وحده‭ ‬لتعويض‭ ‬أي‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الاضطرابات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

المخزونات‭ ‬ترسل‭ ‬إشارات‭ ‬مختلطة

إلى‭ ‬جانب‭ ‬العرض‭ ‬والإنتاج،‭ ‬تراقب‭ ‬السوق‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬المخزونات‭ ‬النفطية،‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬المؤشر‭ ‬الأكثر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬السوق‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الشح‭ ‬أو‭ ‬الفائض‭.‬
وفي‭ ‬أحدث‭ ‬البيانات،‭ ‬ارتفعت‭ ‬مخزونات‭ ‬الخام‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمقدار‭ ‬5‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬إلى‭ ‬461‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬يونيو‭ ‬2023،‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬نظرياً‭ ‬أن‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬انخفضت‭ ‬مخزونات‭ ‬المنتجات‭ ‬النفطية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الديزل‭ ‬والبنزين،‭ ‬وسط‭ ‬طلب‭ ‬قوي‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬الوقود،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬داخلية‭ ‬بين‭ ‬الخام‭ ‬والمنتجات‭ ‬النهائية‭.‬
وهذا‭ ‬التطور‭ ‬مهم‭ ‬جداً،‭ ‬لأن‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭ ‬لا‭ ‬يستهلك‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬مباشرة،‭ ‬بل‭ ‬يستهلك‭ ‬الديزل،‭ ‬والبنزين،‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬تحت‭ ‬ضغط،‭ ‬فإن‭ ‬أثر‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والخدمات‭ ‬واللوجستيات،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الخام‭ ‬نفسه‭.‬

أوروبا‭ ‬قلقة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة

وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬القلق‭ ‬الأوروبي‭ ‬المتزايد‭. ‬فقد‭ ‬حذر‭ ‬مسؤولون‭ ‬أوروبيون‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الآني‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬بل‭ ‬يطال‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬المنتجات‭ ‬البترولية‭ ‬المكررة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬والديزل‭.‬
هذا‭ ‬القلق‭ ‬منطقي،‭ ‬لأن‭ ‬أوروبا،‭ ‬رغم‭ ‬نجاحها‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬الروسية‭ ‬منذ‭ ‬2022،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬معرضة‭ ‬بشدة‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬الوقود‭. ‬وإذا‭ ‬استمرت‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬إرباك‭ ‬تدفقات‭ ‬الشحن‭ ‬والتكرير،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية،‭ ‬والتضخم،‭ ‬وتكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الأوروبية‭ ‬ارتفعت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬70%‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الحرب،‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬حجم‭ ‬الحساسية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬القارة‭.‬

الدولار‭ ‬والفائدة‮…‬‭ ‬التأثير‭ ‬غير‭ ‬المباشر

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬حركة‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
فالنفط‭ ‬يُسعّر‭ ‬بالدولار،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬قوة‭ ‬العملة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجعل‭ ‬شراء‭ ‬الخام‭ ‬أكثر‭ ‬تكلفة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الطلب‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتفعة‭ ‬تعني‭ ‬تباطؤاً‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ضغطاً‭ ‬على‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬تقرير‭ ‬اقتصادي‭ ‬أمريكي‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬إلى‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬النمو‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬النفط‭. ‬فإذا‭ ‬ظلت‭ ‬البيانات‭ ‬الأمريكية‭ ‬قوية،‭ ‬فقد‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بقاء‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬الأسعار‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬مؤشرات‭ ‬التباطؤ‭ ‬بالظهور‭ ‬بوضوح،‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬السوق‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬مختلفة‭: ‬طلب‭ ‬أضعف،‭ ‬لكن‭ ‬ربما‭ ‬بيئة‭ ‬نقدية‭ ‬أقل‭ ‬تشدداً‭ ‬لاحقاً‭.‬

مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حقيقي

أسواق‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حقيقي‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬أمام‭ ‬صدمة‭ ‬عرض‭ ‬تقليدية‭ ‬فقط،‭ ‬وليست‭ ‬أيضاً‭ ‬أمام‭ ‬ضعف‭ ‬طلب‭ ‬تقليدي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬تداخل‭ ‬نادر‭ ‬بين‭ ‬الحرب،‭ ‬والتضخم،‭ ‬والفائدة،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والجغرافيا‭ ‬السياسية‭.‬
ولهذا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النفط‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬تُقاس‭ ‬بالبراميل‭ ‬والمخزونات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرآة‭ ‬يومية‭ ‬للمشهد‭ ‬العالمي‭ ‬كله‭. ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬الغموض‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والحرب،‭ ‬زادت‭ ‬حساسية‭ ‬السوق‭ ‬لأي‭ ‬خبر‭ ‬أو‭ ‬تصريح‭ ‬أو‭ ‬تحرك‭ ‬ميداني‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لا‭ ‬يبحثون‭ ‬حالياً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬سعر‭ ‬عادل‮»‬‭ ‬للنفط‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬تقدير‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُسعّر‭ ‬بالكامل‭ ‬بعد‭.‬
وهنا‭ ‬تحديداً،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مفتوحاً‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬الآن‭ ‬ذروة‭ ‬الخوف‮…‬‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬بداية‭ ‬لتقلبات‭ ‬أكبر؟

رجوع لأعلى