تراجع جماعي يضرب الأسهم الأوروبية
لم تكد القارة الأوروبية تستنشق عبير الاستقرار النسبي حتى عادت غيوم التوتر الجيوسياسي لتلبد سماء أسواقها المالية. شهد يوم الاثنين تراجعاً جماعياً وحاداً للأسهم الأوروبية، مدفوعاً بموجة قلق عارمة اجتاحت قاعات التداول عقب تطورات دراماتيكية في ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذه التطورات لم تكن مجرد مناوشات كلامية، بل مست مباشرة «عصب الاقتصاد العالمي» في مضيق هرمز، مما هدد بتقويض وقف إطلاق النار الهش الذي كان المستثمرون يعولون عليه لترسيخ مرحلة من التعافي.
انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.9% في الدقائق الأولى من الافتتاح، وهي إشارة قوية على رغبة المستثمرين في تقليص مراكزهم المالية بانتظار وضوح الرؤية. ولم يكن المشهد في العواصم الكبرى بأفضل حال؛ فقد افتتح مؤشر فوتسي 100 البريطاني على انخفاض بنسبة 0.4%، بينما تلقى مؤشر داكس الألماني الضربة الأقوى بتراجع 1.3%، وتبعه مؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 1.1%، ومؤشر فوتسي إم آي بي الإيطالي بنسبة 1.2%. هذا التزامن في الهبوط يعكس طبيعة الترابط العميق بين الاقتصادات الأوروبية وحساسيتها المفرطة تجاه أمن الطاقة العالمي.
انقسام الأسواق بين الشرق والغرب.. لماذا تفاؤل آسيا؟
في تناقض صارخ مع التشاؤم الأوروبي، أظهرت الأسواق الآسيوية مرونة مفاجئة. فقد تجاهلت المؤشرات في سيول وتايبيه وطوكيو المخاطر الجيوسياسية لتسجل مكاسب لافتة، حيث لامست الأسهم التايوانية مستويات قياسية.
● الهروب نحو التكنولوجيا: يعزو المحللون هذا الصعود الآسيوي إلى التركيز على قطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، الذي يبدو منفصلاً في المدى القصير عن صراعات الشرق الأوسط.
● رهان «التسوية السياسية»: يرى خبراء في آسيا، مثل بول تشيو من «فيليب سيكيوريتيز»، أن السيناريو الأساسي لا يزال يميل نحو «التسوية». والسبب سياسي بحت؛ فترامب يظل مركزاً على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، ولا يرغب في دخول الانتخابات بأسعار وقود ملتهبة أو حرب واسعة النطاق قد تؤلب الناخب الأمريكي ضده.
القطاع المصرفي تحت مجهر الديون المتعثرة
جاءت إحدى أقوى إشارات القلق من أستراليا، وتحديدا من «ناشونال أستراليا بنك»، الذي حذّر من تداعيات الحرب المستمرة على جودة الأصول. البنك، وهو الأكبر في مجاله هناك، توقع تسجيل مخصصات انخفاض في القيمة بنحو 500 مليون دولار نتيجة توقعات بارتفاع الديون المتعثرة بسبب اضطرابات التجارة العالمية. هذا التحذير أدى لتراجع أسهم البنك بنسبة 3.6%، وهو ما دق ناقوس الخطر في القطاع المصرفي الأوروبي أيضاً، الذي يخشى من «عدوى» انخفاض القيمة إذا ما استمرت حالة اللايقين.
الدولار والسندات.. الهروب إلى الملاذات التقليدية
في ظل هذه التقلبات، استعاد الدولار الأمريكي جاذبيته كـ «حصن منيع»، مقترباً من أعلى مستوياته خلال أسبوع مقابل العملات الرئيسية. هذا الاندفاع نحو الملاذات الآمنة لم يقتصر على العملة الخضراء فحسب، بل امتد ليشمل تحركات معقدة في سوق السندات:
● عوائد الخزانة: ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.266%، مما يعكس توقعات المستثمرين بأن استمرار التوتر الجيوسياسي سيؤدي إلى تضخم مدفوع بتكاليف الطاقة، ما قد يجبر الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
● السندات الأوروبية: في المقابل، انخفضت العقود الآجلة للسندات الألمانية والفرنسية، في إشارة إلى أن المستثمرين يتخارجون من الأصول الأوروبية التي تقع في الخطوط الأمامية لتأثيرات أزمة الطاقة.
البيانات المالية المنتظرة.. صراع الأرقام والسياسة
على الرغم من أن تركيز الأسواق منصب حالياً على حركة السفن في هرمز، إلا أن الأسبوع يحمل في جعبته بيانات مالية واقتصادية بالغة الأهمية قد تزيد من تقلبات السوق:
● وول ستريت والنتائج الربعية: كانت المؤشرات الأمريكية قد لامست مستويات قياسية يوم الجمعة بدعم من توقعات أرباح قوية للربع الأول من 2026. صدور النتائج هذا الأسبوع سيكون اختباراً لمدى قدرة الشركات الكبرى على الصمود أمام تكاليف الشحن المرتفعة.
● المؤشرات الاقتصادية: يترقب المتداولون بيانات التضخم البريطانية، ومبيعات التجزئة الأمريكية، ومؤشرات مديري المشتريات في أوروبا. إذا جاءت هذه البيانات مشيرة إلى تباطؤ مع تضخم مرتفع (ركود تضخمي)، فإن الأسواق الأوروبية قد تواجه موجة بيع ثانية أكثر حدة.
التحليل الاستراتيجي.. هل نشهد «إعادة تصعيد» منضبطة؟
يرى داميان بوي، كبير استراتيجيي المحافظ في «ويلسون لإدارة الأصول»، أن العناوين رغم سلبيتها، لا تشير حتى الآن إلى «انهيار شامل». الطرفان (واشنطن وطهران) لديهما رغبة ضمنية في التوصل إلى اتفاق يجنبهما مواجهة مفتوحة لا تحمد عقباها. هذا «التفاؤل الحذر» هو ما يفسر غياب عمليات البيع الحادة (Panic Selling) حتى الآن، حيث يكتفي المستثمرون بـ «جني الأرباح» والتحوط بدلاً من الخروج الكامل.
ومع ذلك، تظل المخاطرة تكمن في «خطأ الحسابات»؛ فمصادرة السفن والردود العسكرية المقابلة قد تخرج عن السيطرة، محولة الهدنة الهشة إلى صراع مفتوح. وفي تلك الحالة، لن يكون تراجع بنسبة 0.9% سوى البداية لزلزال مالي قد يعيد صياغة خارطة النمو العالمي لعام 2026.
الأسواق في انتظار «يوم الثلاثاء»: مفترق طرق بين التعافي والهاوية
في الختام، تعيش الأسواق الأوروبية والمستثمرون حول العالم حالة من «حبس الأنفاس» الجماعي؛ فالساعات القليلة القادمة لا تمثل مجرد مرور زمني، بل هي «ساعة الصفر» التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعام 2026. إن التراجع الذي شهدناه في جلسة يوم الاثنين لم يكن مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل هو بمثابة «تصويت بالثقة السلبية» من قبل الصناديق الاستثمارية الكبرى في قدرة الدبلوماسية الدولية على الصمود أمام الحوادث الميدانية المتلاحقة.
لقد بات من الواضح أن القواعد التقليدية للتحليل المالي قد رُكنت جانباً؛ فالمستثمرون اليوم لا يكتفون بقراءة الميزانيات العمومية للشركات أو تقارير الأرباح الفصلية، بل تحولوا إلى «محللين جيوسياسيين» يتابعون بذهول خرائط الملاحة البحرية وصور الأقمار الصناعية للممرات المائية الحساسة. يظل مضيق هرمز هو «الترمومتر» الحقيقي والوحيد لصحة الاقتصاد العالمي في هذه اللحظة؛ فبينما تتحدث أروقة السياسة عن السلام والتهدئة، تراقب شاشات التداول في لندن وفرانكفورت عدد البراميل التي تعبر المضيق فعلياً، إذ أن لغة الأرقام في شحنات النفط هي الوحيدة التي لا تقبل التأويل.
إن الأنظار كلها معلقة بما سيسفر عنه «يوم الثلاثاء»، الموعد النهائي الافتراضي لهذه الهدنة الهشة. هذا اليوم يمثل مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن نشهد انفراجة دبلوماسية تعيد رسم خارطة الثقة وتدفع الأسواق نحو تعافٍ تدريجي، حيث تنخفض علاوة المخاطر وتنتعش الأسهم الأوروبية المتعطشة للاستقرار، وإما أن نجد أنفسنا أمام مواجهة اقتصادية شاملة.
في حال فشل الهدنة، سيكون العالم على موعد مع سيناريو «الصدمة المزدوجة»:
● أسعار نفط جامحة: قد تكسر الحواجز النفسية والتاريخية، مما يعطل سلاسل التوريد العالمية.
● تضخم لا يرحم: سيعيد البنوك المركزية إلى المربع الأول، ويقضي على آمال خفض أسعار الفائدة، مما يعني خنق النمو الاقتصادي في مهده.
إنها بلا شك مرحلة «إدارة المخاطر» بامتياز، حيث أصبح اليقين هو العملة الأكثر ندرة وغلاءً في السوق. وفي انتظار ما ستحمله رياح الثلاثاء، يبقى المستثمر الأوروبي في وضعية «التأهب القصوى»، مدركاً أن مصير محفظته الاستثمارية قد لا يتقرر في بورصة باريس أو برلين، بل في مياه الخليج المشتعلة، حيث تلتقي الجغرافيا السياسية بحسابات الربح والخسارة في أعقد صراع يشهده القرن الحالي.