ترامب يغيّر سلاح الرسوم قبل الانتخابات
دخلت الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة مختلفة، بعدما تراجعت وتيرة التهديدات المفاجئة بفرض رسوم جمركية ضخمة، لتحل محلها سياسة أكثر تعقيداً تعتمد على التحقيقات التجارية والقوانين الأقل شهرة في الترسانة التشريعية الأميركية.
ويأتي التحول بعدما قيدت المحكمة العليا الأميركية في فبراير قدرة ترامب على استخدام صلاحيات فرض الرسوم في «حالات الطوارئ»، ما أفقد البيت الأبيض إحدى الأدوات التي استخدمها في بداية الحرب التجارية لفرض تعريفات واسعة وسريعة على شركاء الولايات المتحدة.
ولا يرتبط التغيير بالقيود القانونية وحدها، إذ تواجه الإدارة الأميركية ظروفاً اقتصادية وسياسية أكثر حساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في وقت أدت فيه الحرب وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، خصوصاً أسعار البنزين التي تمثل أحد أكثر المؤشرات الاقتصادية وضوحاً بالنسبة للناخب الأميركي.
نهج جديد
حذّر مستشارو ترامب خلال الأشهر الأخيرة من اتخاذ خطوات تجارية قد تؤدي إلى صدمات مشابهة لما شهدته الأسواق في بداية الحرب التجارية، عندما أثارت الرسوم المرتفعة موجة هبوط حادة في الأسهم العالمية وعمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأميركية.
ودفع ذلك واشنطن إلى التعامل بحذر أكبر، فظهرت إعفاءات واستثناءات وتعديلات محدودة على الإجراءات التجارية، فيما انتهت بعض التحقيقات التي كان متوقعاً أن تقود إلى رسوم جديدة بتوصيات لإجراء مزيد من المحادثات بدلاً من فرض تعريفات فورية.
وبرز ذلك خصوصاً في تحقيقات «الأمن القومي» بموجب المادة 232 المتعلقة بالمعادن الحيوية وقطع غيار الطائرات، في مؤشر على رغبة الإدارة في الاحتفاظ بالضغط التجاري من دون إحداث صدمة اقتصادية جديدة.
قيود قضائية
ولا يعني تغير النهج أن ترامب تخلى عن الرسوم الجمركية باعتبارها إحدى ركائز سياسته الاقتصادية، إذ لا يزال ينتقد قرار المحكمة العليا الذي قيّد صلاحياته، متهماً القضاة بالتسبب في خسارة الولايات المتحدة «تريليونات وتريليونات الدولارات».
لكن التداعيات القانونية لم تتوقف عند تقييد صلاحيات البيت الأبيض، إذ واصل قاض في محكمة التجارة الدولية الضغط على مسؤولي الجمارك الأميركية لتنفيذ الأحكام المتعلقة بالرسوم، ما أدى حتى الآن إلى رد أكثر من 100 مليار دولار من الأموال التي جُمعت.
وأجبرت هذه التطورات الإدارة على البحث عن أدوات قانونية بديلة تستطيع من خلالها مواصلة الضغط على الشركاء التجاريين، مع تقليل احتمالات تعرض إجراءاتها للإبطال أمام المحاكم.
ترسانة قانونية
انتقلت الحرب التجارية بذلك من القرارات الرئاسية الواسعة والسريعة إلى مجموعة متشابكة من القوانين والمواد التجارية التي تسمح بإطلاق تحقيقات قد تنتهي بفرض رسوم جمركية جديدة.
وبدأت هذه الاستراتيجية بالفعل تؤتي ثمارها، بعدما فرضت الولايات المتحدة رسوماً تراوح بين 10 و12.5% على 60 شريكاً تجارياً عقب تحقيق بشأن «العمل القسري» بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974.
وتزامنت الخطوة مع انتهاء رسوم عالمية سابقة بنسبة 10 % كانت مفروضة بموجب المادة 122، ما سمح لواشنطن باستبدال إحدى الأدوات القانونية بأخرى، بدلاً من التخلي عن سياسة الرسوم بعد القيود التي فرضتها المحكمة العليا.
تحقيقات جديدة
ولم تكتف الإدارة بتحقيق «العمل القسري»، بل أطلقت تحقيقاً منفصلاً بموجب المادة 301 يتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، في خطوة قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من الرسوم على مجموعة واسعة من الاقتصادات.
ويشمل التحقيق الاتحاد الأوروبي والصين وسنغافورة وسويسرا والنرويج وإندونيسيا وماليزيا وكمبوديا وتايلاند وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايوان وبنغلاديش والمكسيك واليابان والهند.
وتمنح التحقيقات الإدارة مساحة واسعة للمناورة، إذ يمكن أن تنتهي إلى توصيات بفرض رسوم مرتفعة، أو تتحول إلى أداة ضغط لدفع الدول المستهدفة إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات التجارية.
اتفاقات مهددة
وتثير الاستراتيجية الجديدة تساؤلات حول مصير الاتفاقات التجارية التي أبرمتها إدارة ترامب سابقاً مع عدد من الشركاء، والتي تضمنت التزامات بمعدلات محددة للرسوم الجمركية.
ويؤكد مسؤولون تجاريون أميركيون خلف الكواليس للحلفاء أن الاتفاقات القائمة ستظل سارية، لكن موجة التحقيقات الجديدة أثارت مخاوف الدبلوماسيين من إمكانية تجاوز هذه الاتفاقات عملياً عبر إضافة رسوم جديدة تستند إلى مواد قانونية مختلفة.
ويبرز الاتحاد الأوروبي مثالاً واضحاً على هذه المخاوف، إذ يواجه التكتل رسـومـاً أميركيـة إضافيـة بنسبـة 10 % نتيجة التحقيق المتعلق بـ«العمل القسري»، رغم وجود اتفاق تجاري سابق مع واشنطن.
الهند وأوروبا
وتأتي الهند في مقدمة الملفات الصعبة بالنسبة للمفاوضين الأميركيين، إذ ترى واشنطن أن المحادثات الرامية إلى إبرام اتفاق تجاري معها تتحرك بوتيرة بطيئة وتتطلب جهداً كبيراً.
وفي الوقت نفسه، توجه الإدارة رسائل أكثر صرامة إلى الاتحاد الأوروبي بشأن ما تعتبره حواجز غير جمركية أمام المنتجات والشركات الأميركية، مع استمرار الخلافات حول الرسوم واللوائح التنظيمية.
وانتقد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير بطء الاتحاد الأوروبي في خفض الرسوم والتراجع عن بعض القواعد التنظيمية، ما يزيد احتمالات استخدام التحقيقات التجارية أداة للضغط على بروكسل.
تجربة كندية
وفي كندا، تختبر واشنطن أداة مختلفة تماماً تتمثل في المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، وهي صلاحية لم يسبق استخدامها لفرض رسوم على شريك تجاري.
ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى استخدام المادة لفرض رسوم على واردات كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، رداً على ما تعتبره واشنطن معاملة غير عادلة للسيارات الأميركية والمشروبات الكحولية والجبن.
لكن تطبيق الرسوم عُلّق مؤقتاً لإتاحة الفرصة أمام المحادثات بين إدارة ترامب وفريق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ما يجعل الملف اختباراً مهماً للاستراتيجية الأميركية الجديدة القائمة على الجمع بين التهديد الجمركي والتفاوض.
حسابات الانتخابات
ولا يمكن فصل التحول في السياسة التجارية عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ يدرك البيت الأبيض أن موجة جديدة من الرسوم الواسعة قد تزيد أسعار السلع وتفاقم التضخم في توقيت سياسي شديد الحساسية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط والبنزين يزيد المخاطر أمام الإدارة، ولذلك تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى استخدام الرسوم باعتبارها تهديداً تفاوضياً بدلاً من تطبيقها بصورة فورية وشاملة.
ومع ذلك، تظل الآليات القانونية متاحة لإعادة تصعيد الضغوط على الشركاء إذا فشلت المفاوضات، ما يعني أن الهدوء النسبي في الحرب التجارية لا يمثل بالضرورة نهاية المواجهة، وإنما انتقالاً إلى مرحلة أكثر تنظيماً وحذراً.
الصين تصمد
وفي خلفية هذه التحولات، يظل الاقتصاد الصيني تحدياً رئيسياً للاستراتيجية التجارية الأميركية، بعدما أظهرت صادرات الصين قدرة كبيرة على الصمود أمام سنوات من الرسوم والقيود.
وارتفعت صادرات البلاد بنحو الربع خلال الشهر الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يشير إلى أن محرك التجارة الصيني لا يزال قوياً رغم الضغوط الأميركية.
ويضع ذلك إدارة ترامب أمام معادلة صعبة، إذ تسعى إلى زيادة الضغط على بكين وشركاء آخرين، من دون إشعال موجة جديدة من التضخم أو التسبب في اضطرابات حادة بالأسواق قبل الانتخابات.
ترامب يعيد هندسة
حربه التجارية
لم تنته حرب ترامب التجارية، لكنها تغيرت بصورة واضحة؛ فالرسوم المفاجئة والتهديدات الواسعة أفسحت المجال أمام تحقيقات قانونية معقدة وأدوات تجارية أقل شهرة، يمكن استخدامها لفرض تعريفات جديدة أو انتزاع تنازلات من الشركاء.
وتحاول واشنطن بذلك إبقاء سلاح الرسوم جاهزاً، مع تجنب الصدمات التي قد تضر بالأسواق والمستهلك الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي. وبين القيود القضائية ومخاطر التضخم وصلابة الصادرات الصينية، أصبحت المعركة التجارية أقل صخباً من السابق، لكنها ربما أكثر تعقيداً واتساعاً.