بيتكوين تفقد الزخم رغم استعادة حاجز 60 ألفاً
منذ انطلاقتها قبل أكثر من عقد ونصف، اعتادت بيتكوين أن تفاجئ المستثمرين بقدرتها على تجاوز الأزمات والعودة إلى الصعود بعد فترات من الهبوط الحاد. إلا أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة إلى حد ما، فبالرغم من تمكن العملة الرقمية الأكبر عالمياً من استعادة مستوى 60 ألف دولار، فإن الضغوط البيعية لا تزال حاضرة بقوة، كما أن الأسواق لا تظهر حتى الآن اقتناعاً كاملاً بأن موجة الصعود الجديدة أصبحت مؤكدة ومستدامة.
ويعكس الأداء الحالي لبيتكوين حالة معقدة من التوازن بين عوامل داعمة وأخرى ضاغطة. فمن جهة، لا تزال العملة تحظى باهتمام مؤسساتي واسع، كما أن صناديق الاستثمار المرتبطة بها تواصل جذب تدفقات مالية مهمة. ومن جهة أخرى، تواجه العملة تحديات متعددة تتمثل في تشدد السياسة النقدية الأميركية، وارتفاع الدولار، وتضخم مراكز المشتقات المالية، وتغير سلوك المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تنامي دور استراتيجيات المراجحة التي تنفذها المؤسسات المالية الكبرى.
وفي الوقت الذي كان كثير من المتعاملين يتوقعون أن يشكل تجاوز مستوى 60 ألف دولار نقطة انطلاق جديدة نحو مستويات قياسية أعلى، جاءت حركة السوق أكثر حذراً، ما أثار تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية التي تمنع بيتكوين من تحقيق زخم صعودي قوي رغم استمرار الطلب المؤسسي وعودة بعض المؤشرات الإيجابية إلى السوق.
قوة الدولار تعيد ترتيب الأولويات
من بين أبرز العوامل التي تضغط على بيتكوين في المرحلة الراهنة، تأتي قوة الدولار الأميركي في مقدمة المشهد. فخلال الأشهر الأخيرة، شهدت العملة الأميركية موجة ارتفاع مدعومة بمواقف أكثر تشدداً من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية في مختلف فئات الأصول.
وعادة ما تستفيد الأصول المقومة بالدولار من ارتفاع العملة الأميركية، بينما تتعرض الأصول ذات المخاطر المرتفعة لضغوط متزايدة. وضمن هذه الفئة تأتي العملات المشفرة، التي يعتمد جزء كبير من جاذبيتها الاستثمارية على توفر السيولة العالمية وانخفاض تكلفة التمويل.
وعندما يرسل الاحتياطي الفيدرالي إشارات إلى إمكانية الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فإن ذلك يرفع العائد الحقيقي على الأصول التقليدية، ويجعل السندات الأميركية أكثر جاذبية مقارنة بالاستثمارات عالية المخاطر مثل العملات الرقمية.
كما أن ارتفاع الدولار يؤدي عملياً إلى تقليص القوة الشرائية للمستثمرين خارج الولايات المتحدة عند شراء الأصول المقومة بالدولار، ما ينعكس سلباً على حجم التدفقات الجديدة نحو بيتكوين.
وخلال السنوات الماضية، ارتبطت أكبر موجات صعود العملات المشفرة بفترات التيسير النقدي وتراجع الدولار، بينما كانت فترات التشدد النقدي غالباً مصحوبة بارتفاع معدلات التقلب والضغوط البيعية.
ولذلك ينظر المستثمرون حالياً إلى تحركات الدولار باعتبارها أحد أهم المؤشرات التي ستحدد اتجاه بيتكوين خلال النصف الثاني من العام، خصوصاً إذا استمرت الرسائل المتشددة الصادرة عن صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
المشتقات المالية تتحول إلى لاعب رئيسي
إذا كان الدولار يمثل عاملاً خارجياً ضاغطاً، فإن سوق المشتقات المالية تمثل في المقابل عاملاً داخلياً لا يقل تأثيراً على حركة بيتكوين.
فمع اقتراب نهاية يونيو، تتجه أنظار المستثمرين نحو استحقاق واحد من أكبر عقود الخيارات في تاريخ سوق العملات الرقمية، حيث تقترب قيمة العقود المفتوحة المستحقة من 26 مليار دولار.
وتكتسب هذه الاستحقاقات أهمية استثنائية لأنها لا تعكس فقط توقعات المستثمرين، بل تؤثر بصورة مباشرة على حركة الأسعار نفسها. فكلما اقترب موعد انتهاء العقود، زادت عمليات التحوط وإعادة الموازنة التي تقوم بها المؤسسات وصناع السوق.
وفي حال كانت نسبة كبيرة من العقود تحمل رهانات هبوطية أو مراكز بيع، فإن ذلك قد يخلق ضغوطاً إضافية على الأسعار، خصوصاً إذا لم تظهر تدفقات شرائية كافية لمعادلة هذه المراكز.
كما أن قرب انتهاء العقود يدفع العديد من المستثمرين إلى إغلاق أو تعديل مراكزهم، وهو ما يؤدي غالباً إلى ارتفاع مستويات التقلب في السوق.
وتاريخياً، شهدت بيتكوين عدة فترات تراجعت فيها الأسعار بشكل ملحوظ قبيل استحقاقات كبيرة لعقود الخيارات، قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها لاحقاً بعد انتهاء تلك الاستحقاقات.
ولذلك يتعامل كثير من المتداولين مع نهاية يونيو باعتبارها محطة مفصلية قد تحدد الاتجاه قصير ومتوسط الأجل للعملة الرقمية الأكبر في العالم.
تراجع العلاقة مع أسهم التكنولوجيا
أحد التطورات اللافتة خلال الأشهر الأخيرة يتمثل في تغير العلاقة التي ربطت بيتكوين لفترة طويلة بأسهم التكنولوجيا الأميركية.
فعقب الطفرة الكبيرة التي شهدها قطاع الذكاء الاصطناعي، اعتبر كثير من المستثمرين أن بيتكوين تمثل وسيلة غير مباشرة للاستفادة من التحولات التقنية الكبرى، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع درجة الترابط بين العملة المشفرة وأسهم التكنولوجيا.
إلا أن هذا الارتباط بدأ يتراجع تدريجياً مع تحول المستثمرين نحو الاستثمار المباشر في شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
وأصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى توفر فرص نمو واضحة ومحددة مدعومة بإيرادات وأرباح فعلية، بينما لا تزال العملات المشفرة تعتمد بدرجة أكبر على معنويات السوق والتوقعات المستقبلية.
كما أن الأداء القوي لبعض أسهم الذكاء الاصطناعي دفع جزءاً من رؤوس الأموال إلى مغادرة سوق العملات الرقمية والتوجه مباشرة إلى الأسهم التي تحقق استفادة مباشرة من الثورة التقنية الحالية.
وهذا التحول لا يعني فقدان بيتكوين لأهميتها الاستثمارية، لكنه يشير إلى وجود منافسة متزايدة على السيولة المتاحة لدى المستثمرين.
ففي السابق كانت بيتكوين تستفيد من كل موجة تفاؤل مرتبطة بالتكنولوجيا، أما اليوم فإن جزءاً كبيراً من هذه التدفقات يتجه مباشرة إلى الشركات العاملة في القطاع بدلاً من المرور عبر العملات المشفرة.
استراتيجية «ستراتيجي» تحت المجهر
تشكل شركة ستراتيجي إحدى أبرز الظواهر الاستثمارية المرتبطة ببيتكوين خلال السنوات الأخيرة.
فالشركة أصبحت أكبر مالك مؤسسي للعملة المشفرة، واعتمدت استراتيجية تقوم على جمع التمويل من خلال السندات والأدوات المالية المختلفة بهدف شراء المزيد من بيتكوين.
ويرى مؤيدو هذه الاستراتيجية أنها تمثل نموذجاً مبتكراً للاستفادة من النمو طويل الأجل للعملة الرقمية، كما أنها توفر للمستثمرين قناة غير مباشرة للتعرض لبيتكوين.
في المقابل، يعتقد منتقدون أن نجاح النموذج يعتمد بشكل كبير على استمرار ارتفاع العملة بوتيرة كافية لتبرير عمليات التمويل المتواصلة.
ويحذر البعض من أن أي تباطؤ طويل الأمد في صعود بيتكوين قد يثير تساؤلات حول كفاءة النموذج واستدامته.
لكن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك، إذ تشير تقديرات عديدة إلى أن جزءاً من المستثمرين الذين يشترون أدوات الشركة المالية يقومون في الوقت نفسه ببناء مراكز بيع على السهم أو على بيتكوين نفسها.
وتعرف هذه العمليات باستراتيجيات المراجحة التي تستهدف الاستفادة من فروقات التسعير بدلاً من الرهان المباشر على اتجاه السوق.
والنتيجة هي ظهور طلب إضافي على بيتكوين يقابله في الوقت نفسه ضغط بيعي مستمر، وهو ما يفسر جزئياً سبب محدودية المكاسب رغم استمرار المشتريات المؤسسية.