بيتكوين تفقد 10% منذ بداية العام
تراجعت العملات المشفرة خلال تعاملات الثلاثاء مع انحسار شهية المستثمرين للمخاطرة، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وصعود أسعار النفط مقتربة من مستوى 100 دولار للبرميل، ما أعاد مخاوف التضخم وتشديد السياسة النقدية إلى صدارة حسابات الأسواق العالمية.
ورغم الضغوط التي تعرضت لها سوق الأصول الرقمية، حافظت «بيتكوين» على تداولها فوق مستوى 78 ألف دولار، لكنها لا تزال منخفضة بأكثر من 10 % منذ بداية العام، في وقت أصبح فيه مسار العملة المشفرة الأكبر عالمياً أكثر ارتباطاً بتوقعات أسعار الفائدة والسيولة العالمية وتحركات أسواق السندات.
نفط مرتفع
تأتي الضغوط على العملات المشفرة في وقت واصلت أسعار النفط ارتفاعها، مع اقتراب خام «برنت» من حاجز 100 دولار للبرميل، مدفوعاً بالمخاوف من استمرار الصراع في الشرق الأوسط وتأثيره المحتمل في إمدادات الطاقة العالمية.
ويثير ارتفاع الخام قلق المستثمرين لأنه قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يمنح البنوك المركزية مبرراً إضافياً لرفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وتعد العملات المشفرة من الأصول الحساسة لتحولات السياسة النقدية، إذ استفادت تاريخياً من وفرة السيولة وانخفاض تكلفة التمويل، بينما تميل إلى مواجهة ضغوط عندما ترتفع الفائدة وتصبح السندات والأدوات المالية التقليدية أكثر جاذبية للمستثمرين.
ويعني استمرار «برنت» بالقرب من 100 دولار أن أسواق العملات الرقمية تواجه مخاطر لا ترتبط فقط بالتوترات الجيوسياسية المباشرة، وإنما بالآثار الاقتصادية للحرب عبر الطاقة والتضخم والفائدة.
كما تؤدي زيادة عدم اليقين الجيوسياسي عادة إلى تقليص شهية المخاطرة، وهو ما يدفع بعض المستثمرين إلى تخفيف انكشافهم على الأصول الأكثر تقلباً، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
وفي الوقت نفسه، تشكل عوائد سندات الخزانة الأمريكية المرتفعة منافساً إضافياً للأصول الرقمية، إذ توفر للمستثمرين عوائد مرتفعة نسبياً من أدوات أقل مخاطرة، ما يزيد حساسية «بيتكوين» وأخواتها لأي تحرك جديد في توقعات السياسة النقدية.
اختبار التضخم
تترقب الأسواق بيانات التضخم الأمريكية المنتظر صدورها هذا الأسبوع، وعلى رأسها مؤشر أسعار المستهلكين الجمعة، باعتبارها محطة رئيسية قبل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في سبتمبر.
وأدت قوة البيانات الاقتصادية الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع النفط، إلى تعزيز رهانات المستثمرين على احتمال رفع الفائدة الأمريكية، بعدما أصبحت الأسواق تسعر احتمالاً يقارب 60 % لاتخاذ الاحتياطي الفيدرالي خطوة تشديد جديدة خلال الشهر الجاري.
وستكون أرقام التضخم حاسمة بالنسبة إلى العملات المشفرة، إذ إن قراءة أعلى من التوقعات قد تدعم احتمالات زيادة الفائدة وتضغط على الأصول عالية المخاطر، بينما يمكن لأرقام أكثر اعتدالاً أن تخفف مخاوف المستثمرين وتعيد بعض الزخم إلى السوق.
ولا تقتصر موجة التشديد المحتملة على الولايات المتحدة، إذ تسعر الأسواق بدرجات مرتفعة تحركات من بنوك مركزية كبرى أخرى، وفي مقدمتها البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، ما يزيد احتمالات دخول الأسواق العالمية مرحلة من السيولة الأكثر تشدداً.
ويكتسب موقف بنك اليابان أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباط أسعار الفائدة اليابانية بصفقات الاقتراض منخفض التكلفة المعروفة باسم «الكاري تريد»، والتي وفرت على مدى سنوات سيولة للمستثمرين لشراء أصول ذات عوائد ومخاطر أعلى.
وأي تشديد متزامن من عدة بنوك مركزية يمكن أن يزيد الضغوط على السيولة العالمية، وهو سيناريو لا يصب عادة في مصلحة العملات المشفرة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على شهية المستثمرين للمخاطرة وتوافر الأموال الرخيصة.
رغم موجة التراجع، تمكنت «بيتكوين» من الاحتفاظ بمستوى يتجاوز 78 ألف دولار، بعدما تراجعت من مستويات أعلى سجلتها خلال الفترة الأخيرة، ما يشير إلى وجود طلب يمنع حتى الآن حدوث هبوط أكثر حدة.
لكن بقاء العملة منخفضة بأكثر من 10 % منذ بداية العام يعكس صعوبة البيئة الاستثمارية التي تواجهها الأصول الرقمية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
ولا تتحرك «بيتكوين» بمعزل عن بقية الأسواق، إذ أصبح المستثمرون يتعاملون معها بصورة متزايدة باعتبارها جزءاً من منظومة الأصول عالية المخاطر التي تتأثر بالسيولة وأسعار الفائدة وتوقعات النمو والتضخم. ويعني ذلك أن أي ارتفاع جديد في النفط أو عوائد السندات قد يزيد الضغوط عليها، في حين أن انحسار التوترات أو صدور بيانات تضخم ضعيفة قد يوفران دعماً يسمح بعودة الطلب إلى سوق العملات المشفرة.
وسيظل مستوى 78 ألف دولار محل متابعة خلال الجلسات المقبلة، خصوصاً بعدما تراجعت «بيتكوين» مجدداً من حاجز 80 ألف دولار، فيما يترقب المستثمرون ما إذا كانت بيانات التضخم ستدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو زيادة الفائدة أم الإبقاء عليها دون تغيير.
الفائدة تحدد مصير العملات
تدخل العملات المشفرة مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية في تحديد مسارها خلال الأسابيع المقبلة: أسعار النفط، والتضخم الأمريكي، وقرارات البنوك المركزية. واستمرار «برنت» بالقرب من 100 دولار سيبقي خطر التضخم مرتفعاً، ما قد يعزز مبررات التشديد النقدي ويحد من شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر.
وفي المقابل، فإن تراجع الضغوط التضخمية أو انخفاض أسعار الطاقة قد يخفف الرهانات على رفع الفائدة ويفتح المجال أمام تحسن السيولة وعودة المستثمرين إلى العملات المشفرة.