تراجع النفط يكشف هشاشة علاوة المخاطر في أسواق الطاقة
شهدت أسواق النفط العالمية تحولاً ملحوظاً في اتجاهاتها خلال تعاملات اليوم الخميس بعدما تعرضت الأسعار لضغوط بيعية دفعتها إلى التراجع من المستويات المرتفعة التي سجلتها خلال الجلسات السابقة، وذلك في ظل تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى تسويات سياسية وأمنية في منطقة الشرق الأوسط قد تسهم في خفض المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية. وجاء هذا التراجع بعد إعلان إسرائيل ولبنان التوصل إلى اتفاق لتنفيذ وقف إطلاق النار بينهما، وهو تطور اعتبرته الأسواق مؤشراً على إمكانية انتقال جهود التهدئة إلى ملفات إقليمية أخرى أكثر تأثيراً على أسواق النفط، وفي مقدمتها المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران ومستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز.
تراجع الأسعار
انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحـو 2.10 دولار أو مــا يعادل 2.15 % لتستقر عند مستوى 95.71 دولار للبرميل خلال التداولات الأوروبية، بينما هبط خــام غــرب تكساس الوسيط الأميركــي بمقـدار 1.86 دولار أو 1.94 % ليصل إلى 94.16 دولار للبرميل. ويعكس هذا التراجع حالة من إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية التي كانت قد دفعت الأسعار إلى الارتفاع الحاد خلال الأيام الماضية.
وكانت الأسواق قد شهدت موجة صعود قوية أمس الأربعاء بعدما ارتفعت الأسعار بنحو 2 % على خلفية تجدد الأعمال العسكرية في المنطقة، بما في ذلك هجمات استهدفت الكويت وتحركات عسكرية أميركية قرب مضيق هرمز، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من تعطل الإمدادات النفطية العالمية. إلا أن الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان أعاد جزءاً من الثقة إلى الأسواق، ودفع المتعاملين إلى تقليص رهاناتهم على استمرار التصعيد العسكري.
ويشير هذا التحول السريع في اتجاهات الأسعار إلى مدى حساسية أسواق الطاقة تجاه التطورات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت أي مؤشرات على التهدئة أو التصعيد قادرة على تحريك الأسعار بعشرات الدولارات خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً.
رهان سياسي
ينظر المستثمرون إلى الاتفاق الإسرائيلي اللبناني باعتباره أكثر من مجرد هدنة محلية، إذ يرون فيه خطوة قد تفتح الباب أمام تسويات أوسع تشمل الملف الإيراني الذي بات محور الاهتمام الرئيسي للأسواق العالمية خلال الأسابيع الأخيرة. فإيران كانت قد ربطت أي تقدم في اتصالاتها مع الولايات المتحدة بإنهاء العمليات العسكرية المرتبطة بلبنان، ما جعل إعلان وقف إطلاق النار ينعكس فوراً على توقعات المستثمرين بشأن مستقبل المفاوضات.
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتضيف زخماً إضافياً لهذه التوقعات بعدما أشار إلى إمكانية إحراز تقدم في المفاوضات مع إيران بحلول مطلع الأسبوع المقبل. ورغم أن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع هذه التصريحات، فإن مجرد الحديث عن إمكانية استئناف المسار الدبلوماسي كان كافياً لدفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الشرائية في النفط.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتصالات مع واشنطن لم تنقطع، لكنه أوضح أن المفاوضات لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن، مشيراً إلى أن الجانبين ما زالا يدرسان المسودات المتبادلة. وتعكس هذه التصريحات استمرار وجود فجوات سياسية تحتاج إلى معالجات معقدة قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
ورغم ذلك، فإن الأسواق تميل عادة إلى تسعير الاحتمالات المستقبلية قبل تحققها فعلياً، وهو ما يفسر جانباً من الضغوط التي تعرضت لها الأسعار بمجرد ظهور مؤشرات على إمكانية استئناف الحوار السياسي.
هرمز في الواجهة
يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية وتأثيراً في معادلة النفط العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب خمس الإمدادات النفطية المتداولة عالمياً. ولذلك فإن أي تهديد للملاحة في هذا الممر الحيوي ينعكس مباشرة على الأسعار ويؤدي إلى ارتفاع ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
وخلال الأسابيع الماضية، أصبحت المخاوف المتعلقة بالمضيق المحرك الرئيسي للأسواق، خصوصاً بعد التوترات العسكرية المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران وتبادل التهديدات بشأن أمن الملاحة البحرية. وقد دفعت هذه المخاوف العديد من المؤسسات المالية إلى رفع توقعاتها للأسعار تحسباً لاحتمال حدوث اضطرابات في حركة الصادرات النفطية القادمة من دول الخليج.
ومع عودة الحديث عن مسار تفاوضي محتمل بين واشنطن وطهران، بدأت الأسواق بإعادة تقييم احتمالات إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية واستئناف تدفقات النفط دون عراقيل. إلا أن كثيراً من المحللين يحذرون من أن الوصول إلى هذا السيناريو لا يزال يحتاج إلى وقت، وأن أي اتفاق سياسي محتمل لن ينعكس فوراً على حركة الشحن أو على مستويات الإمدادات العالمية.
كما أن شركات الشحن والتأمين البحري ستحتاج إلى فترة زمنية للتأكد من استقرار الأوضاع الأمنية قبل العودة إلى مستويات النشاط المعتادة، وهو ما يعني أن تأثير أي انفراج سياسي سيكون تدريجياً وليس فورياً.
المخزونات الأميركية
في الوقت الذي تتراجع فيه المخاطر السياسية نسبياً، لا تزال المؤشرات الأساسية للسوق تقدم دعماً قوياً للأسعار، وفي مقدمتها بيانات المخزونات الأميركية. فقد أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط الخام انخفضت بمقدار 8 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 29 مايو لتصل إلى 433.7 مليون برميل.
ويعد هذا الانخفاض أكبر بكثير من توقعات المحللين الذين كانوا يتوقعون تراجعاً يزيد قليلاً على 4 ملايين برميل فقط. ويشير الفارق الكبير بين التوقعات والنتائج الفعلية إلى استمرار قوة الطلب أو محدودية المعروض في السوق الأميركية، الأمر الذي يمنح الأسعار دعماً أساسياً حتى في ظل تراجع المخاطر الجيوسياسية.
ويتابع المستثمرون هذه البيانات عن كثب لأنها تعد من أهم المؤشرات التي تعكس التوازن بين العرض والطلب في أكبر اقتصاد مستهلك للطاقة في العالم. وعادة ما يؤدي انخفاض المخزونات إلى تعزيز الأسعار لأنه يشير إلى سحب كميات أكبر من النفط من المخازن لتلبية احتياجات السوق.
كما أن استمرار تراجع المخزونات خلال موسم القيادة الصيفي في الولايات المتحدة قد يضيف مزيداً من الضغوط على المعروض ويحد من قدرة الأسعار على الهبوط الحاد.
الصين وتوازن الطلب
في المقابل، ظهرت بعض المؤشرات التي قد تخفف من حدة المخاوف المتعلقة بالطلب العالمي، إذ أظهرت البيانات تراجع واردات الصين من النفط الخام بنحو 6 ملايين برميل يومياً خلال مايو مقارنة بمستويات مارس. ويثير هذا الانخفاض تساؤلات حول قوة النشاط الاقتصادي في أكبر مستورد للنفط في العالم.
ويعد الطلب الصيني أحد أهم العوامل المؤثرة في معادلة الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي تباطؤ في وتيرة الاستيراد ينعكس على توقعات الاستهلاك العالمي. إلا أن بعض المحللين يرون أن جزءاً من هذا التراجع قد يكون مرتبطاً بعوامل موسمية أو بعمليات صيانة في بعض المصافي وليس بالضرورة مؤشراً على ضعف هيكلي في الطلب.
كما أن السلطات الصينية تواصل تنفيذ برامج تحفيز اقتصادي تستهدف دعم القطاعات الصناعية والاستهلاكية، الأمر الذي قد يعيد الزخم إلى واردات الطاقة خلال الأشهر المقبلة.
ورغم التراجع الحالي، لا تزال الصين تمثل المحرك الأكبر لنمو الطلب العالمي على النفط، وهو ما يجعل تطورات اقتصادها محط متابعة دقيقة من قبل جميع المشاركين في السوق.
رؤية المؤسسات المالية
ترى المؤسسات المالية الكبرى أن تراجع الأسعار الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء موجة الصعود التي شهدتها الأسواق خلال الفترة الماضية. فقد أكدت مجموعة «آي إن جي» في مذكرة بحثية أن المخزونات العالمية وفرت حتى الآن شبكة أمان مهمة للسوق، لكنها حذرت من أن أي استئناف لتدفقات النفط عبر مضيق هرمز سيحتاج إلى وقت حتى ينعكس بالكامل على مستويات الإمدادات.
وأشارت المؤسسة إلى أن التعافي سيكون تدريجياً وبطيئاً نتيجة التحديات اللوجستية والتأمينية المرتبطة بعودة حركة الشحن إلى طبيعتها الكاملة. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن استمرار تناقص المخزونات خلال الربع الثالث من العام سيبقي العوامل الداعمـة للأسعار قائمة حتى في حال تحسن الأوضاع السياسية.
ويعتقد عدد من المحللين أن السوق دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها العوامل الجيوسياسية والأساسية متداخلة بصورة غير مسبوقة، بحيث يصعب الفصل بين تأثير المخزونات ومستويات الطلب من جهة، وتأثير التطورات السياسية والعسكرية من جهة أخرى.