تحولات هيكلية في توزيع الموارد وإعادة ضبط السياسة المالية
في خضم التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها الصين، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، ليس فقط من زاوية توزيع الصلاحيات، بل من حيث إعادة بناء النموذج المالي والاقتصادي برمته.
الدور المتصاعد للحكومة المركزية
في هذا الإطار، يتعين على القطاع المركزي أن يتحمل دورًا أكبر في ما يتعلق بالسلطات المالية وحجم الإنفاق، إلى جانب مسؤوليته المباشرة عن تقديم الخدمات العامة. وتكمن أهمية هذا التوجه في أن الحكومة المركزية تصبح نموذجًا قياديًا عند إعادة هيكلة وظائف الدولة، كما يسهم في الحد من اعتماد الحكومات المحلية على سياسات الأراضي كمصدر رئيسي للإيرادات.
ومن خلال بناء سوق وطنية موحدة للقوى العاملة وتعزيز مرونتها وانتقالها، يمكن تقليص التشوهات التي نتجت عن الانقسامات الإقليمية. فقد أظهر التحليل أن الفصل بين المناطق في نظام تسجيل الأحوال المدنية والخدمات العامة أدى إلى تجزئة سوق العمل، وأسهم في انتشار ما يُعرف بالنظام النقدي القائم على الأراضي.
وفي المقابل، فإن هذا الفصل ذاته خلق عوائق أمام إصلاح نظام تسجيل الأحوال المدنية، إذ إن إلغاؤه يفرض على الحكومات المحلية التزامات أكبر في تقديم الخدمات العامة. غير أن هذا التحول يواجه تحديات حقيقية، خاصة في ظل القيود المالية التي تعاني منها هذه الحكومات، ولا سيما في المدن الكبرى التي تفتقر إلى الموارد الكافية لتوسيع نطاق خدماتها.
لذلك، فإن توجيه الإنفاق المركزي نحو توفير خدمات عامة موحدة من شأنه أن يخفف من حدة الانقسام الإقليمي، ويدعم مسار إصلاح نظام تسجيل الأحوال المدنية، ويشكل في الوقت ذاته شرطًا أساسيًا لبناء سوق عمل وطنية متكاملة.
وعليه، يصبح من الضروري المضي تدريجيًا في إصلاح هذا النظام، حتى قبل اكتمال إصلاح النظام المالي. وقد أكد «القرار» في هذا السياق على أهمية تسريع إصلاح نظام تسجيل الأحوال المدنية، وتخفيف القيود على استيطان المدن الصغيرة والمتوسطة، مع اعتماد معايير منظمة للمدن الكبرى، وضبط النمو السكاني فيها بشكل حازم.
سوق العمل بين الانقسام والوحدة
أما على صعيد الإيرادات النقدية، فتوجد بعض الفروقات بين نماذج اللامركزية في الأنظمة النقدية العامة، حيث يعتمد بعضها بشكل أكبر على الضرائب غير المباشرة. ومع ذلك، فإن هذه الفروقات لا تُعد جوهرية في طبيعتها، رغم وجود تباينات ملحوظة في حجم الإيرادات بين الدول التي تتبنى هذا النهج.
وإذا كان إصلاح سوق العمل يمثل أحد أركان التوازن الاقتصادي، فإن نظام الأراضي يظل الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، نظرًا لارتباطه المباشر بتمويل الحكومات المحلية واستدامة مواردها.
نظام الأراضي… العقدة
الأعمق في الإصلاح
إلى جانب أهمية إعادة توزيع الصلاحيات والإنفاق بصورة متوازنة لدعم مسار الإصلاح المالي، تبرز ضرورة إحداث تغيير جذري في النظام النقدي المرتبط بالأراضي، خاصة ذلك النموذج المعتمد على العقارات المعروف بنظام «الأراضي 2.0».
فالإصلاح في هذا الجانب لا يمكن أن يكون جزئيًا، بل يتطلب معالجة هيكلية عميقة تبدأ بمنح الأراضي الريفية صلاحيات أقرب إلى تلك الممنوحة لأراضي الدولة من حيث الاستغلال والتصرف.
وفي هذا السياق، يدعو التوجه الإصلاحي إلى إنشاء سوق موحدة لتداول الأراضي، بما يسمح للمناطق الريفية ببيع أراضيها أو تأجيرها أو إدخالها كشراكات استثمارية، مع إخضاعها لنفس قواعد التسعير والصلاحيات المطبقة على أراضي الدولة. كما يشمل ذلك تطوير آليات أكثر مرونة للرهن والضمان والتصرف في المساكن الريفية بشكل منظم، وفتح المجال أمام إدماج الأراضي الريفية ضمن السوق العامة.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تقلص من ظاهرة الاستيلاء الإداري على الأراضي، وتؤسس لنظام أكثر عدالة في توزيع العوائد الناتجة عن ارتفاع قيمتها، سواء كانت مملوكة للدولة أو للأفراد والجماعات.
وفي امتداد هذه الرؤية، يركز التوجه الإصلاحي على تحسين آليات التنمية الحضرية، عبر اعتماد نموذج تحضر يرتكز على الإنسان كعنصر أساسي، بدلاً من الاعتماد المفرط على التوسع العقاري كمحرك رئيسي للنمو.
إيرادات غير مستدامة وحاجة
إلى نموذج جديد
بالتوازي مع إصلاح نظام الأراضي، تبرز الحاجة إلى مراجعة آلية إدارة العوائد الناتجة عن بيع الأراضي. فقد كشفت التجارب السابقة أن الاعتماد على تحصيل هذه العوائد دفعة واحدة يُعد من أبرز أسباب الاختـلال بين الإيرادات والإنفاق، كما ساهم في دفع الحكومات المحلية إلـى التوسع المفرط فـي الاستيـلاء علـى الأراضي.
ورغم أن التوجهات الرسمية أشارت إلى ضرورة تسريع سنّ قوانين للضرائب العقارية، فإن هذا الطرح لا يزال محدود الأثر ولا يواكب متطلبات المرحلة. لذلك، يصبح من الضروري التحول إلى نموذج أكثر استدامة، يقوم على تحصيل عوائد الأراضي بشكل دوري سنوي، وفقًا لمستوى استغلالها، بدلاً من الاكتفاء بعائد لمرة واحدة.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على معالجة الاختلالات المالية، بل يمتد ليحد من المخاطر الناتجة عن السياسات قصيرة الأجل للحكومات المحلية، كما يفتح المجال أمام تطوير أدوات تمويل أكثر استقرارًا، مثل السندات البلدية ذات الطابع المحلي، بما يدعم تمويل مراحل التحضر المختلفة.
وفي الوقت ذاته، يتطلب جانب الإنفاق تعزيز مستويات الشفافية والانضباط، بحيث يتكامل إصلاح الإيرادات مع إصلاح آليات الصرف، الأمر الذي يسرّع من تطبيق نموذج اللامركزية المالية بشكل أكثر فعالية، خاصة إذا ما تم ربطه بإصلاح شامل لنظام إدارة عوائد الأراضي.
من القيود المالية إلى
اقتصاد يقوده السوق
على صعيد أوسع، تبرز ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق عبر الانتقال من نموذج مالي مقيد إلى نظام أكثر انفتاحًا، يلعب فيه السوق الدور الحاسم في تخصيص الموارد.
فقد أظهر النظام المقيد قدرة واضحة في المراحل الأولى من التنمية على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو استثمارات واسعة في تقنيات ناضجة، كما وفر درجة عالية من الاستقرار والتنظيم مقارنة بالأنظمة الحرة. لكن مع تطور الاقتصاد، بدأت عيوب هذا النموذج بالظهور، إذ أدى إلى ارتفاع معدلات الادخار مقابل ضعف الاستهلاك، كما حدّ من القدرة على تمويل الابتكار والتقنيات الجديدة التي تنطوي على مخاطر أعلى.
وعلى المستوى الدولي، ساهم هذا النمط في تقييد النفوذ المالي للصين، ما أبقاها في موقع أقل تأثيرًا داخل المنظومة المالية والنقدية العالمية، بل وحتى ضمن التوازنات الاقتصادية والسياسية الأوسع.
ويتطلب هذا التحول، في المقام الأول، إعادة تعريف دور الإدارة المركزية، بحيث تتحول من جهاز يركز على الموافقات الإدارية والتدخل المباشر في التسعير والأنشطة المالية الجزئية، إلى جهة تنظيمية تضمن عدالة المنافسة واستقرار النظام الاقتصادي الكلي.
غير أن هذا التحول لا يخلو من التحديات، إذ إن بعض مستويات الإدارة أصبحت مستفيدة من الوضع القائم، ما يجعلها في أحيان كثيرة عائقًا أمام الإصلاح.
وفي هذا السياق، تشمل التوجهات الإصلاحية إعادة النظر في بنية المؤسسات المالية وآليات عملها، بما في ذلك تسهيل دخول الأسواق، وتطوير نظام إصدار السندات، وتعزيز مرونة تسعير الفائدة، وتحسين آليات تحديد سعر صرف العملة. كما يتم التأكيد على أهمية فتح المجال أمام رؤوس الأموال الخاصة لتأسيس بنوك صغيرة ومتوسطة ومؤسسات مالية متنوعة، إلى جانب تسريع انفتاح الحساب الرأسمالي وتعزيز قابلية حركة رؤوس الأموال عبر الحدود.
وبالتوازي مع هذا الانفتاح، تبرز الحاجة إلى تعزيز الانضباط المالي، خاصة على مستوى الحكومات المحلية، للحد من المخاطر النظامية التي تراكمت نتيجة اللامركزية المالية في مراحل سابقة.
ومن أبرز هذه الإجراءات، فرض رقابة مشددة على القروض المصرفية المرتبطة برهن الأراضي، وإعادة تقييم وتنقية المؤسسات المالية التابعة للسلطات المحلية، لا سيما تلك التي توسعت تحت غطاء دعم المشاريع الصغيرة والاقتصاد الحقيقي. كما يتعين ضبط وتيرة تحرير حساب رأس المال، بحيث لا يتحول الانفتاح المالي إلى مصدر جديد للاختلالات، خصوصًا في المناطق التي تسعى إلى جذب تدفقات نقدية خارجية بطرق قد تزيد من هشاشة النظام المالي.