تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

QSG…1138

بعد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬والتراجع،‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬تجربتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬الغرب،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬فعلت‭ ‬اليابان‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬إلى‭ ‬امتزاج‭ ‬الثقافة‭ ‬الصينية‭ ‬بعناصر‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية،‭ ‬بما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬خاص‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭. ‬وكانت‭ ‬تجارب‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايوان‭ ‬تقدم‭ ‬نماذج‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭.‬
وبرزت‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬كتجربة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬والخصوصية‭ ‬الصينية‭. ‬فقد‭ ‬استفاد‭ ‬سكانها‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬الخدمات‭ ‬والنقل‭ ‬العام‭ ‬والبنية‭ ‬الأساسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تبني‭ ‬أنماط‭ ‬تنظيمية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الغربية،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظهم‭ ‬بخصوصيتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سوق‭ ‬نشطة‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تنظيمية‭ ‬متطورة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الادخار‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬تقليدياً‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الصيني‭.‬
وكان‭ ‬نجاح‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬يرتبط‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السوق‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والقواعد‭ ‬القانونية‭. ‬ولذلك،‭ ‬كان‭ ‬نموذجها‭ ‬يمثل‭ ‬تجربة‭ ‬جديرة‭ ‬بالدراسة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬سعيها‭ ‬إلى‭ ‬اللحاق‭ ‬بالاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬المتقدمة‭.‬

مرحلة‭ ‬انتقالية
وفي‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬جعلت‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الخارجية‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬المطلوب‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الصينية‭ ‬أو‭ ‬عناصرها‭ ‬التاريخية،‭ ‬فهي‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬حضورها‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تعرض‭ ‬بعضها‭ ‬للتراجع‭ ‬لفترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭. ‬بل‭ ‬كان‭ ‬المطلوب‭ ‬دراسة‭ ‬التجارب‭ ‬الغربية‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدمه‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬الخمسة‭ ‬السابقة‭.‬
وكان‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬باعتباره‭ ‬سلبياً‭ ‬بالكامل،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬من‭ ‬تقدم،‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إضاعة‭ ‬فرص‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجاربه‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬كانت‭ ‬تجربة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بدينغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬تمثل‭ ‬مرجعاً‭ ‬مهماً،‭ ‬إذ‭ ‬أكدت‭ ‬أهمية‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الخارجية‭.‬
وكان‭ ‬واضحاً‭ ‬آنذاك‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬لمواكبة‭ ‬الغرب،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬ضخامة‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭. ‬لكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬تدريجياً،‭ ‬واقترابه‭ ‬مستقبلاً‭ ‬من‭ ‬المستويات‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يقلل‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الثقافي‭ ‬الغربي،‭ ‬لأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الصيني‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬المؤثرات‭ ‬الخارجية‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة‭.‬
وعندما‭ ‬تقترب‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومعيشي‭ ‬مماثل‭ ‬للغرب،‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬للتنافس‭ ‬معه‭. ‬ولذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المطلوب‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬التفاخر‭ ‬بالقدرات‭ ‬الصينية،‭ ‬وإنما‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬إدراك‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تأخرت‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬الخمسة‭ ‬السابقة،‭ ‬مع‭ ‬الاستناد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬حضاري‭ ‬طويل‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه‭.‬
وكان‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التأخر‭ ‬باعتباره‭ ‬خسارة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬التاريخ،‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬للمسار‭. ‬فمع‭ ‬تجنب‭ ‬الأخطاء‭ ‬والتحرك‭ ‬تدريجياً،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬الصين‭ ‬دوراً‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭. ‬وكانت‭ ‬المشكلة،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬الصينيين‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بما‭ ‬حققه‭ ‬الغرب،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬بالتردد‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬أو‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬تتقدم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭ ‬بعيداً‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬كان‭ ‬التدرج‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬التنمية‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يمثل‭ ‬مساراً‭ ‬ضرورياً‭. ‬وكانت‭ ‬تجارب‭ ‬اليابان‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬وتايوان‭ ‬وسنغافورة‭ ‬تؤكد‭ ‬إمكانية‭ ‬استفادة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الآسيوية‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خصوصيتها‭.‬
وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬تجنب‭ ‬الأخطاء‭ ‬الجسيمة،‭ ‬وتطوير‭ ‬اقتصاد‭ ‬سوق‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬البلاد،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬باعتبارها‭ ‬نموذجاً‭ ‬يمكن‭ ‬الاسترشاد‭ ‬به‭ ‬عند‭ ‬تطوير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬اللحاق‭ ‬بالاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭.‬

إصلاحات‭ ‬اقتصادية
أثرت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تداعياتها‭. ‬ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬اندمج‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬آنذاك،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭ ‬إليه‭.‬
وتأثرت‭ ‬صادرات‭ ‬الصين‭ ‬بالأزمة‭ ‬بدرجة‭ ‬محدودة،‭ ‬كما‭ ‬ظل‭ ‬تأثير‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكثر‭ ‬اندماجاً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬أما‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬الصين‭ ‬لاحقاً،‭ ‬فكان‭ ‬يرتبط‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬بالانكماش‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬وليس‭ ‬بالأزمة‭ ‬الآسيوية‭ ‬وحدها‭.‬
وكانت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يتجه‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬وآليات‭ ‬التنظيم‭ ‬الرأسمالي‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬برز‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬اندماج‭ ‬الصين‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬وما‭ ‬المتطلبات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭.‬
وليس‭ ‬الهدف‭ ‬هنا‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬تفصيلي‭ ‬حول‭ ‬مزايا‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬أسباب‭ ‬ضرورة‭ ‬اندماج‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وإنما‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬خصائص‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وهي‭ ‬تبادل‭ ‬الموارد‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭. ‬فالتبادل‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬منفعة‭ ‬متبادلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الثروة‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭.‬

تنافسية‭ ‬الصين
كانت‭ ‬إحدى‭ ‬المشكلات‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الصفقات‭ ‬وتبادل‭ ‬الموارد‭. ‬ويصعب‭ ‬أحياناً‭ ‬إدراك‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬أو‭ ‬قياسها‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬والتكاليف‭ ‬المعلنة،‭ ‬كما‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسواق‭ ‬والمؤسسات‭.‬
وتوفر‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬اقتصاد‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬واقتصاد‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لفهم‭ ‬مفهوم‭ ‬تكاليف‭ ‬الصفقات‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عند‭ ‬مقارنتها‭ ‬بالبر‭ ‬الرئيسي‭ ‬أو‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإن‭ ‬اقتصادها‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬تنافسية‭ ‬مرتفعة‭.‬
فالأجور‭ ‬والإيجارات‭ ‬وتكاليف‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬كانت‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مستوياتها‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وكانت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأعلى‭ ‬عالمياً‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كانت‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬منخفضة‭ ‬للغاية،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأجور‭ ‬أو‭ ‬الإيجارات‭ ‬أو‭ ‬تكلفة‭ ‬التمويل‭.‬
لكن‭ ‬هل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬يجعل‭ ‬اقتصاد‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬أكثر‭ ‬تنافسية‭ ‬من‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ؟‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬بهذه‭ ‬البساطة‭. ‬فالتنافسية‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬بتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بتكاليف‭ ‬الصفقات‭ ‬المصاحبة‭ ‬لعمليات‭ ‬التبادل‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬تقييم‭ ‬تنافسية‭ ‬أي‭ ‬اقتصاد‭ ‬يتطلب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتكاليف‭ ‬الصفقات‭ ‬معاً‭. ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬تكلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬ما،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬أكثر‭ ‬تنافسية‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تكلفة‭ ‬إتمام‭ ‬المعاملات‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬أقل‭.‬
وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬برزت‭ ‬إحدى‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬مقارنة‭ ‬بالبر‭ ‬الرئيسي؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تكاليف‭ ‬الصفقات‭ ‬فيها‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬انخفاض‭ ‬الأجور‭ ‬والإيجارات‭ ‬وتكاليف‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافياً‭ ‬وحده‭ ‬لتعويض‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬إتمام‭ ‬المعاملات‭ ‬والتبادل‭ ‬الاقتصادي‭.‬
فما‭ ‬المقصود‭ ‬بتكاليف‭ ‬الصفقات؟‭ ‬إنها‭ ‬تكاليف‭ ‬تنشأ‭ ‬نتيجة‭ ‬عملية‭ ‬التبادل‭ ‬نفسها،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬ظاهرة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭. ‬وهي‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬مباشرة‭ ‬بتكلفة‭ ‬العمالة‭ ‬أو‭ ‬العقارات‭ ‬أو‭ ‬التمويل،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬يتطلبه‭ ‬إتمام‭ ‬الصفقة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬وتنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭.‬
جوهر‭ ‬نظام‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية

بعد‭ ‬توضيح‭ ‬أهمية‭ ‬تكاليف‭ ‬الصفقات،‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬نظام‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭. ‬فعندما‭ ‬يمتلك‭ ‬المجتمع‭ ‬نظاماً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الصفقات‭ ‬بكفاءة،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوار‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتؤدي‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬وظيفة‭ ‬أساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬التوقعات‭. ‬فالناس‭ ‬يحتاجون‭ ‬أولاً‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬توقعه‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حتى‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬وتعديل‭ ‬سلوكهم‭ ‬وفقاً‭ ‬لذلك‭. ‬وكلما‭ ‬كانت‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬واستقراراً،‭ ‬أصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬الأطراف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراتها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬توقعات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬حجماً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والصفقات،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬صفقة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬تبادل‭ ‬للسلع‭ ‬أو‭ ‬الأموال،‭ ‬وإنما‭ ‬تنطوي‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬للمخاطر‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها‭.‬
وتظهر‭ ‬الصورة‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬لذلك‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والعملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬والأوراق‭ ‬المالية‭. ‬فعندما‭ ‬اندلعت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية،‭ ‬شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تراجعات‭ ‬حادة،‭ ‬وكان‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الهبوط‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬استثنائي‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬آليات‭ ‬السوق‭.‬
وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬آنذاك‭ ‬مخاوف‭ ‬واسعة‭ ‬بشأن‭ ‬أسبابه‭ ‬وتداعياته،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة،‭ ‬فهي‭ ‬تمر‭ ‬بمراحل‭ ‬ارتفاع‭ ‬وتراجع،‭ ‬وتعيد‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭ ‬والعوائد‭ ‬وفقاً‭ ‬للمتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

رجوع لأعلى