برنت فوق 100 دولار للمرة الأولى منذ نحو شهرين
قفزت أسعار النفط العالمية بقوة خلال تعاملات الخميس، متجاوزة أحد أهم الحواجز النفسية في الأسواق، بعدما اخترق خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أواخر مايو، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الخليج والبحر الأحمر، واتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الهجمات التي استهدفت ناقلات وسفن تجارية في المنطقة.
وجاءت القفزة السعرية مدفوعة بعودة المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، بعدما باتت طرق الشحن البحرية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر تواجه مخاطر متزايدة، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بصورة سريعة انعكست مباشرة على أسعار النفط.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً يقارب 6 % خلال التداولات، ليتجاوز السعر مستوى 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ نحو شهرين، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى ما يزيد على 90 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 11 يونيو.
ويعكس هذا الارتفاع عودة «علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى أسواق الطاقة، وهي الزيادة التي يضيفها المتعاملون إلى الأسعار عندما ترتفع احتمالات تعطل الإنتاج أو اضطراب عمليات نقل النفط، خصوصاً في المناطق التي تمثل شرياناً رئيسياً للإمدادات العالمية.
تصعيد عسكري متواصل
جاءت موجة الصعود بعد إعلان الجيش الأميركي تنفيذ جولة جديدة من الضربات ضد أهداف داخل إيران، لتستمر العمليات العسكرية لليلة الثانية عشرة على التوالي، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب توعد فيها بتوسيع نطاق الرد الأميركي إذا تعرضت أي سفينة في مضيق هرمز لهجوم.
وأكد ترامب أن الولايات المتحدة ستستهدف جسوراً أو محطات كهرباء داخل إيران في كل مرة يتم فيها استهداف سفينة في المضيق، في رسالة حملت مؤشرات واضحة على استعداد واشنطن لتصعيد عملياتها العسكرية إذا استمرت الهجمات البحرية.
في المقابل، ردت طهران بتحذيرات مضادة، مؤكدة أنها ستستهدف بنى تحتية ومنشآت للطاقة ترتبط بالمصالح الأميركية في المنطقة إذا نفذت واشنطن تلك التهديدات، وهو ما رفع مستوى القلق في الأسواق من احتمال اتساع دائرة المواجهة العسكرية.
هرمز يعود إلى دائرة الخطر
أعاد التصعيد الأخير مضيق هرمز إلى صدارة اهتمامات أسواق الطاقة، باعتباره أهم ممر بحري لتجارة النفط في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من صادرات الخام القادمة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وزادت المخاوف بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني أن ناقلة نفط تعرضت لانفجار واشتعال أثناء محاولتها عبور ما وصفه بمسار ملغوم جنوب المضيق، مشيراً إلى أن ناقلتين أخريين عادتا أدراجهما تجنباً للمخاطر.
كما وجه الحرس الثوري تحذيراً مباشراً إلى شركات الملاحة، داعياً السفن إلى عدم استخدام المسار الجنوبي للمضيق، وهو ما اعتبرته الأسواق إشارة إلى احتمال تعرض حركة الملاحة لمزيد من التعقيدات خلال الفترة المقبلة.
ولا يعني مجرد استمرار الملاحة أن المخاطر محدودة، إذ إن أي تهديد للممرات البحرية يؤدي عادة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما ينعكس سريعاً على أسعار النفط والسلع المنقولة بحراً.
البحر الأحمر يدخل المشهد
في الوقت نفسه، لم تقتصر التطورات على الخليج، بل امتدت إلى البحر الأحمر بعد تعرض السفينة «ENCELIA» التابعة لإحدى الشركات السعودية للاستهداف أثناء إبحارها، ما أدى إلى اندلاع حريق في مقدمة السفينة.
وأكدت الجهات السعودية سلامة جميع أفراد الطاقم واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين السفينة وحماية البيئة البحرية، مع التأكيد على أن استهداف السفن التجارية يمثل انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية.
كما أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن استهداف ناقلات نفط، في خطوة أعادت المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
وتعني عودة التوتر إلى البحر الأحمر، بالتزامن مع التصعيد في مضيق هرمز، أن الأسواق أصبحت تواجه مصدرين رئيسيين للمخاطر في وقت واحد، وهو ما يفسر حدة رد فعل أسعار النفط.
الأسواق تعيد تسعير المخاطر
يرى متعاملون أن الارتفاع الحالي لا يرتبط فقط بالكميات الفعلية للإنتاج، وإنما بالخوف من احتمالات تعطل الإمدادات مستقبلاً.
فعندما ترتفع احتمالات تعطل حركة الناقلات أو إغلاق الممرات البحرية أو استهداف البنية التحتية للطاقة، يبدأ المستثمرون في شراء العقود الآجلة تحسباً لأي نقص محتمل في المعروض، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات.
ولهذا السبب، تجاهلت الأسواق إلى حد كبير البيانات الأميركية الخاصة بالمخزونات، وركزت بصورة أكبر على التطورات العسكرية المتسارعة.
بيانات أميركية مخالفة
على صعيد أساسيات السوق، أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع مخزونات النفط الخام بنحو مليوني برميل خلال الأسبوع الماضي، في وقت كانت فيه توقعات المحللين تشير إلى انخفاضها بنحو 1.1 مليون برميل.
كما أظهرت البيانات تراجع معدلات تشغيل المصافي، وانخفاض صادرات النفط، مقابل ارتفاع الواردات.
وفي الظروف الطبيعية، كانت مثل هذه البيانات كفيلة بالحد من مكاسب الأسعار أو حتى الضغط عليها، إلا أن الأسواق فضلت التركيز على التطورات الجيوسياسية، معتبرة أن تأثيرها يفوق حالياً تأثير بيانات العرض والطلب.
أكبر مكاسب شهرية
ساهمت القفزة الأخيرة في دفع خام برنت نحو تحقيق مكاسب شهرية تقارب 36%، وهي من أكبر الارتفاعات الشهرية المسجلة خلال السنوات العشر الماضية.
كما يتجه خام غرب تكساس الوسيط لتسجيل مكاسب شهرية تقارب 30%، ما يعكس حجم التحول الذي شهدته أسواق الطاقة خلال فترة قصيرة نتيجة التصعيد العسكري.
ويؤكد هذا الأداء أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية لأي تطور أمني في منطقة الخليج، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه المنطقة في تلبية جانب كبير من الطلب العالمي على النفط.
انعكاسات اقتصادية واسعة
ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر تأثيره على شركات الطاقة أو الدول المنتجة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فارتفاع الخام يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف الوقود والنقل والشحن، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويغذي معدلات التضخم، ويزيد الضغوط على البنوك المركزية في إدارة السياسة النقدية.
كما تواجه شركات الطيران والنقل البحري والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ارتفاعاً في تكاليف التشغيل، الأمر الذي قد ينعكس لاحقاً على المستهلك النهائي.