تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تضخم‭ ‬الائتمان‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي

GG.33

لا‭ ‬يقوم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المالي‭ ‬الحديث‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يرتكز‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬وتداولها‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭. ‬وتأتي‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬اللاعب‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬خلق‭ ‬النقود‭ ‬الحديثة،‭ ‬بعدما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬النقود‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬أو‭ ‬الأوراق‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬الذاتية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭ ‬والثقة‭ ‬بالالتزامات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬البنوك‭ ‬والبنوك‭ ‬المركزية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تؤدي‭ ‬البنوك‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬منح‭ ‬القروض‭ ‬للأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحول‭ ‬التزامات‭ ‬المقترضين‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬قابلة‭ ‬للتداول‭ ‬تقترب‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬من‭ ‬النقود‭ ‬ذاتها،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مستويات‭ ‬السيولة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬ويدعم‭ ‬حركة‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاج‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬المنظومة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬البنوك‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬تتخصص‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬السندات‭ ‬وتنظيم‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬وشراء‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬استثمارية‭ ‬جديدة‭ ‬تلائم‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسواق‭ ‬المتغيرة‭. ‬كما‭ ‬تضم‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬البورصات‭ ‬وأسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والسماسرة،‭ ‬الذين‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬تداول‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬وتمويل‭ ‬عمليات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاقتراض‭ ‬بضمان‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭.‬

أسواق‭ ‬مترابطة

وتشمل‭ ‬الشبكة‭ ‬المالية‭ ‬كذلك‭ ‬أسواق‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الذهب‭ ‬والمعادن‭ ‬والمواد‭ ‬الأولية،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬النشاط‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬السلع‭ ‬الفعلية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬المضاربات‭ ‬والعقود‭ ‬المستقبلية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تلعب‭ ‬أسواق‭ ‬العملات‭ ‬الفورية‭ ‬والمستقبلية‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬منظومة‭ ‬متشابكة‭ ‬ومعقدة‭ ‬تدير‭ ‬تدفقات‭ ‬الأموال‭ ‬والاستثمارات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الحديث‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬لحفظ‭ ‬الثروة‭ ‬أو‭ ‬تسهيل‭ ‬تداولها،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬اتجاهاته‭. ‬فكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬تعقيداً‭ ‬واتسعت‭ ‬شبكة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬الموارد‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬لكنه‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطر‭ ‬والاضطرابات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬تطوير‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المالي،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬والاستقلالية،‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬منه‭ ‬قيمته‭ ‬الفعلية‭ ‬ووجوده‭ ‬الأساسي‭.‬
تكشف‭ ‬الأرقام‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬المالي‭ ‬الحديث‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬الهائل‭ ‬بأدوات‭ ‬الدين‭ ‬والمشتقات‭ ‬المالية‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬بلغ‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬47‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وصلت‭ ‬القيمة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬للأسهم‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬51‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬بينما‭ ‬قُدرت‭ ‬قيمة‭ ‬السندات‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬المتداولة‭ ‬بحوالي‭ ‬68‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭. ‬أما‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية،‭ ‬فقد‭ ‬قفز‭ ‬حجمها‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬473‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬عشرة‭ ‬أضعاف‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬آنذاك‭.‬

تضخم‭ ‬المخاطر

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المالي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الأصول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالملكية‭ ‬مثل‭ ‬الأسهم‭ ‬أصبحت‭ ‬تقارب‭ ‬حجم‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬طفيفة،‭ ‬بينما‭ ‬تجاوزت‭ ‬أدوات‭ ‬المديونية‭ ‬كالسندات‭ ‬هذا‭ ‬الناتج‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬النصف‭. ‬أما‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬رهانات‭ ‬مستقبلية‭ ‬والتزامات‭ ‬متراكمة،‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬ضخمة‭ ‬جعلتها‭ ‬مصدراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للمخاطر‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭.‬
وتُعد‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوات‭ ‬تعقيداً‭ ‬وإبهاماً‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضاعف‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬تعثر‭ ‬المدينين‭ ‬أو‭ ‬انهيار‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬الأزمة‭ ‬بسرعة‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانهيارات‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬‮«‬تأثير‭ ‬الدومينو‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬سقوط‭ ‬طرف‭ ‬مالي‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الأسواق‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبرز‭ ‬الثقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬العنصر‭ ‬الأساسي‭ ‬لاستقرار‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬فالاقتصاد‭ ‬المالي‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التوقعات‭ ‬والالتزامات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وأي‭ ‬اهتزاز‭ ‬في‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬أو‭ ‬المؤسسات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخلّف‭ ‬آثاراً‭ ‬متراكمة‭ ‬ومضاعفة‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬والأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

تأثير‭ ‬العولمة

كما‭ ‬ساهمت‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حدة‭ ‬هذه‭ ‬التأثيرات‭ ‬وتعميقها،‭ ‬نتيجة‭ ‬الترابط‭ ‬المتزايد‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬فالتطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والمواصلات‭ ‬جعل‭ ‬انتقال‭ ‬الأموال‭ ‬والمعلومات‭ ‬يتم‭ ‬بصورة‭ ‬فورية‭ ‬تقريباً،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬أكثر‭ ‬تشابكاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬مالية‭ ‬كبرى،‭ ‬مثل‭ ‬نيويورك‭ ‬أو‭ ‬لندن‭ ‬أو‭ ‬طوكيو‭ ‬أو‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬العلاقات‭ ‬المالية‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬ينتقل‭ ‬بين‭ ‬المستثمرين‭ ‬بسرعة‭ ‬تشبه‭ ‬العدوى‭.‬
ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬ترتبط‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بنمو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬تستمد‭ ‬منه‭ ‬قيمتها‭ ‬الأساسية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تظهر‭ ‬عندما‭ ‬يتجاوز‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬الفعلية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يتحول‭ ‬التضخم‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬مؤشر‭ ‬خطر‭ ‬ينذر‭ ‬بحدوث‭ ‬أزمات‭ ‬واضطرابات‭ ‬واسعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجسد‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬حين‭ ‬أدى‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬الائتماني‭ ‬والمشتقات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬انهيارات‭ ‬هزت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

أزمة‭ ‬2008

يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بوصفها‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لاختلال‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المالي،‭ ‬بعدما‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬توسعاً‭ ‬مفرطاً‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بصورة‭ ‬تجاوزت‭ ‬بكثير‭ ‬النمو‭ ‬الفعلي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والإنتاج‭ ‬الحقيقي‭.‬
وانطلقت‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نتيجة‭ ‬تداخل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭ ‬شكّلت‭ ‬معاً‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لانفجار‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭. ‬وتمثل‭ ‬العامل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬المديونية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الرافعة‭ ‬المالية‮»‬‭. ‬فالأصول‭ ‬المالية‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬شكلين‭ ‬رئيسيين‭: ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والديون‭ ‬أو‭ ‬المديونيات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بوجود‭ ‬أصول‭ ‬حقيقية‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬التوسع‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬فيها،‭ ‬فإن‭ ‬المديونيات‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬بلا‭ ‬سقف‭ ‬واضح،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬للتوسع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الإقراض‭ ‬وإصدار‭ ‬أدوات‭ ‬الدين‭.‬
ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬مجرد‭ ‬التزامات‭ ‬فردية‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬مالية‭ ‬قابلة‭ ‬للتداول‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬المالية‭ ‬المتداولة‭ ‬عالمياً‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬وضعت‭ ‬الأنظمة‭ ‬المصرفية‭ ‬والرقابية‭ ‬قواعد‭ ‬تربط‭ ‬حجم‭ ‬الإقراض‭ ‬بحجم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والأصول‭ ‬المملوكة،‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتوسع‭ ‬الائتماني‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬اتفاقيات‭ ‬‮«‬بازل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬قيوداً‭ ‬على‭ ‬نسب‭ ‬الإقراض‭ ‬مقارنة‭ ‬برأس‭ ‬المال‭ ‬والاحتياطيات‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬البنوك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬الرافعة‭ ‬المالية‮»‬‭.‬

مديونية‭ ‬متضخمة

غير‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬عبر‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية،‭ ‬وهي‭ ‬أدوات‭ ‬سمحت‭ ‬بتوليد‭ ‬موجات‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الديون‭ ‬والأدوات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة،‭ ‬فتمثل‭ ‬في‭ ‬تركّز‭ ‬الإقراض‭ ‬داخل‭ ‬قطاعات‭ ‬محددة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬قطاعات‭ ‬متنوعة‭. ‬فإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التنويع،‭ ‬بينما‭ ‬يؤدي‭ ‬تركيز‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬احتمالات‭ ‬الانهيار‭ ‬عند‭ ‬تعرض‭ ‬ذلك‭ ‬القطاع‭ ‬لأي‭ ‬هزة‭. ‬وقد‭ ‬تجسد‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬الرهون‭ ‬العقارية‭ ‬الأميركية،‭ ‬حيث‭ ‬شكّل‭ ‬قطاع‭ ‬العقارات‭ ‬أكبر‭ ‬مجال‭ ‬للإقراض‭ ‬والاقتراض،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بثقافة‭ ‬تملك‭ ‬المنازل‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحلم‭ ‬الأميركي‮»‬‭.‬
ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النشاط‭ ‬المالي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬وشراء‭ ‬الأصول‭ ‬القائمة،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬مستقبلية‭ ‬وأدوات‭ ‬معقدة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الخيارات‮»‬‭ ‬والعقود‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتوقعات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

ضعف‭ ‬الرقابة

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬والأخير،‭ ‬فتمثل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمنتجات‭ ‬المالية‭. ‬فبينما‭ ‬تخضع‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬لرقابة‭ ‬صارمة‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والجهات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬كانت‭ ‬الرقابة‭ ‬أضعف‭ ‬بكثير‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬بنوك‭ ‬الاستثمار‭ ‬وشركات‭ ‬وساطة‭ ‬الرهون‭ ‬العقارية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬المالية‭ ‬المستحدثة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية‭.‬
كما‭ ‬امتدت‭ ‬فجوات‭ ‬الرقابة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬تقييمات‭ ‬مرتفعة‭ ‬شجعت‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تخفيه‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬حقيقية‭. ‬وعندما‭ ‬بدأت‭ ‬حالات‭ ‬التعثر‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري‭ ‬الأميركي،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انكشفت‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬لتتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬محلية‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬هزّت‭ ‬الأسواق‭ ‬والاقتصادات‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

خاتمة‭ ‬المقال

تكشف‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬لعام‭ ‬2008‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المالي،‭ ‬رغم‭ ‬قدرته‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتوفير‭ ‬السيولة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد‭ ‬واسع‭ ‬للاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عندما‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬ويتوسع‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬منضبطة‭. ‬فالإفراط‭ ‬في‭ ‬المديونية،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية،‭ ‬وضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الهشاشة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬المالي‭ ‬والرقابة‭ ‬الفعالة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬دور‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬بؤرة‭ ‬لأزمات‭ ‬تهدد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

رجوع لأعلى