مرحلة جديدة في صياغة الاقتصاد العالمي
بعد قرون من المعاناة والتراجع، كانت الصين بحاجة إلى تطوير تجربتها من خلال دراسة الغرب، على غرار ما فعلت اليابان. وكان من الممكن أن يؤدي هذا المسار، بمرور الوقت، إلى امتزاج الثقافة الصينية بعناصر من الحضارة الغربية بصورة تدريجية، بما يفضي إلى نموذج خاص يجمع بين الجانبين. وكانت تجارب هونغ كونغ واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تقدم نماذج واضحة على إمكانية تحقيق هذا التداخل.
وبرزت هونغ كونغ في هذا السياق كتجربة جمعت بين العديد من عناصر الحضارة الغربية والخصوصية الصينية. فقد استفاد سكانها من تطور الخدمات والنقل العام والبنية الأساسية، إلى جانب تبني أنماط تنظيمية ومؤسسية مستمدة من التجربة الغربية، مع احتفاظهم بخصوصيتهم الاجتماعية والثقافية. وأسهم هذا المزيج في بناء سوق نشطة ومؤسسات تنظيمية متطورة، إلى جانب المحافظة على قيم الادخار التي ارتبطت تقليدياً بالمجتمع الصيني.
وكان نجاح هونغ كونغ يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على الجمع بين عناصر من الشرق والغرب، ولا سيما في مجالات السوق والمؤسسات والقواعد القانونية. ولذلك، كان نموذجها يمثل تجربة جديرة بالدراسة بالنسبة إلى الصين في مرحلة سعيها إلى اللحاق بالاقتصادات الغربية المتقدمة.
مرحلة انتقالية
وفي تلك المرحلة، كان الاقتصاد الصيني يمر بمرحلة انتقالية جعلت الاستفادة من التجارب الخارجية أمراً بالغ الأهمية، ولم يكن المطلوب التخلي عن الثقافة الصينية أو عناصرها التاريخية، فهي تمتد إلى آلاف السنين، وكان من الصعب أن تفقد حضورها بصورة دائمة حتى لو تعرض بعضها للتراجع لفترة من الزمن. بل كان المطلوب دراسة التجارب الغربية بصورة أكثر انفتاحاً، والاستفادة من عناصر القوة التي ساعدت الغرب على تحقيق تقدمه خلال القرون الخمسة السابقة.
وكان النظر إلى الغرب باعتباره سلبياً بالكامل، من دون دراسة ما حققه من تقدم، يحمل مخاطر تتمثل في إضاعة فرص الاستفادة من تجاربه. وفي هذا الإطار، كانت تجربة الإصلاح والانفتاح التي ارتبطت بدينغ شياو بينغ تمثل مرجعاً مهماً، إذ أكدت أهمية التركيز على البناء الاقتصادي والاستفادة من الخبرات الخارجية.
وكان واضحاً آنذاك أن الصين ستحتاج إلى سنوات طويلة لمواكبة الغرب، خصوصاً مع ضخامة عدد سكانها واتساع الفجوة في مستويات المعيشة. لكن ارتفاع مستوى معيشة المواطنين في البر الرئيسي تدريجياً، واقترابه مستقبلاً من المستويات التي تحققت في هونغ كونغ، كان من شأنه أن يقلل المخاوف من التأثير الثقافي الغربي، لأن المجتمع الصيني سيكون أكثر قدرة على استيعاب المؤثرات الخارجية والتعامل معها من موقع أكثر ثقة.
وعندما تقترب الصين من مستوى اقتصادي ومعيشي مماثل للغرب، ستكون في وضع أفضل للتنافس معه. ولذلك، لم يكن المطلوب المبالغة في التفاخر بالقدرات الصينية، وإنما بناء ثقة تستند إلى إدراك حقيقة أن البلاد كانت قد تأخرت عن الغرب خلال القرون الخمسة السابقة، مع الاستناد في الوقت نفسه إلى إرث حضاري طويل يمكن البناء عليه.
وكان يمكن النظر إلى هذا التأخر باعتباره خسارة في مرحلة من مراحل التاريخ، لا نهاية للمسار. فمع تجنب الأخطاء والتحرك تدريجياً، كان من الممكن أن تستعيد الصين دوراً أكثر أهمية على المستوى العالمي. وكانت المشكلة، وفق هذا الطرح، لا تكمن في عدم قدرة الصينيين على القيام بما حققه الغرب، بقدر ما كانت ترتبط بالتردد في تبني بعض التجارب الناجحة أو الانتظار حتى تتقدم الاقتصادات الأخرى بعيداً.
ومن هنا، كان التدرج في رفع مستوى التنمية وتحسين مستويات المعيشة وبناء القدرات الاقتصادية يمثل مساراً ضرورياً. وكانت تجارب اليابان وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة تؤكد إمكانية استفادة المجتمعات الآسيوية من التجارب الغربية مع الحفاظ على خصوصيتها.
وبناءً على ذلك، كان المطلوب من الحكومة الصينية تجنب الأخطاء الجسيمة، وتطوير اقتصاد سوق يتناسب مع ظروف البلاد، والاستفادة من تجربة هونغ كونغ باعتبارها نموذجاً يمكن الاسترشاد به عند تطوير الاقتصاد في البر الرئيسي. وكان هذا النهج، في تلك المرحلة، يمثل أحد المسارات التي يمكن أن تساعد الصين على مواصلة اللحاق بالاقتصادات المتقدمة بصورة تدريجية.
إصلاحات اقتصادية
أثرت الأزمة المالية الآسيوية التي اندلعت عام 1998 بقوة في اقتصادات المنطقة والاقتصاد العالمي، إلا أن الصين كانت من بين الاقتصادات التي تمكنت من الحد من تداعياتها. ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن الاقتصاد الصيني لم يكن قد اندمج بصورة كاملة في الاقتصاد العالمي آنذاك، الأمر الذي حد من انتقال الصدمات الخارجية إليه.
وتأثرت صادرات الصين بالأزمة بدرجة محدودة، كما ظل تأثير العوامل الخارجية في العملة والنمو الاقتصادي أقل من تأثيرها في الاقتصادات الأكثر اندماجاً في الأسواق العالمية. أما التراجع في معدلات النمو الذي شهدته الصين لاحقاً، فكان يرتبط بدرجة أكبر بالانكماش الذي بدأ في عام 1993، وليس بالأزمة الآسيوية وحدها.
وكانت هذه التطورات تشير إلى أن الصين لم تكن قد أصبحت جزءاً كاملاً من النظام الاقتصادي العالمي في ذلك الوقت، في حين كان الاقتصاد العالمي يتجه بصورة متزايدة نحو نموذج يقوم على اقتصاد السوق وآليات التنظيم الرأسمالي. ومن هنا، برز السؤال حول كيفية اندماج الصين تدريجياً في هذا النظام، وما المتطلبات اللازمة لتحقيق ذلك.
وليس الهدف هنا الدخول في نقاش تفصيلي حول مزايا اقتصاد السوق أو أسباب ضرورة اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، وإنما التركيز على إحدى أهم خصائص هذا الاقتصاد، وهي تبادل الموارد بين الأطراف المختلفة. فالتبادل القائم على تحقيق منفعة متبادلة يمكن أن يؤدي بصورة مستمرة إلى زيادة الثروة ورفع كفاءة استخدام الموارد.
تنافسية الصين
كانت إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الصيني في تلك المرحلة ارتفاع تكاليف الصفقات وتبادل الموارد. ويصعب أحياناً إدراك هذه التكاليف أو قياسها بصورة مباشرة، لأنها لا تظهر دائماً في الأسعار والتكاليف المعلنة، كما تختلف باختلاف طبيعة الأسواق والمؤسسات.
وتوفر المقارنة بين اقتصاد هونغ كونغ واقتصاد البر الرئيسي مثالاً واضحاً لفهم مفهوم تكاليف الصفقات. فعلى الرغم من ارتفاع تكاليف عوامل الإنتاج في هونغ كونغ بدرجة كبيرة، ولا سيما عند مقارنتها بالبر الرئيسي أو بعدد من الاقتصادات الأخرى، فإن اقتصادها كان يتمتع بقدرة تنافسية مرتفعة.
فالأجور والإيجارات وتكاليف التمويل في هونغ كونغ كانت أعلى بكثير من مستوياتها في البر الرئيسي، وكانت بعض هذه التكاليف من بين الأعلى عالمياً. وفي المقابل، كانت تكاليف عوامل الإنتاج في البر الرئيسي منخفضة للغاية، سواء فيما يتعلق بالأجور أو الإيجارات أو تكلفة التمويل.
لكن هل يعني ذلك أن انخفاض تكاليف عوامل الإنتاج يجعل اقتصاد البر الرئيسي أكثر تنافسية من هونغ كونغ؟ لم يكن الأمر بهذه البساطة. فالتنافسية لا تتحدد بتكاليف الإنتاج وحدها، وإنما ترتبط أيضاً بتكاليف الصفقات المصاحبة لعمليات التبادل الاقتصادي.
وبعبارة أخرى، فإن تقييم تنافسية أي اقتصاد يتطلب النظر إلى تكاليف عوامل الإنتاج وتكاليف الصفقات معاً. فقد تكون تكلفة الإنتاج مرتفعة في اقتصاد ما، لكنه يظل أكثر تنافسية إذا كانت تكلفة إتمام المعاملات والوصول إلى الأسواق والحصول على الموارد أقل.
وهنا تحديداً برزت إحدى نقاط قوة هونغ كونغ مقارنة بالبر الرئيسي؛ فقد كانت تكاليف الصفقات فيها أقل بكثير. وبالتالي، فإن انخفاض الأجور والإيجارات وتكاليف التمويل في البر الرئيسي لم يكن كافياً وحده لتعويض الفارق في تكاليف إتمام المعاملات والتبادل الاقتصادي.
فما المقصود بتكاليف الصفقات؟ إنها تكاليف تنشأ نتيجة عملية التبادل نفسها، وغالباً ما تكون غير ظاهرة بصورة مباشرة. وهي تختلف عن تكاليف عوامل الإنتاج، لأنها لا تتعلق مباشرة بتكلفة العمالة أو العقارات أو التمويل، وإنما بما يتطلبه إتمام الصفقة والوصول إلى الموارد وتنظيم العلاقة بين الأطراف المختلفة.
جوهر نظام حقوق الملكية
بعد توضيح أهمية تكاليف الصفقات، يمكن الانتقال إلى العلاقة بينها وبين نظام حقوق الملكية. فعندما يمتلك المجتمع نظاماً اقتصادياً قادراً على إدارة عدد كبير من الصفقات بكفاءة، يصبح من الممكن إدراك أن أحد أهم أدوار حقوق الملكية يتمثل في تسهيل توزيع المخاطر بين الأطراف المختلفة، وتؤدي حقوق الملكية وظيفة أساسية تتمثل في تحديد التوقعات. فالناس يحتاجون أولاً إلى معرفة ما يمكن توقعه من نتائج الأنشطة الاقتصادية حتى يتمكنوا من اتخاذ القرارات وتعديل سلوكهم وفقاً لذلك. وكلما كانت حقوق الملكية أكثر وضوحاً واستقراراً، أصبح بإمكان الأطراف الاقتصادية اتخاذ قراراتها على أساس توقعات أكثر وضوحاً.
وتزداد أهمية حقوق الملكية في اقتصادات السوق التي تشهد حجماً كبيراً من النشاط الاقتصادي والصفقات، لأن كل صفقة لا تمثل مجرد تبادل للسلع أو الأموال، وإنما تنطوي أيضاً على إعادة توزيع للمخاطر بين الأطراف المشاركة فيها.
وتظهر الصورة الأكثر وضوحاً لذلك في أسواق الأسهم والعملات الأجنبية والأوراق المالية. فعندما اندلعت الأزمة المالية الآسيوية، شهدت أسواق الأسهم في المنطقة تراجعات حادة، وكان يمكن النظر إلى هذا الهبوط باعتباره جزءاً من عملية إعادة توزيع المخاطر في الأسواق المالية، وليس مجرد حدث استثنائي منفصل عن آليات السوق.
وقد أثار هذا التراجع آنذاك مخاوف واسعة بشأن أسبابه وتداعياته، إلا أن الأسواق المالية لا تتحرك في اتجاه واحد بصورة دائمة، فهي تمر بمراحل ارتفاع وتراجع، وتعيد بصورة مستمرة تسعير المخاطر والعوائد وفقاً للمتغيرات الاقتصادية.