تداولات العقار الكويتي تتخطى 92.9 مليون دينار
شهد سوق العقار الكويتي قفزة نوعية في حجم التداولات الإجمالية خلال الأسبوع الممتد من 5 إلى 9 يوليو 2026، حيث تجاوزت القيمة الإجمالية للعقود العقارية المسجلة في وزارة العدل حاجز الـ 92.97 مليون دينار كويتي.
ويعكس هذا الأداء القوي حالة الزخم الكبيرة التي يعيشها القطاع، مدفوعاً بطلب هيكلي متنامٍ على السكن الخاص من جهة، واستعادة القطاع الاستثماري لجاذبيته كقناة استثمارية آمنة ومدرة للعوائد من جهة أخرى في مواجهة تقلبات الأسواق المالية البديلة.
ووفقاً للإحصائية الرسمية الصادرة عن إدارة التسجيل العقاري والتوثيق بوزارة العدل الكويتية، تم تداول 153 عقداً موزعة على المحافظات الست خلال هذا الأسبوع. وتأتي هذه التطورات الإيجابية لتؤكد استقرار البيئة التشغيلية العقارية، وتجاوب السوق الإيجابي مع التشريعات التنظيمية الحديثة، وعلى رأسها القانون رقم (125) لسنة 2023 بشأن تنظيم الوكالات العقارية، والذي قضى بإلغاء الوكالات العقارية والحد من عمليات المضاربة غير المبررة، مما أتاح بيئة تداول أكثر شفافية وموثوقية وجذب شرائح جديدة من المشترين الحقيقيين الراغبين في التملك الفعلي وتأمين السكن الملائم لأسرهم.
السكن الخاص
لا يزال قطاع السكن الخاص يستأثر بحصة الأسد من إجمالي النشاط العقاري في دولة الكويت، مدفوعاً بالطلب المستدام والنمو السكاني والاضطراد المستمر في طلبات الرعاية السكنية. وقد سجل القطاع الخاص خلال الأسبوع المرصود 117 عقداً بقيمة إجمالية بلغت 51 مليون دينار، ما يمثل نحو 54.9% من إجمالي قيمة التداولات الأسبوعية الكلية، مما يرسخ مكانته كعمود فقري للسوق العقاري المحلي وثبات قيمته الرأسمالية في مواجهة أي متغيرات اقتصادية طارئة.
ويرى خبراء ومحللون عقاريون أن هذه الهيمنة لقطاع السكن الخاص تعكس رغبة الأسر الكويتية في تأمين الاستقرار السكني الذاتي، وسط استقرار مستويات الأسعار وتوفر خيارات تمويلية ملائمة. كما ساهم تراجع حدة المضاربة بفعل القوانين الجديدة في توجيه السيولة نحو الشراء الفعلي بغرض السكن وليس بغرض التدوير السريع للمحافظ العقارية التي كانت تتسبب سابقاً في تضخم غير مبرر للأسعار. وتوزعت صفقات الخاص على مختلف المحافظات مع تركز واضح في محافظة الأحمدي التي سجلت وحدها 45 عقداً سكنياً خاصاً، تلتها محافظتا حولي والجهراء بـ 21 عقداً لكل منهما، مما يشير إلى توسع رقعة الطلب نحو المناطق الخارجية والمدن السكنية الجديدة التي باتت توفر بنية تحتية عصرية وخدمات متكاملة تجذب المواطنين بشكل متزايد.
عوائد مجزية
حلّ القطاع الاستثماري في المرتبة الثانية من حيث القيمة والنشاط، حيث تم تسجيل 31 عقداً عقارياً استثمارياً بقيمة إجمالية بلغت 25 مليون دينار، أي ما يعادل 27% من التداولات الإجمالية للأسبوع، ويمثل هذا النشاط دليلاً واضحاً على عودة الثقة للمستثمرين والشركات العقارية الباحثين عن تدفقات نقدية دورية ومستقرة، لا سيما في ظل ثبات نسب الإشغال للشقق السكنية المخصصة للوافدين واستقرار حركة الإيجارات.
وقد استحوذت محافظة الأحمدي على النصيب الأكبر والمهيمن من العقود الاستثمارية خلال هذا الأسبوع بواقع 20 عقداً استثمارياً، وهو ما يعكس الطفرة العمرانية والتشغيلية الكبيرة التي تشهدها مناطق المحافظة مثل الفنطاس، والمهبولة، والمنقف، وأبو حليفة، وهي مناطق تتميز بكثافة سكانية عالية ونسب إشغال مرتفعة من قبل العمالة الوافدة والموظفين والشركات الكبرى. وجاءت محافظة حولي في المرتبة الثانية بتسجيل 5 عقود استثمارية، مدعومة بموقعها الجغرافي الحيوي وقربها اللوجستي من العاصمة التجارية والمالية للبلاد، مما يجعلها دائماً خياراً آمناً للمحافظ الاستثمارية الباحثة عن عوائد تشغيلية مستقرة وطويلة الأجل.
صفقات نوعية
بالرغم من قلة عدد الصفقات المسجلة في القطاع التجاري نظراً للطبيعة الاستراتيجية الطويلة الأجل لأصوله وصعوبة التخلي عنها، إلا أنها تميزت خلال هذا الأسبوع بقيمها الرأسمالية المرتفعة وضخامتها، حيث شهد الأسبوع تسجيل 4 عقارات تجارية فقط بقيمة بلغت 16.2 مليون دينار كويتي. وتوزعت هذه العقود التجارية على محافظة العاصمة بواقع عقدين، وعقد واحد في محافظة الفروانية، وعقد واحد في محافظة الجهراء. وتؤكد هذه الصفقات أن المجمعات والمراكز التجارية لا تزال تحظى باهتمام كبار المستثمرين والشركات والصناديق العقارية المدرجة، نظراً لقدرة هذا القطاع على التكيف مع متطلبات نمو قطاع التجزئة والمشاريع التشغيلية في البلاد.
أما قطاع الدكاكين، فقد شهد تداول عقد واحد فقط تم تسجيله في محافظة العاصمة بقيمة بلغت 550 ألف دينار كويتي، وهو قطاع حيوي مصغر يمثل فئة محددة من المشاريع التجارية الفردية أو المحلات ذات المواقع الاستراتيجية التي تخدم المناطق التجارية والتاريخية العريقة داخل مدينة الكويت وتتمتع بطلب تأجيري مرتفع ومستمر.
مقارنة أسبوعية
إذا ما قارنا تداولات هذا الأسبوع بتداولات مطلع الشهر الجاري، حيث سجلت تداولات يومي 1 و2 يوليو 2026، يومان فقط، نحو 49.04 مليون دينار كويتي، نجد أن السوق يحافظ على وتيرة تداول يومية مرتفعة تتراوح بين 18 إلى 24 مليون دينار كويتي يومياً. ويعتبر هذا المعدل اليومي المتوازن مؤشراً قوياً على وفرة وقوة السيولة المحلية الموجهة نحو العقار كأداة ادخارية واستثمارية أولى ومفضلة في البلاد، كما يبرهن على أن وتيرة النشاط ليست طفرة مؤقتة بل هي امتداد لاتجاه تصاعدي مستقر بدأ منذ بداية الربع الثاني من العام الحالي.
التأثير التشريعي والتنظيمي
لا يمكن قراءة هذه الأرقام الإيجابية بمعزل عن التطورات التنظيمية والتشريعية الهامة التي مر بها السوق العقاري الكويتي مؤخراً والتي ساهمت بشكل مباشر في إضفاء مزيد من النضج والاستقرار عليه. ويعتبر القانون رقم (125) لسنة 2023 بشأن تنظيم الوكالات العقارية نقطة تحول محورية حقيقية نجحت في إعادة هيكلة آليات البيع والشراء. هذا القانون، الذي ألغى بشكل صريح وقاطع العمل بنظام «الوكالات العقارية» غير القابلة للعزل والتي كانت تُستغل في السابق كأداة قانونية للالتفاف على الرسوم المفروضة ونقل الملكيات بشكل غير رسمي بعيداً عن أعين الرقابة، نجح بامتياز في مكافحة ظاهرة تضخم الأسعار المصطنع والحد من المضاربات الضارة التي أنهكت قطاع السكن الخاص لسنوات طويلة.
وبفضل التطبيق الصارم لهذا القانون، أصبح المتعاملون في السوق يركزون بالكامل على قنوات التسجيل الرسمي المباشر والتوثيق الفوري عبر إدارة التسجيل العقاري والتوثيق بوزارة العدل، وهو ما يفسر الارتفاع الملحوظ في أعداد العقود الرسمية المسجلة أسبوعياً وثبات وتيرتها الإيجابية وتطابقها مع واقع السوق الفعلي. كما ساهم القانون في حماية حقوق الأطراف المتعاقدة، وضمان سداد الرسوم المستحقة للدولة بشكل فوري وعادل، وتحقيق الشفافية والعدالة المطلوبة لتمكين المواطن الكويتي من الحصول على مسكنه بأسعار حقيقية مبنية على قوى العرض والطلب الفعلية، بعيداً عن التأثيرات السلبية لأيدي المضاربين والوسطاء غير المرخصين.
تفوق كاسح
عند دراسة التوزيع الجغرافي وحركة العقود المنفذة خلال الأسبوع ، نلاحظ تفوقاً كاسحاً لمحافظة الأحمدي التي سجلت إجمالي 65 صفقة موزعة بين 45 سكناً خاصاً و20 عقاراً استثمارياً، وهو ما يعادل نحو 42.5% من إجمالي عدد العقود المنفذة في دولة الكويت بأكملها خلال الأسبوع.
وتستفيد الأحمدي بشكل مباشر من مساحتها الجغرافية الشاسعة، وتعدد مناطقها السكنية والاستثمارية الجديدة التي توفر بدائل متنوعة وخيارات واسعة بأسعار تنافسية ومغرية مقارنة بالمحافظات الداخلية والقريبة من العاصمة.
وجاءت محافظة حولي في المرتبة الثانية بتسجيل 26 صفقة تداول، ما يمثل 17% من الإجمالي، تلتها محافظة الجهراء بـ 22 صفقة (14.4%) والتي بدأت تشهد نمواً ملحوظاً في الطلب على السكن الخاص نتيجة المشاريع الإسكانية المتاخمة لها، ثم محافظة العاصمة بـ 18 صفقة (11.8%) والتي تميزت بتنوع قطاعاتها حيث شملت السكن الخاص، والاستثماري، والتجاري، والدكاكين في آن واحد. وفي نهاية القائمة، تقاسمت محافظتا الفروانية ومبارك الكبير المركز الأخير بـ 11 صفقة لكل منهما (بنسبة 7.2% لكل محافظة). هذا التوزيع الجغرافي المتنوع يؤكد أن النشاط العقاري الكويتي لا يتركز في بؤرة جغرافية ضيقة أو محافظة بعينها بل يمتد بمرونة ليشمل كافة أرجاء البلاد، بما يضمن نمواً عقارياً متوازناً وشاملاً يخدم مختلف الشرائح المجتمعية والمستثمرين بمختلف ملاءاتهم المالية.
نظرة مستقبلية
تشير معطيات التداولات الحالية ومؤشرات مطلع شهر يوليو 2026 إلى أن القطاع العقاري الكويتي يتجه بثبات نحو تسجيل عام استثنائي ومستقر من حيث قيم وأحجام التداولات الإجمالية. ومع استمرار الرغبة القوية والملحة من قبل المواطنين في تملك السكن الخاص كأولوية أولى، واستقرار أسعار الفائدة المصرفية محلياً وثبات السياسة النقدية لبنك الكويت المركزي، يبدو أن البيئة الاستثمارية المحلية تتهيأ لاستقطاب مزيد من التدفقات النقدية والسيولة الباحثة عن ملاذات آمنة نحو الأصول العقارية المدرة للدخل.
ويتوقع المحللون العقاريون أن يحافظ القطاع التجاري والاستثماري على وتيرتهما التصاعدية الهادئة خلال الأشهر المقبلة، مدعومين بالمشاريع التنموية الكبرى التي تنفذها الدولة ضمن خطط التنمية وتطوير البنية التحتية وربط الشبكات المرورية، فضلاً عن التوجه نحو تطوير المناطق الاقتصادية والمدن اللوجستية الجديدة. وسيبقى القانون رقم (125) لسنة 2023 الحارس الأمين لاستقرار السوق وصمام الأمان الفاعل ضد حدوث أي فقاعات سعرية غير حقيقية قد تهدد القدرة الشرائية للمواطنين، مما يجعل السوق العقاري الكويتي في النصف الثاني من عام 2026 أحد أكثر الأسواق العقارية أماناً، ونضجاً، وجاذبية على المستوى الإقليمي بأكمله.