بيتكوين تهتز تحت ضغط الحرب
دخلت العملات المشفرة مرحلة جديدة من الضغوط الحادة بعدما هبطت «بتكوين» إلى أدنى مستوياتها منذ مطلع مايو، متأثرة بتصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأميركية الإيرانية، وما رافقها من موجة عزوف عالمية عن الأصول عالية المخاطر دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في أسواق العملات الرقمية بصورة واسعة.
وتراجعت «بتكوين» خلال تعاملات الاثنين إلى نحو 76551 دولاراً، قبل أن تقلص جزءاً من خسائرها وتتحرك قرب 76881 دولاراً، في وقت تعرضت فيه معظم العملات المشفرة الكبرى لضغوط بيعية متزامنة شملت «إيثر» و«سولانا» وعدداً من العملات البديلة الأخرى.
وجاء هذا التراجع في ظل حالة توتر شديدة في الأسواق العالمية، بعدما أعادت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تشكيل أولويات المستثمرين، ودفعهم نحو تقليص انكشافهم على الأصول ذات المخاطر المرتفعة، بالتزامن مع صعود أسعار النفط وارتفاع عوائد السندات الأميركية وتراجع شهية المخاطرة في الأسواق المالية العالمية.
ويرى محللون أن ما يحدث في سوق العملات المشفرة لم يعد مرتبطاً فقط بالعوامل التقنية أو التنظيمية، بل أصبح انعكاساً مباشراً للتحولات الجيوسياسية الكبرى، خاصة مع تعامل المستثمرين مع «بتكوين» باعتبارها أصلاً عالي المخاطر يتأثر بسرعة بالتوترات الاقتصادية والسياسية العالمية.
موجة تصفية
تعرضت سوق العملات المشفرة لموجة تصفية حادة خلال الساعات الأولى من التداولات الآسيوية، بعدما أدت التراجعات المفاجئة إلى إغلاق رهانات صعودية بمئات الملايين من الدولارات خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.
وأظهرت بيانات منصة «كوين غلاس» أن الأسواق شهدت تصفية مراكز تراهن على صعود العملات المشفرة بنحو 500 مليون دولار خلال 15 دقيقة فقط، فيما بلغت قيمة التصفية الإجمالية خلال 24 ساعة قرابة 590 مليون دولار.
ويعكس هذا الرقم حجم الضغوط التي تعرض لها المتداولون، خاصة أولئك الذين استخدموا الرافعة المالية في رهاناتهم على استمرار موجة الصعود التي شهدتها «بتكوين» خلال الأسابيع الماضية.
ويرى خبراء أن التصفية السريعة بهذا الحجم تؤكد هشاشة المعنويات في السوق، حيث يؤدي أي هبوط مفاجئ إلى تفعيل أوامر وقف الخسارة بشكل متسلسل، ما يفاقم من سرعة الانخفاضات ويزيد من حدة التقلبات.
كما ساهمت سيولة التداول الضعيفة نسبياً خلال الساعات الآسيوية في تضخيم الحركة السعرية، الأمر الذي أدى إلى تسارع وتيرة الهبوط بصورة أكبر من المعتاد.
تسعير المخاطر
يعتبر محللون أن الحرب الأميركية الإيرانية أصبحت عاملاً أساسياً في إعادة تسعير الأصول المالية عالمياً، بما يشمل العملات المشفرة والأسهم والسلع وحتى أسواق السندات.
وقالت المحللة في «بي تي سي ماركتس» راشيل لوكاس إن تراجع «بتكوين» يعكس بصورة مباشرة الوضع الاقتصادي الكلي، موضحة أن «الشهية للمخاطر أعيد تسعيرها بالكامل، وبتكوين تتحرك معها».
وتزامنت خسائر العملات المشفرة مع ارتفاع أسعار النفط وصعود عوائد السندات الأميركية وتراجع الأسهم الآسيوية، في مشهد يعكس انتقال المستثمرين نحو الأصول الدفاعية والابتعاد عن الاستثمارات الأكثر تقلباً.
كما ساهم استمرار التوتر في مضيق هرمز وغياب أي تقدم سياسي ملموس في زيادة القلق داخل الأسواق العالمية، خاصة مع تحذيرات من احتمال اتساع الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.
ويرى اقتصاديون أن المستثمرين باتوا يتعاملون مع العملات المشفرة باعتبارها جزءاً من فئة الأصول المضاربية، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة وتشديد الأوضاع المالية العالمية.
مستويات حرجة
دخلت «بتكوين» منطقة فنية حساسة بعدما كسرت مستوى دعم رئيسياً قرب 77800 دولار، وهو ما فتح الباب أمام موجة بيع إضافية خلال الساعات اللاحقة.
وأوضحت راشيل لوكاس أن الدعم الهيكلي الرئيسي لا يزال يتمركز بين 76 ألفاً و76800 دولار، معتبرة أن استعادة مستوى 80 ألف دولار والإغلاق فوقه سيكون أول إشارة حقيقية إلى تراجع ضغوط البيع.
في المقابل، تركزت رهانات البيع بشكل كبير قرب مستوى 77500 دولار، حيث أظهرت بيانات منصة «ديربيت» شراء متداولين خيارات بيع على «بتكوين» بقيمة تقارب 38 مليون دولار لاستحقاق 18 مايو.
ويعكس هذا التركز الكبير لرهانات الهبوط استمرار النظرة السلبية في السوق على المدى القصير، مع ترقب المستثمرين لمزيد من التقلبات المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية العالمية.
ويرى محللون فنيون أن كسر مستويات الدعم الحالية قد يفتح المجال أمام هبوط أعمق، فيما قد يؤدي أي تحسن مفاجئ في المعنويات أو انفراجة سياسية إلى ارتداد قوي وسريع في الأسعار.
أوامر وقف الخسارة
قال شون مكنولتي، رئيس قسم تداول المشتقات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى «فالكون إكس»، إن الهبوط المفاجئ في «بتكوين» أدى إلى إطلاق موجة واسعة من أوامر وقف الخسارة داخل السوق.
وأوضح أن الضغوط لم تكن مرتبطة بعنوان اقتصادي مباشر بقدر ما كانت نتيجة تراكم مراكز تحوط سلبية خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع تصاعد القلق من المخاطر الجيوسياسية.
ويرى مراقبون أن الأسواق الرقمية أصبحت أكثر عرضة لتحركات عنيفة بسبب الاعتماد الواسع على التداول بالرافعة المالية، ما يجعل أي تحرك سعري حاد قادراً على إطلاق سلسلة متتابعة من عمليات البيع القسري.
كما أن تزايد استخدام المشتقات المالية والعقود المستقبلية في سوق العملات المشفرة ساهم في رفع مستوى الحساسية تجاه أي تغير مفاجئ في المعنويات أو اتجاهات السوق.
ويشير محللون إلى أن هذه التحركات قد تستمر خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا بقيت الأسواق العالمية تحت تأثير التوترات السياسية وارتفاع أسعار الطاقة والفائدة.
اختبار الثقة
يمثل التراجع الحالي اختباراً مهماً لمدى قوة الثقة في سوق العملات المشفرة، خاصة بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها «بتكوين» خلال الأشهر الماضية بدعم من تدفقات الصناديق الاستثمارية وعودة الزخم المؤسسي.
ويرى البعض أن الهبوط الحالي قد يكون مجرد تصحيح مؤقت مرتبط بالظروف الجيوسياسية، فيما يعتبر آخرون أن السوق قد يدخل مرحلة أعمق من التقلبات إذا استمرت الضغوط الاقتصادية العالمية.
كما تراقب الأسواق عن كثب أداء العملات البديلة، التي غالباً ما تتعرض لخسائر أكبر من «بتكوين» خلال فترات التراجع، ما قد يزيد من حالة الحذر بين المستثمرين الأفراد.
في المقابل، يعتقد بعض المتعاملين أن التراجعات الحالية قد توفر فرص شراء طويلة الأجل إذا استقرت الأوضاع السياسية وعادت التدفقات الاستثمارية إلى السوق.
ومع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية وارتفاع حالة عدم اليقين العالمي، تبدو العملات المشفرة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت تحركاتها مرتبطة بشكل متزايد بمسار الاقتصاد العالمي وشهية المستثمرين للمخاطرة، وليس فقط بالعوامل التقنية التقليدية التي كانت تتحكم بالسوق في السابق.