تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحولات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬وإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬السياسة‭ ‬المالية

ِِRR.31

في‭ ‬خضم‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬الصين،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬والسلطات‭ ‬المحلية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬توزيع‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النموذج‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬برمته‭.‬

الدور‭ ‬المتصاعد‭ ‬للحكومة‭ ‬المركزية

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬المركزي‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬دورًا‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسلطات‭ ‬المالية‭ ‬وحجم‭ ‬الإنفاق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسؤوليته‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬تصبح‭ ‬نموذجًا‭ ‬قياديًا‭ ‬عند‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬وظائف‭ ‬الدولة،‭ ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬الأراضي‭ ‬كمصدر‭ ‬رئيسي‭ ‬للإيرادات‭.‬
ومن‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬سوق‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭ ‬للقوى‭ ‬العاملة‭ ‬وتعزيز‭ ‬مرونتها‭ ‬وانتقالها،‭ ‬يمكن‭ ‬تقليص‭ ‬التشوهات‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬الانقسامات‭ ‬الإقليمية‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬تسجيل‭ ‬الأحوال‭ ‬المدنية‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تجزئة‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالنظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬ذاته‭ ‬خلق‭ ‬عوائق‭ ‬أمام‭ ‬إصلاح‭ ‬نظام‭ ‬تسجيل‭ ‬الأحوال‭ ‬المدنية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إلغاؤه‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬التزامات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الكافية‭ ‬لتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬خدماتها‭.‬
لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬توجيه‭ ‬الإنفاق‭ ‬المركزي‭ ‬نحو‭ ‬توفير‭ ‬خدمات‭ ‬عامة‭ ‬موحدة‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الانقسام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ويدعم‭ ‬مسار‭ ‬إصلاح‭ ‬نظام‭ ‬تسجيل‭ ‬الأحوال‭ ‬المدنية،‭ ‬ويشكل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لبناء‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة‭.‬
وعليه،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬المضي‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬اكتمال‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭. ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬‮«‬القرار‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬تسريع‭ ‬إصلاح‭ ‬نظام‭ ‬تسجيل‭ ‬الأحوال‭ ‬المدنية،‭ ‬وتخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬استيطان‭ ‬المدن‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬معايير‭ ‬منظمة‭ ‬للمدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬وضبط‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬فيها‭ ‬بشكل‭ ‬حازم‭.‬

سوق‭ ‬العمل‭ ‬بين‭ ‬الانقسام‭ ‬والوحدة

أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الإيرادات‭ ‬النقدية،‭ ‬فتوجد‭ ‬بعض‭ ‬الفروقات‭ ‬بين‭ ‬نماذج‭ ‬اللامركزية‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬النقدية‭ ‬العامة،‭ ‬حيث‭ ‬يعتمد‭ ‬بعضها‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الفروقات‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬طبيعتها،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬تباينات‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الإيرادات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭.‬
وإذا‭ ‬كان‭ ‬إصلاح‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فإن‭ ‬نظام‭ ‬الأراضي‭ ‬يظل‭ ‬الحلقة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬نظرًا‭ ‬لارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بتمويل‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬واستدامة‭ ‬مواردها‭.‬
نظام‭ ‬الأراضي‮…‬‭ ‬العقدة‭ ‬
الأعمق‭ ‬في‭ ‬الإصلاح

إلى‭ ‬جانب‭ ‬أهمية‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬والإنفاق‭ ‬بصورة‭ ‬متوازنة‭ ‬لدعم‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬المالي،‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالأراضي،‭ ‬خاصة‭ ‬ذلك‭ ‬النموذج‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬العقارات‭ ‬المعروف‭ ‬بنظام‭ ‬‮«‬الأراضي‭ ‬2‭.‬0‮»‬‭.‬
فالإصلاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جزئيًا،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭ ‬تبدأ‭ ‬بمنح‭ ‬الأراضي‭ ‬الريفية‭ ‬صلاحيات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الممنوحة‭ ‬لأراضي‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستغلال‭ ‬والتصرف‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يدعو‭ ‬التوجه‭ ‬الإصلاحي‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬سوق‭ ‬موحدة‭ ‬لتداول‭ ‬الأراضي،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للمناطق‭ ‬الريفية‭ ‬ببيع‭ ‬أراضيها‭ ‬أو‭ ‬تأجيرها‭ ‬أو‭ ‬إدخالها‭ ‬كشراكات‭ ‬استثمارية،‭ ‬مع‭ ‬إخضاعها‭ ‬لنفس‭ ‬قواعد‭ ‬التسعير‭ ‬والصلاحيات‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬الدولة‭. ‬كما‭ ‬يشمل‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬للرهن‭ ‬والضمان‭ ‬والتصرف‭ ‬في‭ ‬المساكن‭ ‬الريفية‭ ‬بشكل‭ ‬منظم،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬إدماج‭ ‬الأراضي‭ ‬الريفية‭ ‬ضمن‭ ‬السوق‭ ‬العامة‭.‬
ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬أن‭ ‬تقلص‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاستيلاء‭ ‬الإداري‭ ‬على‭ ‬الأراضي،‭ ‬وتؤسس‭ ‬لنظام‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬العوائد‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمتها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬أو‭ ‬للأفراد‭ ‬والجماعات‭.‬
وفي‭ ‬امتداد‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬يركز‭ ‬التوجه‭ ‬الإصلاحي‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬آليات‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬نموذج‭ ‬تحضر‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬العقاري‭ ‬كمحرك‭ ‬رئيسي‭ ‬للنمو‭.‬

إيرادات‭ ‬غير‭ ‬مستدامة‭ ‬وحاجة
‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬جديد

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬إصلاح‭ ‬نظام‭ ‬الأراضي،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬آلية‭ ‬إدارة‭ ‬العوائد‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬بيع‭ ‬الأراضي‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬تحصيل‭ ‬هذه‭ ‬العوائد‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬الاختـلال‭ ‬بين‭ ‬الإيرادات‭ ‬والإنفاق،‭ ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬إلـى‭ ‬التوسع‭ ‬المفرط‭ ‬فـي‭ ‬الاستيـلاء‭ ‬علـى‭ ‬الأراضي‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬التوجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تسريع‭ ‬سنّ‭ ‬قوانين‭ ‬للضرائب‭ ‬العقارية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محدود‭ ‬الأثر‭ ‬ولا‭ ‬يواكب‭ ‬متطلبات‭ ‬المرحلة‭. ‬لذلك،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحصيل‭ ‬عوائد‭ ‬الأراضي‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬سنوي،‭ ‬وفقًا‭ ‬لمستوى‭ ‬استغلالها،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بعائد‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬السياسات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬للحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬كما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬تمويل‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬مثل‭ ‬السندات‭ ‬البلدية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬المحلي،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬تمويل‭ ‬مراحل‭ ‬التحضر‭ ‬المختلفة‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬يتطلب‭ ‬جانب‭ ‬الإنفاق‭ ‬تعزيز‭ ‬مستويات‭ ‬الشفافية‭ ‬والانضباط،‭ ‬بحيث‭ ‬يتكامل‭ ‬إصلاح‭ ‬الإيرادات‭ ‬مع‭ ‬إصلاح‭ ‬آليات‭ ‬الصرف،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يسرّع‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬نموذج‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬ربطه‭ ‬بإصلاح‭ ‬شامل‭ ‬لنظام‭ ‬إدارة‭ ‬عوائد‭ ‬الأراضي‭.‬

من‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬
اقتصاد‭ ‬يقوده‭ ‬السوق

على‭ ‬صعيد‭ ‬أوسع،‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق‭ ‬عبر‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬مالي‭ ‬مقيد‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحًا،‭ ‬يلعب‭ ‬فيه‭ ‬السوق‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭.‬
فقد‭ ‬أظهر‭ ‬النظام‭ ‬المقيد‭ ‬قدرة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬المدخرات‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬استثمارات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬ناضجة،‭ ‬كما‭ ‬وفر‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنظيم‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأنظمة‭ ‬الحرة‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بدأت‭ ‬عيوب‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بالظهور،‭ ‬إذ‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬مقابل‭ ‬ضعف‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬كما‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬أعلى‭.‬
وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬ساهم‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬النفوذ‭ ‬المالي‭ ‬للصين،‭ ‬ما‭ ‬أبقاها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬أقل‭ ‬تأثيرًا‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬العالمية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬ضمن‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬الأوسع‭.‬
ويتطلب‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الإدارة‭ ‬المركزية،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬جهاز‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الموافقات‭ ‬الإدارية‭ ‬والتدخل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬التسعير‭ ‬والأنشطة‭ ‬المالية‭ ‬الجزئية،‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تضمن‭ ‬عدالة‭ ‬المنافسة‭ ‬واستقرار‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬مستويات‭ ‬الإدارة‭ ‬أصبحت‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الوضع‭ ‬القائم،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬الإصلاح‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تشمل‭ ‬التوجهات‭ ‬الإصلاحية‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬وآليات‭ ‬عملها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تسهيل‭ ‬دخول‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتطوير‭ ‬نظام‭ ‬إصدار‭ ‬السندات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مرونة‭ ‬تسعير‭ ‬الفائدة،‭ ‬وتحسين‭ ‬آليات‭ ‬تحديد‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬العملة‭. ‬كما‭ ‬يتم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخاصة‭ ‬لتأسيس‭ ‬بنوك‭ ‬صغيرة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬متنوعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تسريع‭ ‬انفتاح‭ ‬الحساب‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وتعزيز‭ ‬قابلية‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬
وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الانضباط‭ ‬المالي،‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬النظامية‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬نتيجة‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭.‬
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬المصرفية‭ ‬المرتبطة‭ ‬برهن‭ ‬الأراضي،‭ ‬وإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬وتنقية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬التابعة‭ ‬للسلطات‭ ‬المحلية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توسعت‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬دعم‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭. ‬كما‭ ‬يتعين‭ ‬ضبط‭ ‬وتيرة‭ ‬تحرير‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬الانفتاح‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬جديد‭ ‬للاختلالات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬تدفقات‭ ‬نقدية‭ ‬خارجية‭ ‬بطرق‭ ‬قد‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭.‬

رجوع لأعلى