بيتكوين تقفز 20 % بدعم سيولة الأسواق
شهدت بيتكوين موجة صعود قوية دفعتها من مستويات قاربت 62 ألف دولار إلى نحو 81 ألفاً، قبل أن تتراجع وتستقر بالقرب من 78 ألف دولار، في تحرك لم تكن محركاته الأساسية نابعة من داخل سوق العملات المشفرة، بقدر ما ارتبطت بتطورات السياسة النقدية الأمريكية والتحركات التنظيمية المرتقبة في واشنطن.
ويرى المدير التنفيذي لشركة رفاه لإدارة الأصول محمد حسن أن الصعود الأخير، الذي بلغ نحو 20 % خلال فترة وجيزة، يعكس تحولاً في شهية المستثمرين تجاه الأصول محدودة المعروض، بالتزامن مع توقعات زيادة السيولة واحتمالات تراجع القوة الشرائية للدولار، فضلاً عن مؤشرات على توسع البيئة التنظيمية الداعمة للعملات المشفرة في الولايات المتحدة.
سيولة الأسواق
برزت تحركات وزارة الخزانة الأمريكية باعتبارها أحد المحركات المهمة لصعود بيتكوين، بعدما أعلن الوزير سكوت بيسنت زيادة حجم عمليات إعادة شراء الدين الحكومي، وهي خطوة قرأها المستثمرون باعتبارها عاملاً يمكن أن يعزز السيولة المتاحة في الأسواق.
ومع ارتفاع السيولة، تزداد عادة جاذبية الأصول التي لا يمكن زيادة معروضها بسهولة. وتأتي بيتكوين في مقدمة هذه الأصول بسبب سقف المعروض المحدد عند 21 مليون وحدة، وهي الخاصية التي تدفع مؤيديها إلى مقارنتها بالذهب باعتبارها مخزناً محتملاً للقيمة في مواجهة تراجع القوة الشرائية للعملات التقليدية.
ويفسر ذلك التحرك المتزامن نسبياً بين الذهب وبيتكوين، إذ يستفيد الأصلان من المخاوف المرتبطة بضعف الدولار وزيادة السيولة، رغم الاختلاف الكبير في طبيعة كل منهما ومستوى المخاطر والتقلبات المرتبطة به.
غير أن هذه المعادلة قد تنقلب سريعاً إذا اتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية. فقد أعادت تصريحات رئيسه كيفن وارش في جاكسون هول احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال سبتمبر إلى الواجهة، بعدما أشار إلى استمرار الضغوط التضخمية وعدم استبعاد زيادة الفائدة.
مخاطر الفائدة
تجاوزت احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية في سبتمبر مستوى 50 % عقب تصريحات وارش، وهو تطور يمثل ضغطاً مباشراً على الذهب وبيتكوين، باعتبارهما من الأصول التي لا تمنح المستثمر عائداً دورياً مثل الفائدة التي تقدمها السندات أو الودائع.
فكلما ارتفعت أسعار الفائدة، ازدادت جاذبية الاحتفاظ بالدولار وأدوات الدخل الثابت، بينما ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب والعملات المشفرة. ولهذا انعكس تحول توقعات الفائدة سريعاً على بيتكوين، التي تراجعت من ذروتها الأخيرة قرب 81 ألف دولار إلى نحو 78 ألفاً.
ويجعل ذلك مسار العملة خلال الفترة المقبلة شديد الارتباط بالبيانات الاقتصادية الأمريكية، خصوصاً التضخم وسوق العمل. فأي مؤشرات تؤكد استمرار ارتفاع الأسعار قد تدعم توقعات تشديد السياسة النقدية، بينما قد يؤدي انحسار التضخم إلى إعادة الرهانات على زيادة السيولة وانخفاض الفائدة مستقبلاً.
وبذلك، أصبحت بيتكوين أكثر ارتباطاً بالمتغيرات الاقتصادية الكلية مع توسع مشاركة المؤسسات المالية فيها، فلم تعد تحركاتها تعتمد حصراً على الأخبار المتعلقة بتكنولوجيا «البلوك تشين» أو نشاط المستثمرين الأفراد.
دعم مؤسسي
أما المحرك الآخر للصعود فيرتبط بالتوجه الأمريكي نحو توفير إطار تنظيمي أكثر وضوحاً للعملات المشفرة. وأشار حسن إلى الاجتماع الذي عقده الرئيس دونالد ترامب مع عدد من كبار التنفيذيين في القطاع، وسط تحركات لدفع قانون «Clarity Act» الذي يستهدف وضع قواعد أكثر وضوحاً لسوق الأصول الرقمية.
ويمكن أن يمثل الوضوح التنظيمي نقطة تحول بالنسبة إلى المؤسسات الاستثمارية الكبيرة، التي تتردد عادة في ضخ أموال واسعة في الأسواق التي تفتقر إلى قواعد مستقرة بشأن التداول والحفظ والرقابة. ومن شأن إقرار إطار أكثر وضوحاً أن يفتح الباب أمام تدفقات إضافية من مديري الأصول والمؤسسات وربما صناديق التقاعد.
وتكتسب الأنباء المتعلقة بإمكانية تأسيس بنك متخصص في العملات المشفرة أهمية مماثلة، إذ يمكن أن يؤدي وجود مؤسسات مصرفية منظمة تتعامل مباشرة مع هذه الأصول إلى تعزيز ثقة المستثمرين وتوسيع استخدامها داخل النظام المالي التقليدي.
وتدعم صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالعملات المشفرة هذا التحول بالفعل، بعدما وفرت للمؤسسات قناة أكثر سهولة للاستثمار في القطاع دون الحاجة إلى امتلاك العملات وإدارتها بصورة مباشرة.
بيتكوين بين السيولة والفائدة والتنظيم
تكشف موجة الصعود الأخيرة أن مستقبل بيتكوين أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بثلاثة محركات رئيسية: السيولة العالمية، ومسار أسعار الفائدة، واتساع التبني المؤسسي والتنظيمي. والمفارقة أن أبرز أسباب ارتفاع العملة أخيراً جاءت من خارج سوق العملات المشفرة نفسها.
فزيادة السيولة وضعف الدولار والتشريعات الأكثر وضوحاً يمكن أن توفر دعماً إضافياً للأسعار، بينما يشكل ارتفاع الفائدة خطراً معاكساً يعيد الأموال نحو الدولار والسندات. وفي حال اتساع التبني المؤسسي وإقرار التشريعات المنتظرة، يرجح أن تكون بيتكوين والإيثيريوم في مقدمة المستفيدين، لكن مسار الأسعار سيظل حساساً بصورة كبيرة لقرارات الاحتياطي الفيدرالي واتجاه التضخم الأمريكي.