تباين العملات الرقمية مع تصاعد رهانات تشديد الفيدرالي
تباين أداء العملات المشفرة خلال تعاملات أمس الخميس، في ظل استمرار حالة الحذر بين المستثمرين بشأن المسار الذي قد يتخذه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المتبقية من العام، وسط تنامي الرهانات على إمكانية العودة إلى تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وجاء تحرك سوق الأصول الرقمية في وقت تترقب فيه الأسواق مزيداً من الإشارات بشأن توجهات البنك المركزي الأميركي، بعدما كشف محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي عن انقسام واضح بين صانعي السياسة النقدية حول مدى الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً.
ويعكس هذا الانقسام استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل التضخم، خصوصاً في ظل المخاوف من أن تؤدي صدمات أسعار الطاقة إلى إعادة إشعال الضغوط السعرية، في وقت يرى فيه تيار أكثر تشدداً داخل المجلس أن ارتفاع التضخم المرتبط بقوة الطلب قد يتطلب موقفاً نقدياً أكثر صرامة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى أسواق العملات المشفرة، التي تتأثر بصورة كبيرة بتغيرات السيولة العالمية وتوقعات أسعار الفائدة. فعندما تتجه البنوك المركزية إلى خفض الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات منخفضة، تتحسن عادة شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر المرتفعة، ومن بينها العملات المشفرة، نتيجة انخفاض تكلفة التمويل وتراجع جاذبية الأدوات النقدية وأدوات الدخل الثابت.
في المقابل، فإن ارتفاع أسعار الفائدة أو بقاءها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول يمكن أن يزيد الضغوط على الأصول الرقمية، مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر والعوائد، وتقليص انكشافهم على الأصول الأكثر تقلباً لصالح أدوات توفر عوائد أكثر وضوحاً، مثل السندات وأذون الخزانة. وتشير تسعيرات الأسواق إلى ارتفاع احتمالات تشديد السياسة النقدية مجدداً في وقت لاحق من العام، إذ تسعّر الأسواق احتمالاً يبلغ نحو 18 % لرفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من أكتوبر، مقابل نحو 80 % لرفعها في ديسمبر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية. وتعكس هذه التسعيرات تحولاً في توقعات المستثمرين مقارنة بالفترة التي كانت فيها الأسواق تراهن بدرجة أكبر على استمرار مسار التيسير النقدي. كما تؤكد أن بيانات التضخم والوظائف وأسعار الطاقة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الرهانات على قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
البيتكوين تحت اختبار مستويات الدعم
وفي سوق العملات المشفرة، واصلت البيتكوين تحركها تحت ضغط تقلبات شهية المخاطرة، لكنها حافظت على التداول فوق مستوى 83 ألف دولار، رغم تعرضها لخسائر منذ بداية العام.
وتعد البيتكوين أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، ولذلك ينظر إليها المستثمرون باعتبارها مؤشراً رئيسياً على اتجاه السوق الرقمية ككل. ويعني استمرارها فوق المستويات الحالية أن السوق لا يزال يحتفظ بجزء من قدرته على مقاومة الضغوط، إلا أن استمرار ارتفاع عوائد الأصول التقليدية قد يحد من تدفقات السيولة نحو العملات المشفرة.
وتراجعت البيتكوين بأكثر من 5 % منذ بداية العام، وهو أداء يعكس حجم الضغوط التي واجهها القطاع خلال 2026، في ظل تقلبات السيولة العالمية، وتغير توقعات الفائدة، وتبدل شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
كما أن تحركات البيتكوين خلال الفترة المقبلة لن تعتمد فقط على التطورات الخاصة بسوق العملات المشفرة، بل ستتأثر بصورة أكبر بالاتجاهات الكلية، وفي مقدمتها السياسة النقدية الأميركية، وأداء الدولار، وعوائد سندات الخزانة، ومستويات السيولة في الأسواق العالمية.
تباين العملات المشفرة
ولم يكن أداء العملات الرقمية موحداً، إذ تباينت تحركاتها مع اختلاف درجة المخاطرة والسيولة بين العملات. وعادة ما تكون العملات الأكبر والأكثر سيولة أكثر قدرة على جذب المستثمرين خلال فترات التذبذب، بينما تواجه العملات البديلة ضغوطاً أكبر عندما تتراجع شهية المخاطرة.
ويعني ذلك أن اتجاه البيتكوين قد يظل عاملاً محورياً في تحديد أداء بقية السوق، إذ غالباً ما يؤدي انخفاضها الحاد إلى انتقال الضغوط إلى العملات الأخرى، في حين يمكن لاستقرارها أن يتيح عودة تدريجية للسيولة إلى أجزاء أكثر مخاطرة من السوق.
الأسواق تترقب البيانات المقبلة
وتتجــه أنظـار المستثمرين خـلال الفترة المقبلة إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الأميركية التي يمكن أن تعيد تشكيل توقعات الفائدة، وعلى رأسها بيانات التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي وأسعار الطاقة.
وفي حال أظهرت البيانات استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تزداد رهانات رفع الفائدة، ما قد يبقي العملات المشفرة تحت الضغط. أما إذا بدأت الضغوط السعرية في التراجع بالتزامن مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، فقد تتراجع احتمالات التشديد وتتحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول الرقمية.