بيع ستراتيجي يهز ثقة مستثمري «البيتكوين»
أثارت شركة «ستراتيجي» (Strategy)، بقيادة رجل الأعمال مايكل سايلور، جدلاً واسعاً في أسواق العملات المشفرة بعدما باعت ما قيمته 216 مليون دولار من عملة بيتكوين خلال الأسبوع الماضي، في أول عملية بيع كبيرة منذ أن بدأت بناء احتياطياتها من العملة الرقمية في عام 2020. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تحولاً مهماً في النهج الذي اشتهرت به الشركة، والذي كان يقوم على شراء بيتكوين والاحتفاظ بها على المدى الطويل دون اللجوء إلى البيع، حتى في فترات التقلبات الحادة.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه الشركة ضغوطاً مالية متزايدة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أصولها الرقمية، بالتزامن مع تراجع سعر بيتكوين وانخفاض سهم الشركة بصورة حادة خلال الأشهر الماضية، وهو ما دفع المستثمرين إلى التساؤل بشأن مستقبل استراتيجية سايلور التي كانت تعد نموذجاً فريداً في الاستثمار بالعملات المشفرة.
تحول استراتيجي
تمثل عملية البيع الأخيرة أكبر تخارج من بيتكوين تقوم به «إستراتيجي» منذ بدء تكوين محفظتها الاستثمارية قبل ستة أعوام، وهو ما يشير إلى تحول واضح في سياسة الشركة التمويلية.
فلسنوات، اعتمدت الشركة على إصدار الأسهم والسندات وجمع التمويل من الأسواق لشراء المزيد من بيتكوين، مع التأكيد المتكرر من إدارتها أن العملة المشفرة تمثل أصلاً استراتيجياً طويل الأجل لا ينبغي بيعه.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الشركة بدأت تنظر إلى بيتكوين باعتبارها أيضاً مصدراً محتملاً للسيولة، يمكن الاستفادة منه عند الحاجة، إلى جانب أدوات التمويل التقليدية مثل أسواق الأسهم والدين.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس رغبة الإدارة في منح نفسها مرونة مالية أكبر لمواجهة التقلبات الحالية، خصوصاً بعد تراجع قيمة الأصول الرقمية بصورة كبيرة.
ضغوط مالية
تزامنت عملية البيع مع إعلان الشركة تسجيل خسائر بلغت 8.32 مليار دولار على استثماراتها في الأصول الرقمية خلال الربع المنتهي في يونيو، في واحدة من أكبر الخسائر الفصلية منذ دخولها سوق العملات المشفرة.
كما تراجع سهم «ستراتيجي» بنحو 75% خلال عام واحد، متأثراً بالهبوط الحاد في أسعار بيتكوين، الأمر الذي زاد الضغوط على الإدارة لإعادة تقييم مصادر التمويل وإدارة السيولة.
ويرى محللون أن استمرار انخفاض قيمة الأصول الرقمية يفرض تحديات كبيرة على الشركات التي تعتمد بصورة مكثفة على بيتكوين ضمن ميزانياتها، خاصة مع ارتفاع تقلبات السوق وتغير توقعات المستثمرين.
ويشير هؤلاء إلى أن البيع لا يعني بالضرورة تخلي الشركة عن استراتيجيتها الأساسية، لكنه يعكس استعدادها لاستخدام جزء من احتياطياتها عندما تستدعي الظروف ذلك.
تساؤلات المستثمرين
قال المدير التنفيذي لشركة «رفاه لإدارة الأصول» محمد حسن إن قرار «ستراتيجي» يثير العديد من علامات الاستفهام، خصوصاً أنه يتعارض مع التصريحات السابقة لمايكل سايلور، الذي أكد مراراً أن الشركة ستواصل شراء بيتكوين ولن تلجأ إلى بيعها.
وأوضح أن هذا التغير المفاجئ قد يترك أثراً نفسياً على المستثمرين الذين كانوا يعتبرون الشركة نموذجاً للالتزام طويل الأجل بالعملة الرقمية.
وأضاف أن الأمر الأكثر إثارة للتساؤل يتمثل في أن متوسط تكلفة شراء بيتكوين لدى الشركة يبلغ نحو 75 ألف دولار، بينما تمت عمليات البيع عند مستويات تراوحت بين 58 و60 ألف دولار، وهو ما يعني البيع بأقل من متوسط تكلفة الشراء.
ويرى حسن أن هذه الخطوة قد تعكس إعادة تقييم للمخاطر أو محاولة لتعزيز السيولة، لكنها في الوقت نفسه قد تثير مخاوف المستثمرين بشأن مدى ثقة الشركة في تعافي الأسعار خلال المدى القريب.
أثر السوق
تحظى «ستراتيجي» بمكانة استثنائية داخل سوق العملات المشفرة، إذ ينظر إليها كثير من المستثمرين باعتبارها إحدى أكثر الشركات ارتباطاً ببيتكوين، لذلك فإن أي تغيير في استراتيجيتها ينعكس سريعاً على معنويات السوق.
ويشير محللون إلى أن قرار البيع قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في توقعاتهم، خصوصاً إذا تبعته عمليات بيع إضافية من مؤسسات أخرى تمتلك كميات كبيرة من العملات الرقمية.
في المقابل، يؤكد حسن أن الشركة لا تزال تتمتع بسيولة نقدية جيدة تمكنها من الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك توزيعات الأرباح، وهو ما يشير إلى أن مركزها المالي لا يزال مستقراً رغم الخسائر الأخيرة.
تحسن المعنويات
وعلى صعيد أداء بيتكوين، أوضح حسن أن العملة المشفرة بدأت شهر يوليو بارتداد ملحوظ، بعدما ارتفعت من مستويات تقارب 58 ألف دولار إلى نحو 64 ألف دولار.
وجاء هذا التعافي بعد الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها السوق خلال يونيو نتيجة اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى عمليات بيع نفذتها مؤسسات استثمارية وخروج تدفقات من صناديق بيتكوين المتداولة في البورصة.
كما ساهمت بيانات التضخم الأميركية التي جاءت أفضل من المتوقع، إلى جانب ضعف سوق العمل، في تعزيز الرهانات على أن السياسة النقدية الأميركية قد تكون أقل تشدداً خلال الفترة المقبلة.
وتلقت الأسواق دعماً إضافياً من تصريحات محافظ الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، التي فسرتها الأسواق على أنها تميل إلى قدر أكبر من المرونة بشأن أسعار الفائدة، وهو ما انعكس على تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
عودة التدفقات
أسهم تحسن المعنويات في عودة التدفقات إلى صناديق بيتكوين المتداولة، إذ سجلت هذه الصناديق تدفقات إيجابية بلغت نحو 221 مليون دولار، بقيادة صناديق تابعة لشركتي ARK وFidelity.
ويرى محللون أن عودة التدفقات المؤسسية تمثل إشارة إيجابية للأسواق، إذ تعكس استمرار اهتمام المستثمرين الكبار بالعملة المشفرة رغم التقلبات الأخيرة.
لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن هذه التدفقات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأموال التي خرجت من السوق خلال الأشهر الماضية، وهو ما يجعل من السابق لأوانه الحديث عن عودة قوية ومستدامة للاتجاه الصاعد.
تقلبات مستمرة
ورغم التحسن الأخير، يؤكد حسن أن الارتفاع الحالي يبدو أقرب إلى ارتداد فني منه إلى بداية موجة صعود جديدة تستند إلى عوامل أساسية قوية.
وأوضح أن مؤشر الخوف والطمع لا يزال يتحرك داخل منطقة «الخوف الشديد»، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر بين المستثمرين، وترددهم في زيادة انكشافهم على الأصول الرقمية.
وأضاف أن الأسواق ما زالت تواجه مجموعة من التحديات، تشمل استمرار الضبابية بشأن السياسة النقدية الأميركية، إضافة إلى حساسية العملات المشفرة تجاه أي تغير في شهية المخاطرة العالمية.
تراجع مستويات التفاؤل مقارنة بالتقديرات السابقة
وفي ظل هذه التطورات، بدأت بعض المؤسسات المالية العالمية مراجعة توقعاتها لأسعار بيتكوين.
وأشار حسن إلى أن «سيتي بنك» خفض توقعاته لسعر العملة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة من 112 ألف دولار إلى 82 ألف دولار، في خطوة تعكس تراجع مستويات التفاؤل مقارنة بالتقديرات السابقة.
ويرى محللون أن السوق ستظل خلال الفترة المقبلة رهينة مسارين رئيسيين؛ الأول يتعلق بتوجهات الاحتياطي الفيدرالي وأسعار الفائدة، والثاني يرتبط بقدرة المستثمرين المؤسسيين على مواصلة ضخ السيولة في صناديق بيتكوين.
ورغم الضغوط الحالية، لا تزال شريحة واسعة من المستثمرين تراهن على استمرار النمو طويل الأجل للعملات المشفرة، مدعومة بتوسع الاعتماد المؤسسي عليها وتزايد الاهتمام العالمي بالأصول الرقمية، إلا أن الطريق نحو مستويات قياسية جديدة يبدو مرهوناً باستقرار الأوضاع الاقتصادية وتحسن ثقة المستثمرين خلال الأشهر المقبلة.