برنت يستعيد 84 دولارا وسط ضبابية الإمدادات
ارتفعت أسعار النفط في تعاملات الاثنين، لتبدأ الأسبوع على نغمة صعودية بعد خسائر حادة سجلتها خلال الأسبوع الماضي، وسط استمرار الضبابية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الناقلات بصورة طبيعية، في وقت قالت إيران إن اتفاقها مع سلطنة عمان بشأن تحديد ممرات ملاحية جديدة وصل إلى مراحله النهائية، لكنها ربطت إعادة فتح الممر المائي بشروط إضافية على الولايات المتحدة.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 73 سنتاً، بما يعادل 0.87 %، إلى 84.28 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 54 سنتاً، أو 0.69 %، إلى 78.72 دولاراً. وجاء الارتفاع بعدما فقد الخامان القياسيـان أكثر من 7 % خلال الأسبوع الماضي، بفعل تنامي الآمال في قرب التوصل إلى ترتيبات تتيح إعادة فتح المضيق الذي كان يعبر من خلاله نحو خمس استهلاك العالم من النفط قبل اندلاع الحرب.
علاوة المخاطر
ويكشف تحرك الأسعار أن السوق لا تتعامل حالياً مع مستويات العرض والطلب فقط، بل تسعّر أيضاً احتمالات نجاح المفاوضات السياسية والأمنية وقدرة الناقلات على استئناف العبور بأمان، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً من سعر النفط الحالي يمثل «علاوة مخاطر» مرتبطة بهرمز، قد تنخفض سريعاً إذا عادت الملاحة بصورة منتظمة، أو ترتفع مجدداً في حال تعثر الاتفاق.
وكانت إيران قد أعلنت أن الاتفاق مع سلطنة عمان بشأن الممرات الملاحية وصل إلى «المراحل النهائية»، لكنها أكدت أن ذلك لا يعني إعادة فتح المضيق تلقائياً، إذ لا تزال طهران تطالب واشنطن بتنفيذ شروط أخرى، بينها دفع تعويضات عن الهجمات التي تعرضت لها.
شريان عالمي
ويكتسب مضيق هرمز أهميته من حجم الإمدادات التي تعبر من خلاله. فقبل اندلاع الأزمة كان يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وكانت تمر عبره كميات ضخمة من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية المتجهة أساساً إلى الأسواق الآسيوية.
ويعني ذلك أن أي تعطيل طويل للمضيق لا يمثل مشكلة لدول الخليج وحدها، بل يتحول سريعاً إلى صدمة للاقتصاد العالمي، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من المنطقة.
ولا تستطيع طرق التصدير البديلة تعويض الكميات التي كانت تمر عبر هرمز بالكامل، رغم وجود خطوط أنابيب سعودية وإماراتية تسمح بنقل جزء من الخام بعيداً عن الممر، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة للأسعار تجاه أي تطور سياسي أو أمني يتعلق بالمضيق.
كما أظهرت الأزمة أن إغلاق هرمز لا يؤثر فقط على الصادرات، بل قد يدفع بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج إذا امتلأت الخزانات ولم تتوافر قدرة كافية على نقل النفط إلى الأسواق.
إمدادات الخليج
ولا تقتصر المخاطر على المضيق نفسه، بل تشمل منشآت النفط والناقلات والبنية التحتية للطاقة. فقد أعلنت وزارة الطاقة السعودية أن فرق إطفاء الأمن الصناعي التابعة لأرامكو أخمدت حريقاً وقع فجر الأحد في أحد مرافق مصفاة جازان، من دون وقوع إصابات، بينما تستكمل الجهات المختصة الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث.
وفي الإمارات، قالت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» إن 15 من سفنها تعرضت لهجمات أثناء عبورها مضيق هرمز منذ بداية الصراع، وهو ما يسلط الضوء على المخاطر التي تواجه حركة النقل البحري حتى في حال السماح للناقلات بالعبور.
ولا تعني مثل هذه الحوادث بالضرورة فقدان كميات كبيرة من الإمدادات، لكنها ترفع تكلفة التأمين والشحن والحماية، وتدفع شركات النقل إلى مطالبة بعلاوات إضافية، وهو ما قد يبقي أسعار النفط مرتفعة نسبياً حتى بعد عودة جزء من التدفقات.
كما دفعت اضطرابات التصدير بعض المنتجين في المنطقة إلى البحث عن مسارات بديلة وطرق طوارئ لنقل الخام، في إشارة إلى أن أمن طرق التصدير أصبح جزءاً أساسياً من سياسة الطاقة الخليجية.
أوبك+ تراقب
وتبقى تحركات «أوبك+» عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا بدأت الإمدادات الخليجية في التعافي بوتيرة أسرع من المتوقع.
ويملك التحالف مرونة في تعديل مستويات الإنتاج وفق ظروف السوق، سواء عبر زيادة الكميات أو وقف الزيادات أو إعادة خفض الإنتاج إذا تعرضت الأسعار لضغوط قوية.
وتزداد أهمية هذه المرونة في المرحلة الحالية، لأن السوق يمكن أن تنتقل خلال فترة قصيرة من الخوف من نقص الإمدادات إلى القلق من زيادتها. فإذا أعيد فتح هرمز وعادت الصادرات الخليجية سريعاً بالتزامن مع زيادة إنتاج دول أخرى، فقد تواجه الأسعار ضغوطاً هبوطية كبيرة.
وفي المقابل، إذا استمرت القيود على الملاحة أو تعطل جزء من الإنتاج، فإن قدرة بعض دول «أوبك+» على زيادة الإمدادات ستظل عاملاً مهماً في الحد من القفزات السعرية.
سيناريو الأسعار
وتبقى القضية الأهم أمام المستثمرين هي اتجاه النفط خلال الأشهر المقبلة. فالسيناريو الأساسي يفترض استمرار التحسن التدريجي في الإمدادات وعدم عودة الصراع إلى تعطيل واسع للصادرات.
وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحرك خام برنت قرب مستوى 80 دولاراً للبرميل بنهاية 2026، قبل أن يتراجع متوسطه تدريجياً خلال 2027 مع تحسن الإمدادات وانحسار علاوة المخاطر.
لكن هذا المسار لن يكون خالياً من التقلبات، إذ يمكن للمخزونات المنخفضة وارتفاع تكاليف الشحن واستمرار المخاطر الأمنية أن تبقي الأسعار أعلى من مستوياتها الطبيعية حتى بعد عودة الملاحة.
أما السيناريو الصعودي فيرتبط بفشل إعادة فتح هرمز بصورة كاملة، أو عودة الهجمات على الناقلات والمنشآت النفطية، أو استمرار تعطل جزء كبير من صادرات الخليج.
الأسواق تنتظر عودة الناقلات فعلياً
وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو أسعار النفط مرشحة للبقاء شديدة التقلب خلال الفترة المقبلة، مع تحول مضيق هرمز إلى العامل الأكثر تأثيراً في الاتجاه قصير الأجل.
فالإعلان عن اتفاق سياسي أو ملاحي قد يضغط على الأسعار، لكن التأثير المستدام لن يتحقق إلا عندما ترى السوق ناقلات تعبر بصورة منتظمة، وصادرات خليجية تعود إلى مستويات أقرب للطبيعية، وتكاليف التأمين والشحن تبدأ في الانخفاض.
وفي المقابل، فإن تعثر الاتفاق أو وقوع هجمات جديدة على السفن أو منشآت الطاقة سيعيد سريعاً علاوة المخاطر إلى الأسعار، وقد يفتح الباب أمام مستويات أعلى بكثير من 84 دولاراً الحالية.
وبين السيناريوهين، ستظل «أوبك+» لاعباً رئيسياً في ضبط توازن السوق، فيما سيحدد الطلب الآسيوي ومدى تعافي الاقتصاد العالمي حجم البراميل الإضافية التي يمكن استيعابها.
وبذلك، لم يعد السؤال الذي يحكم سوق النفط هو متى يعاد فتح هرمز فقط، بل كيف سيعاد فتحه، وكم برميلاً سيعبر من خلاله، وهل تستطيع الناقلات المرور بصورة آمنة ومستدامة. والإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان برنت سيستقر قرب نطاق 75 إلى 85 دولاراً خلال المرحلة المقبلة، أم أن الأسواق ستواجه موجة صعود جديدة تعيد النفط إلى خانة الثلاثة أرقام.