بريق الأسهم الكبرى يخفي مخاطر التركز
لم يكن المستثمر الأميركي «هاري جيمس» يتوقع أن يتحول حلمه بالمشاركة في صعود أحد أكثر الأسهم إثارة في الأسواق إلى درس استثماري قاسٍ خلال أيام قليلة. فبعد أسابيع من انتظار إدراج أسهم شركة «سبيس إكس» في بورصة نيويورك، قرر شراء السهم عند مستوى 220 دولاراً مدفوعاً بالمكاسب السريعة التي حققها في أولى جلسات تداوله، والخوف من ضياع فرصة استثمارية استثنائية.
لكن الحماس لم يصمد طويلاً، إذ أغلق السهم في جلسة أمس الاثنين عند 160.42 دولار، ليتكبد المستثمرون الذين دخلوا متأخرين خسائر كبيرة مع أول موجة تصحيح. ورغم أن القصة افتراضية في تفاصيلها، فإنها تعكس واقعاً يتكرر باستمرار في الأسواق المالية، حيث ينجذب المستثمرون الأفراد إلى الأسهم الأكثر شهرة، بينما تتراجع أهمية التقييمات المالية والأساسيات الاستثمارية.
فخ الزخم
خلال السنوات الأخيرة، تركزت السيولة بصورة غير مسبوقة في عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة، مدفوعة بالثقة الكبيرة في أسمائها وبالتغطية الإعلامية المكثفة التي تحظى بها. وأظهرت بيانات «فاندا ريسيرش» أن المستثمرين الأفراد ضخوا خلال عام 2024 عشرات المليارات من الدولارات في أسهم التكنولوجيا الكبرى، كان النصيب الأكبر منها لسهم «إنفيديا» الذي استقطب وحده قرابة 30 مليار دولار.
في المقابل، تراجعت التدفقات الموجهة إلى آلاف الشركات الأخرى المدرجة في السوق الأميركية إلى مستويات تاريخية متدنية، ما أدى إلى زيادة تركز المحافظ الاستثمارية في عدد محدود من الأسهم. ويؤكد محللون أن هذا النمط يجعل المستثمرين أكثر عرضة لتقلبات السوق، إذ إن أي تصحيح في الأسهم القيادية ينعكس مباشرة على أداء شريحة واسعة من المحافظ.
ومع استمرار ارتفاع تقييمات هذه الشركات إلى مستويات تفوق بكثير متوسطاتها التاريخية، تتزايد المخاوف من أن يتحول الزخم إلى مصدر للمخاطر، خاصة إذا تباطأ نمو الأرباح أو تغيرت توقعات المستثمرين.
سيولة تلقائية
ولا يعود صعود الشركات الكبرى إلى قرارات المستثمرين الأفراد فقط، بل أيضاً إلى التوسع الكبير في الاستثمار السلبي عبر صناديق المؤشرات والصناديق المتداولة في البورصة.
فوفق بيانات معهد شركات الاستثمار، ارتفعت الأصول المُدارة في هذه الصناديق من نحو 500 مليار دولار مطلع الألفية إلى أكثر من 15 تريليون دولار حالياً، فيما تجاوزت حصتها للمرة الأولى 54 % من إجمالي سوق صناديق الأسهم الأميركية، متقدمة على الصناديق النشطة.
ويعتمد هذا النوع من الاستثمار على شراء الأسهم وفق أوزانها داخل المؤشرات، وليس بناءً على تقييمات الشركات أو توقعات أرباحها. ولذلك، كلما ارتفعت القيمة السوقية لشركات مثل «إنفيديا» و«أبل» و«مايكروسوفت»، ازدادت تلقائياً حصتها من أي أموال جديدة تدخل الصناديق التي تتبع مؤشر «إس آند بي 500».
وتشير تقديرات «بلومبرج إنتليجنس» إلى أن أكثر من 300 مليار دولار من كل تريليون دولار جديدة تدخل الصناديق المرتبطة بالمؤشر تتجه إلى أكبر عشر شركات فقط، وهو ما يعزز ظاهرة التركز بصورة مستمرة.
كما أن مجموعة «السبعة الكبار» المكونة من «أبل» و«مايكروسوفت» و«إنفيديا» و«أمازون» و«ألفابت» و«ميتا» و«تسلا»، أصبحت المحرك الرئيسي للأسهم الأميركية، بعدما ساهمت خلال السنوات الأخيرة في أكثر من نصف مكاسب مؤشر «إس آند بي 500»، مستفيدة من الطفرة الكبيرة في الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
عوائد مختلفة
ورغم الشعبية الكبيرة لأسهم التكنولوجيا، فإنها ليست بالضرورة الأفضل من حيث العوائد النقدية للمستثمرين.
فشركات مثل «إنفيديا» و«أبل» تخصص الجزء الأكبر من تدفقاتها النقدية للاستثمار في تطوير البنية التحتية والتوسع، ما يجعل توزيعاتها النقدية محدودة، إذ يبلغ عائد توزيعات أرباح «إنفيديا» نحو 0.14 %، بينما يصل لدى «أبل» إلى نحو 0.34 %.
في المقابل، برزت شركات تقليدية استطاعت تحقيق نتائج مالية قوية مع الحفاظ على توزيعات أرباح مرتفعة. فقد سجلت شركة الأدوية «أبفي» تدفقات نقدية حرة فاقت توقعات الأسواق، مدعومة بتنوع منتجاتها، وحافظت على عائد توزيعات تجاوز 3.4 %.
أما شركة الاتصالات «فيريزون»، فواصلت تحقيق تدفقات نقدية مستقرة بفضل نموذج أعمالها القائم على الاشتراكات الدورية، الأمر الذي مكنها من خفض ديونها وتحسين ميزانيتها، لتتصدر قائمة الأسهم القيادية الأعلى توزيعاً للأرباح خلال 2025 بعائد تجاوز 6.3 %.
ويؤكد هذا التباين أن الشهرة لا تعني دائماً جودة الاستثمار، وأن الشركات الأقل ظهوراً إعلامياً قد توفر عوائد مستقرة وفرصاً أفضل للمستثمرين الباحثين عن الدخل طويل الأجل.
انحياز نفسي
ويرى خبراء التمويل السلوكي أن قرارات المستثمرين الأفراد لا تستند دائماً إلى التحليل المالي، بل تتأثر بما يعرف بـ«انحياز الألفة»، وهو الميل إلى شراء أسهم الشركات المعروفة أو المستخدمة في الحياة اليومية.
وأظهرت دراسة للباحثين براد باربر وتيرانس أودين أن المستثمرين يميلون إلى شراء الأسهم التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة أو تحقق ارتفاعات قوية، حتى وإن كانت شركات أخرى أقل شهرة تتمتع بتقييمات أكثر جاذبية.
وتلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في تعزيز هذا السلوك، إذ تستحوذ نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى على الجزء الأكبر من التغطية والتحليلات، بينما تمر نتائج عشرات الشركات الأخرى دون اهتمام مماثل، ما يعزز الاعتقاد بأن الاستثمار الآمن يقتصر على الأسماء اللامعة.
وفي النهاية، تكشف هذه الظاهرة أن السيولة لا تتجه دائماً نحو الشركات الأقوى مالياً، بل كثيراً ما تتبع الشهرة والزخم والوزن السوقي. ولذلك، يبقى الدرس الأهم للمستثمرين هو ضرورة الفصل بين قوة العلامة التجارية وجودة الاستثمار، وعدم الاكتفاء ببريق الاسم عند اتخاذ القرار، لأن الأسواق قد تكافئ الزخم لفترة، لكنها تعود في النهاية إلى تقييم الشركات وفق أساسياتها المالية وقدرتها على تحقيق نمو مستدام.