بيتكوين تتحدى العوائد المرتفعة… والأسواق تترقب انفجاراً جديداً
تمكنت عملة بيتكوين من الحفاظ على تداولاتها فوق مستوى 77 ألف دولار خلال تعاملات الأربعاء، في وقت تعيش فيه الأسواق العالمية حالة ترقب استثنائية للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ونتائج أعمال شركة إنفيديا الأمريكية، التي أصبحت خلال العامين الماضيين أحد أهم المحركات الرئيسية لشهية المخاطرة العالمية.
وجاء تماسك العملات الرقمية رغم الضغوط القوية الناتجة عن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وهي الضغوط التي دفعت العديد من المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على الأصول عالية المخاطر، وسط مخاوف متزايدة من استمرار التضخم العالمي وعودة البنوك المركزية إلى التشدد النقدي لفترة أطول.
وسجلت بيتكوين ارتفاعاً محدوداً لتصل إلى نحو 77.2 ألف دولار، بعد أن تعرضت خلال الأيام الماضية لموجة جني أرباح دفعتها مؤقتاً نحو مستوى 76 ألف دولار، وذلك عقب صعود قوي تجاوزت خلاله مستوى 82 ألف دولار الأسبوع الماضي.
ورغم التراجعات الأخيرة، ما تزال أكبر عملة مشفرة في العالم تحافظ على جزء كبير من مكاسبها التي حققتها منذ بداية العام، مدعومة باستمرار التدفقات الاستثمارية إلى صناديق الأصول الرقمية وعودة اهتمام المؤسسات المالية الكبرى بالقطاع.
ضغوط السندات
ويبقى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية أحد أكبر التحديات التي تواجه أسواق العملات الرقمية حالياً، إذ ارتفع العائد على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.69%، فيما تجاوز العائد على السندات لأجل 30 عاماً مستوى 5.19%، وهي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2007.
ويؤدي ارتفاع العوائد عادة إلى تقليص جاذبية الأصول عالية المخاطر، لأن المستثمرين يصبحون قادرين على تحقيق عوائد مرتفعة نسبياً عبر أدوات الدين الحكومية الأقل خطورة.
كما أن ارتفاع العوائد يعكس توقعات الأسواق باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وخلال السنوات الأخيرة، استفادت العملات الرقمية بشكل كبير من بيئة السيولة الرخيصة والفائدة المنخفضة، لكن التحول الحالي في السياسة النقدية العالمية بدأ يفرض ضغوطاً متزايدة على هذا القطاع شديد الحساسية للسيولة العالمية.
إيران والأسواق
وفي الجانب الجيوسياسي، تابعت الأسواق عن كثب تطورات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما صدرت إشارات متباينة من الإدارة الأمريكية حول مستقبل التصعيد العسكري في المنطقة.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الحرب قد تنتهي “بسرعة كبيرة” إذا أحرزت المفاوضات تقدماً ملموساً، مشيراً إلى أنه كان قريباً للغاية من إصدار أوامر بتنفيذ ضربة جديدة ضد إيران قبل أن يقرر منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
كما أكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن المحادثات الجارية حققت بعض التقدم، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن واشنطن ما تزال مستعدة للتحرك العسكري إذا انهارت المفاوضات.
وساهمت هذه التصريحات في تهدئة جزئية لمخاوف المستثمرين، ما انعكس إيجاباً على الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك العملات الرقمية وأسهم التكنولوجيا.
لكن الأسواق ما تزال تتعامل بحذر شديد مع الملف الإيراني، خاصة أن أي تصعيد مفاجئ قد يؤدي إلى قفزات جديدة في أسعار النفط والطاقة، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية العالمية.
إنفيديا والذكاء الاصطناعي
وفي الوقت نفسه، تتركز أنظار المستثمرين على نتائج شركة إنفيديا، التي تحولت إلى رمز رئيسي لطفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، بعد الارتفاعات القياسية التي حققتها أسهمها خلال الفترة الماضية.
ويُنظر إلى نتائج الشركة باعتبارها اختباراً حاسماً لاستمرار الزخم المرتبط بقطاع الذكاء الاصطناعي، الذي لعب دوراً محورياً في دعم أسواق الأسهم والعملات الرقمية خلال العام الجاري.
وخلال الأشهر الماضية، ساهم التفاؤل المرتبط بالذكاء الاصطناعي في تعزيز شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر المرتفعة، بما في ذلك العملات المشفرة، خاصة مع تزايد التوقعات بشأن توسع البنية التحتية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية.
لكن المستثمرين باتوا أكثر حساسية تجاه أي إشارات تباطؤ محتملة في القطاع، خصوصاً بعد الارتفاعات الضخمة التي شهدتها أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى.
ويرى محللون أن نتائج إنفيديا قد تحدد اتجاه شهية المخاطرة العالمية خلال الأسابيع المقبلة، لأن أي مفاجأة سلبية قد تؤدي إلى موجة بيع واسعة في أسواق التكنولوجيا والعملات الرقمية معاً.
العملات البديلة
ولم تتمكن العملات الرقمية البديلة من مجاراة أداء بيتكوين، إذ شهدت معظمها تراجعات محدودة وسط استمرار الحذر في الأسواق.
وتراجعت إيثيريوم إلى نحو 2126 دولاراً، فيما انخفضت الريبل وسولانا وكاردانو وبوليغون ودوجكوين بنسب متفاوتة، في إشارة إلى استمرار ضعف السيولة الاستثمارية في العملات البديلة مقارنة ببيتكوين.
ويعكس هذا الأداء تفضيل المستثمرين التركيز على الأصول الرقمية الأكبر والأكثر استقراراً نسبياً خلال فترات التقلب وعدم اليقين.
كما أن ارتفاع عوائد السندات والدولار الأمريكي يدفع العديد من المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على العملات الرقمية الصغيرة ذات المخاطر المرتفعة.
ويرى مراقبون أن الأسواق الرقمية تمر حالياً بمرحلة إعادة تموضع، حيث يعيد المستثمرون تقييم مستويات المخاطرة المقبولة في ظل بيئة اقتصادية ونقدية أكثر تشدداً.
النفط والتضخم
ورغم تراجع أسعار النفط بشكل طفيف خلال الساعات الماضية، فإن خام برنت بقي فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، ما أبقى المخاوف التضخمية حاضرة بقوة داخل الأسواق العالمية. ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار التوترات في الخليج وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز إلى موجة تضخم جديدة قد تدفع البنوك المركزية العالمية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
ويمثل هذا السيناريو تحدياً مباشراً للعملات الرقمية، لأن ارتفاع الفائدة يقلص السيولة المتاحة للمضاربة والاستثمار في الأصول عالية المخاطر.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي ويهدد بإبطاء النمو، وهو ما قد يؤثر سلباً على شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة والأصول الرقمية.
تبدل شهية المخاطرة
وتشهد الأسواق المالية العالمية حالياً تحولاً واضحاً في سلوك المستثمرين، إذ بدأت الأموال تتجه تدريجياً نحو الأصول الأكثر أماناً مثل السندات والدولار، بعد فترة طويلة من التركيز على الأسهم والعملات الرقمية.
لكن في المقابل، ما تزال هناك قناعة لدى شريحة واسعة من المستثمرين بأن العملات الرقمية ستبقى جزءاً أساسياً من النظام المالي العالمي على المدى الطويل، خصوصاً مع توسع استخدامات تقنية البلوك تشين وزيادة تبني المؤسسات المالية الكبرى للأصول الرقمية.
كما أن بعض المستثمرين ينظرون إلى بيتكوين باعتبارها وسيلة تحوط بديلة ضد التضخم وضعف العملات التقليدية، رغم استمرار الجدل حول طبيعتها كأصل عالي المخاطر.
مرحلة مفصلية
ويرى محللون أن الأسواق الرقمية دخلت مرحلة مفصلية تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية والنقدية والتكنولوجية بشكل غير مسبوق.
فمن جهة، تعتمد شهية المستثمرين على نتائج مفاوضات إيران ومسار الحرب في الخليج، ومن جهة أخرى ترتبط بقوة بنتائج شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة مثل إنفيديا، إضافة إلى اتجاهات الفائدة الأمريكية وعوائد السندات.
ويعتقد خبراء أن قدرة بيتكوين على التماسك فوق مستويات 77 ألف دولار رغم هذه الضغوط تمثل إشارة إيجابية نسبياً، لكنها لا تعني انتهاء التقلبات الحادة.
وفي حال تراجعت عوائد السندات أو ظهرت إشارات على اقتراب خفض الفائدة الأمريكية، فقد تعود موجات الصعود القوية إلى العملات الرقمية بسرعة كبيرة.
أما إذا استمرت الضغوط التضخمية وواصلت العوائد ارتفاعها، فقد تدخل الأسواق الرقمية مرحلة أكثر صعوبة خلال النصف الثاني من العام.
وفي جميع الأحوال، تبدو العملات المشفرة اليوم أكثر ارتباطاً من أي وقت مضى بالسياسات النقدية العالمية والتوترات الجيوسياسية، بعدما تحولت من سوق هامشية إلى جزء مؤثر من النظام المالي العالمي.