برنت يتجاوز 95 دولارا بفعل التصعيد الأميركي
عادت أسعار النفط إلى واجهة الاهتمام العالمي بعدما تجاوز خام برنت مستوى 95 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ 11 يونيو، مدفوعاً بتصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تزداد فيه المخاوف من تعرض إمدادات الطاقة العالمية لمزيد من الاضطرابات، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق التوتر في منطقة تعد المصدر الرئيسي لإمدادات النفط إلى الأسواق العالمية.
ويمثل تجاوز هذا المستوى السعري تطوراً مهماً بالنسبة للأسواق، إذ يعكس عودة العامل الجيوسياسي ليصبح المحرك الأول للأسعار، بعد فترة كانت فيها الأسواق تركز بصورة أكبر على مستويات الطلب العالمي وبيانات الاقتصاد الكلي ومعدلات الفائدة.
وجاءت موجة الصعود الأخيرة عقب تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي قال فيها إن إيران لا تبدي جدية بشأن محادثات السلام، مؤكداً أن طهران لم تلتزم بتعهداتها بموجب مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، كما اتهمها بتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في سوق النفط.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 3 % خلال التعاملات، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي مكاسب مماثلة، ليصل الخامان إلى أعلى مستوياتهما في نحو ستة أسابيع، مواصلين الارتفاع الذي بدأ منذ تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة.
تصعيد متواصل
المواجهات العسكرية المستمرة كانت العامل الأبرز وراء صعود الأسعار، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ غارات جديدة على أهداف عسكرية داخل إيران لليلة الحادية عشرة على التوالي، بينما شهدت المنطقة تطورات أمنية متسارعة شملت اعتراض الكويت طائرات مسيرة إيرانية، إضافة إلى استمرار تبادل الضربات بين الجانبين.
وتنظر الأسواق إلى استمرار العمليات العسكرية باعتباره مؤشراً على أن الأزمة قد تطول، وهو ما يزيد احتمالات تعرض منشآت الطاقة أو طرق الإمداد البحرية لمزيد من المخاطر، الأمر الذي يدفع المتعاملين إلى شراء النفط تحسباً لأي نقص محتمل في الإمدادات.
كما أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط والسفن التجارية، وهو ما ينعكس تلقائياً على أسعار الخام والمنتجات النفطية، حتى دون حدوث توقف فعلي للصادرات.
ويرى محللون أن الأسواق أصبحت تتفاعل مع الأخبار العسكرية بصورة أسرع من تفاعلها مع المؤشرات الاقتصادية، حيث تكفي أي عملية عسكرية أو تصريح سياسي لرفع الأسعار خلال ساعات قليلة.
ممرات حيوية
عاد مضيق هرمز مجدداً إلى قلب المشهد، باعتباره أهم شريان لنقل النفط في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من صادرات الخليج المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى اضطراب حركة الملاحة أو فرض قيود على مرور الناقلات، وهو ما قد يسبب اختناقات في الإمدادات العالمية ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
ولا يقتصر القلق على مضيق هرمز فقط، بل امتد أيضاً إلى مضيق باب المندب، الذي يمثل بدوره ممراً استراتيجياً للتجارة العالمية، حيث يرى خبراء أن تعرض الممرين في الوقت نفسه لأي اضطرابات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري والتأمين، وهو ما ينعكس على أسعار الطاقة والسلع عالمياً.
وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة KCM Trade، إن سوق الطاقة يواجه حالياً «قلقاً مزدوجاً»، مع احتمال تحول باب المندب إلى بؤرة توتر إضافية إلى جانب مضيق هرمز، في ظل متابعة المستثمرين لحركة الشحن في البحر الأحمر.
قلق المستثمرين
استمرار الأزمة دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على ارتفاع أسعار النفط، إذ عادت صناديق الاستثمار إلى تعزيز مراكزها الشرائية في عقود الخام، تحسباً لاحتمال استمرار التصعيد خلال الأسابيع المقبلة.
ويرى متعاملون أن السوق يضيف حالياً ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى الأسعار، وهي الزيادة الناتجة عن مخاوف تعطل الإمدادات، حتى وإن لم يحدث نقص فعلي في الإنتاج.
كما بدأت شركات الطيران والنقل البحري والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بمراقبة الأسواق عن كثب، خشية ارتفاع تكاليف الوقود، الأمر الذي قد ينعكس لاحقاً على أسعار السلع والخدمات.
ويتوقع محللون أن يؤدي استمرار الأسعار فوق 95 دولاراً للبرميل إلى زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة، وهو ما قد يعقد مهمة البنوك المركزية في احتواء التضخم.
المخزونات الأميركية
إلى جانب التطورات العسكرية، تلقت الأسعار دعماً إضافياً من بيانات معهد البترول الأميركي، التي أظهرت ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير خلال الأسبوع الماضي، مقابل انخفاض مخزونات البنزين.
ورغم أن ارتفاع مخزونات الخام يعد عادة عاملاً ضاغطاً على الأسعار، فإن الأسواق ركزت بصورة أكبر على انخفاض مخزونات البنزين، باعتباره مؤشراً على استمرار الطلب القوي خلال موسم السفر الصيفي في الولايات المتحدة.
كما يترقب المستثمرون صدور البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأميركية، والتي تعد مرجعاً رئيسياً لتقييم أوضاع العرض والطلب في أكبر اقتصاد مستهلك للنفط في العالم.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي عند أدنى مستوياته منذ عقود، وهو ما يقلص قدرة واشنطن على استخدامه لتهدئة الأسواق إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
مكاسب المنتجين
ارتفاع أسعار النفط يمنح الدول المنتجة، وفي مقدمتها دول الخليج، فرصة لتعزيز إيراداتها المالية وتحسين أوضاع الموازنات العامة، خاصة بعد فترة من تذبذب الأسعار خلال الأشهر الماضية.
كما أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يدعم الإنفاق الحكومي وتمويل المشروعات التنموية الكبرى، لكنه في المقابل يزيد الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الوقود والنقل والإنتاج.
ويرى مراقبون أن منظمة أوبك+ ستواصل متابعة التطورات عن كثب، إذ إن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة قد يدفعها إلى الإبقاء على سياسة الإنتاج الحالية، بينما قد تعيد النظر في خططها إذا شهدت الأسواق اضطرابات حادة أو نقصاً فعلياً في الإمدادات.
وفي حال تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، فقد تواجه الاقتصادات العالمية موجة جديدة من الضغوط التضخمية، ما قد ينعكس على النمو الاقتصادي العالمي خلال النصف الثاني من العام.
تكلفة الحرب
في تطور يعكس اتساع أبعاد الأزمة، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث أن تكلفة العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران بلغت نحو 37.5 مليار دولار حتى الآن، بزيادة تقارب ثمانية مليارات دولار عن آخر تقدير معلن.
ويشير هذا الرقم إلى أن استمرار المواجهة لا يفرض ضغوطاً على أسواق الطاقة فقط، بل يرفع أيضاً أعباء الإنفاق العسكري الأميركي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بالعجز المالي وارتفاع الدين العام.
ويرى خبراء أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يزيد الضغوط على الاقتصاد الأميركي، خاصة إذا ترافق مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وارتفاع معدلات التضخم.