برنت يتراجع إلى 104 دولارات للبرميل
واصلت أسعار النفط تراجعها في تعاملات الخميس، مع انحسار جانب من المخاوف التي دفعت الخام إلى مستويات مرتفعة خلال الفترة الماضية، بعدما تلقت السوق إشارات إلى قرب استعادة جزء مهم من قدرات نقل النفط السعودي عبر خط «شرق-غرب»، في تطور خفف المخاوف من استمرار تعطل الإمدادات وأعاد ترتيب حسابات المتعاملين بشأن حجم علاوة المخاطر الجيوسياسية التي ينبغي أن تبقى مضافة إلى الأسعار. وهبط خام «برنت» بنحو 1.7 % إلى 104.08 دولارات للبرميل خلال التعاملات، مواصلاً خسائره بعدما تراجع 2.7 % في الجلسة السابقة، فيما أظهرت أسعار لاحقة استمرار تداول الخام قرب مستوى 104 دولارات.
عودة الإمدادات
وجاء الضغط الأبرز على الأسعار من توقعات بقرب استعادة خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي جزءاً من طاقته، إذ تستهدف السعودية إعادة نحو نصف الطاقة المتضررة إلى الخدمة خلال أيام، على أن يعود التشغيل الكامل في غضون ستة أسابيع. ويحمل هذا التطور أهمية كبيرة للأسواق، نظراً إلى الدور الذي يؤديه الخط في نقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفر مساراً بديلاً للصادرات بعيداً عن مضيق هرمز الذي تأثرت حركة الشحن عبره بالصراع الدائر في المنطقة.
وتعرض الخط لأضرار جراء هجمات خلال الأسبوع الماضي، ما أدى إلى تصاعد سريع في المخاوف بشأن قدرة المنتجين على إيصال النفط إلى الأسواق، ودفع الأسعار إلى الارتفاع. وازدادت أهمية المنشأة مع اضطراب المرور عبر هرمز، إذ أصبح خط «شرق-غرب» جزءاً محورياً من منظومة المسارات البديلة التي يمكن للسعودية استخدامها للحفاظ على تدفق صادراتها. وكانت المخاوف من استمرار تعطله قد دفعت بعض المشترين إلى البحث عن إمدادات بديلة، فيما اشترت شركة «أورلن» البولندية 16 شحنة إضافية لتأمين احتياجات مصافيها خلال أكتوبر.
علاوة المخاطر
ورغم التراجع الأخير، لا تعني عودة جزء من قدرات النقل أن سوق النفط تجاوزت المخاطر بصورة كاملة، إذ ما تزال الأسعار أعلى بكثير من مستوياتها في بداية العام، بينما تبقى طرق الإمداد الرئيسية معرضة للتطورات العسكرية والسياسية. ويرى متعاملون أن استعادة الطاقة المفقودة تقلص علاوة الخطر، لكنها لا تعيد حتى الآن هامش الأمان الذي كانت تتمتع به السوق قبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وارتفع النفط بنحو ثلاثة أرباع قيمته منذ بداية العام، بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تقليص تدفقات الخام من الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من ضغوط على قطاع الطاقة الروسي. وأبقت هذه العوامل السوق شديدة الحساسية لأي أنباء تتعلق بالموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البحرية، بحيث أصبحت التغيرات في قدرة البنية التحتية على العمل تنعكس سريعاً على الأسعار والعقود الآجلة.
بوابة هرمز
ويظل مضيق هرمز أحد أهم عناصر عدم اليقين، في ظل التفاوت الكبير بين التقديرات الخاصة بحجم النفط الذي يمر عبره. وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن نحو 18 مليون برميل من الخام والمنتجات النفطية عبرت المضيق في أحد أيام الأسبوع، بينما بلغ متوسط التدفقات خلال سبعة أيام نحو 11 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، قدرت «كلاركسونز ريسيرش» التدفقات اليومية بنحو 8 ملايين برميل، وهو فارق واسع يعكس صعوبة قياس حركة الشحن في ظل الظروف الراهنة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية استثنائية لأن حجم التدفقات الفعلية عبر المضيق يحدد بدرجة كبيرة مدى نقص الإمدادات الذي تواجهه السوق. فكلما اقتربت حركة الناقلات من مستوياتها الطبيعية، تقل الحاجة إلى إضافة علاوة جيوسياسية كبيرة إلى الأسعار، بينما يمكن لأي تراجع حاد أو تعطل جديد أن يعيد مخاوف النقص سريعاً ويطلق موجة صعود جديدة.
ضغوط التضخم
ولم تقتصر تداعيات اضطراب سوق النفط على أسعار الخام، إذ امتدت إلى الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنتاج. وأسهمت القفزة الكبيرة في أسعار الطاقة خلال العام في تعزيز الضغوط التضخمية، لتصبح أسعار النفط عاملاً مهماً في حسابات البنوك المركزية، خصوصاً مع انتقال الزيادة في تكلفة الوقود إلى سلاسل التوريد وأسعار السلع والخدمات.
وفي الولايات المتحدة، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأربعاء، وأشار إلى إمكانية مواصلة التشديد، في وقت تفرض فيه تكاليف الطاقة المرتفعة تحدياً إضافياً أمام جهود احتواء التضخم. ويعني استمرار الخام فوق 100 دولار للبرميل أن الاقتصادات المستوردة للطاقة قد تواجه فاتورة أعلى، بينما تستفيد الدول المنتجة من زيادة الإيرادات، ما يعيد رسم جانب من تدفقات السيولة والتجارة العالمية.
الجبهة الروسية
وفي موازاة تطورات الشرق الأوسط، عادت إمدادات النفط الروسية لتشكل مصدراً آخر للمخاطر بعدما أعطى الكونغرس الأميركي الموافقة النهائية على مشروع قانون يمنح الرئيس دونالد ترمب سلطات جديدة لفرض رسوم على الدول التي تشتري المنتجات النفطية الروسية. وقد تطال الإجراءات كبار المشترين، وبينهم الصين والهند، ما يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين إلى تجارة الطاقة العالمية إذا دخل التشريع حيز التنفيذ.
ويأتي ذلك بينما تواصل أوكرانيا استهداف مصافي النفط الروسية بطائرات مسيرة، وهو ما ضغط على قدرات التكرير ودفع موسكو إلى تقييد معظم صادرات الديزل لإعطاء الأولوية للسوق المحلية، مع بحث تمديد القيود حتى أكتوبر. وتظهر بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن الضغوط على الإمدادات الروسية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالشرق الأوسط، ساهمت أيضاً في تضييق الخصومات على بعض درجات الخام الروسي منذ منتصف أغسطس.
مأزق الديزل
ويبدو سوق المنتجات المكررة أكثر حساسية من الخام نفسه، إذ أدى اضطراب منشآت الطاقة في الشرق الأوسط وروسيا إلى تشديد إمدادات الديزل، بينما ارتفعت العقود الآجلة للغازويل الأوروبي والديزل الأميركي منخفض الكبريت إلى مستويات قياسية. وتدفع هذه التطورات المصافي إلى إعطاء أولوية أكبر لإنتاج الديزل على حساب منتجات أخرى للاستفادة من هوامش التكرير المرتفعة وتلبية الطلب.
وتحمل أزمة الديزل تداعيات اقتصادية أوسع، نظراً إلى استخدام الوقود بصورة مكثفة في النقل البري والصناعة والزراعة، ما يجعل ارتفاع تكلفته أسرع انتقالاً إلى أسعار السلع مقارنة ببعض منتجات الطاقة الأخرى. ولذلك، فإن تراجع «برنت» صوب 104 دولارات لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط على المستهلكين، خصوصاً إذا ظلت المنتجات المكررة تعاني نقصاً في المعروض.