تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي

ZZ.12

اتضح‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬أن‭ ‬للدول‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬جديدة‭ ‬تجاه‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تحميل‭ ‬دافعي‭ ‬الضرائب‭ ‬كامل‭ ‬كلفة‭ ‬عمليات‭ ‬الإنقاذ‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برز‭ ‬اتجاه‭ ‬متزايد‭ ‬نحو‭ ‬إلزام‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬بتحمل‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬بها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬المكافآت‭ ‬والحوافز‭ ‬الممنوحة‭ ‬لمديري‭ ‬البنوك،‭ ‬وإخضاعها‭ ‬لرقابة‭ ‬ومحاسبة‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المساهمين‭ ‬والجهات‭ ‬التنظيمية‭. ‬كما‭ ‬تعززت‭ ‬القناعة‭ ‬بضرورة‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الرقابة‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الانحرافات‭ ‬والمخاطر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬الاقتصاد‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬سعت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬الأسبق‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬وبين‭ ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬تضمن‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭. ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬توفق‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‮»‬‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تحمل‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬حيث‭ ‬دافع‭ ‬غوردون‭ ‬براون‭ ‬عن‭ ‬إصلاحات‭ ‬مشابهة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬اتجهت‭ ‬فيه‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬الرؤية‭ ‬ذاتها‭.‬

توازن‭ ‬مالي

أدى‭ ‬ظهور‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وترسخ‭ ‬مفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬إلى‭ ‬تهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬اللازمة‭ ‬لنشوء‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬سلطة‭ ‬سياسية‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقات‭ ‬وتحمي‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬طرحت‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬ستظل‭ ‬اللاعب‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعدد‭ ‬مراكز‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬وظهور‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬تشارك‭ ‬الدولة‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأسواق‭.‬
لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬ساد‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬مطلقة،‭ ‬وأن‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬الحق‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬خارجي،‭ ‬وهو‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬ترسخ‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬صلح‭ ‬وستفاليا‮»‬‭ ‬وشكل‭ ‬أساس‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬لقرون‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ثم‭ ‬صعود‭ ‬الأنظمة‭ ‬الفاشية‭ ‬والنازية‭ ‬والشيوعية،‭ ‬وما‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬والحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الطرف‭ ‬الوحيد‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وازدياد‭ ‬الترابط‭ ‬العالمي،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬بعينها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهرت‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬السلع‭ ‬العامة‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬تعاوناً‭ ‬دولياً‭ ‬لحمايتها‭ ‬وإدارتها،‭ ‬مثل‭ ‬حفظ‭ ‬السلام،‭ ‬ومنع‭ ‬انتشار‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل،‭ ‬ومكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬وغسل‭ ‬الأموال،‭ ‬والتصدي‭ ‬لتجارة‭ ‬المخدرات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭.‬

سيادة‭ ‬عالمية

كما‭ ‬أسهمت‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬–‭ ‬اليونسكو‮»‬‭ ‬و«منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‮»‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الهيئات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والتنمية‭ ‬والبيئة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬متفاوت‭ ‬الفاعلية‭ ‬بين‭ ‬ملف‭ ‬وآخر،‭ ‬فإن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬نفوذ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬وازدياد‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬التقليدية‭ ‬للدول،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬السيادة‭ ‬حقاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬بالالتزامات‭ ‬والضغوط‭ ‬الدولية‭.‬
وفي‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومدى‭ ‬تأثرها‭ ‬بالمتغيرات‭ ‬العالمية،‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭ ‬باتت‭ ‬تؤثر‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدول،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬الاهتمام‭ ‬العالمي‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭.‬
فحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬شأناً‭ ‬داخلياً‭ ‬يخص‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬ذات‭ ‬بعد‭ ‬عالمي‭ ‬تحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭. ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬منذ‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬لإعلانات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬خلال‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬الدعوات‭ ‬لاحقاً‭ ‬نحو‭ ‬توفير‭ ‬حماية‭ ‬دولية‭ ‬أشمل‭ ‬لهذه‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬احترام‭ ‬حرية‭ ‬العمل،‭ ‬وصون‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية،‭ ‬وضمان‭ ‬حرية‭ ‬التنقل،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ضرورية‭ ‬لعمل‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬الضمانات‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتوازن‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭.‬

حقوق‭ ‬عالمية

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تشكل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬وتسهيل‭ ‬انتقال‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وضمان‭ ‬قابلية‭ ‬العملات‭ ‬الوطنية‭ ‬للتحويل‭ ‬إلى‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ،‭ ‬بل‭ ‬جرى‭ ‬تأسيس‭ ‬مؤسسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬دولية‭ ‬لتطبيقها‭ ‬وتنظيمها،‭ ‬حيث‭ ‬أُنشئ‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬و«البنك‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تأسست‭ ‬لاحقاً‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لتكون‭ ‬الإطار‭ ‬المنظم‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭.‬
وتلتزم‭ ‬الدول‭ ‬المنضمة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬بتبني‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬القيود‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬وتسهيل‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المستثمرين‭ ‬المحليين‭ ‬والأجانب‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يثير‭ ‬مفارقة‭ ‬واضحة،‭ ‬إذ‭ ‬بينما‭ ‬تتسابق‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬التجارة‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬تتزايد‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الأفراد‭ ‬والعمالة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬
وبذلك‭ ‬تبدو‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المطلوبة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬المعاصر‭ ‬موجهة‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬نحو‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬حرية‭ ‬انتقال‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬خاضعة‭ ‬لقيود‭ ‬وتشريعات‭ ‬صارمة‭. ‬فالعالم‭ ‬يدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬إزالة‭ ‬الحواجز‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يواصل‭ ‬تشديد‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الهجرة‭ ‬وتنقل‭ ‬العمال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬

حرية‭ ‬اقتصادية

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬وتسهيل‭ ‬انتقال‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬قواعد‭ ‬المدفوعات‭ ‬والتسويات‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬فكل‭ ‬عملية‭ ‬اقتصادية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬بين‭ ‬بائع‭ ‬ومشترٍ‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬دائن‭ ‬ومدين،‭ ‬تحتاج‭ ‬في‭ ‬نهايتها‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تسوية‭ ‬المدفوعات‭ ‬وضمان‭ ‬استقرار‭ ‬التعاملات‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬أهمية‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
وقد‭ ‬قام‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬أقرته‭ ‬اتفاقية‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1944‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بنظام‭ ‬‮«‬الدولار‭ ‬المرتبط‭ ‬بالذهب‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬عملياً‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬الدولار‭ ‬الورقي‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أصبحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعاني‭ ‬عجزاً‭ ‬متزايداً‭ ‬في‭ ‬ميزانها‭ ‬الجاري‭ ‬وميزان‭ ‬مدفوعاتها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تراجع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬تعويضه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الأميركية‭.‬
وبذلك‭ ‬تحولت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬للعالم،‭ ‬عبر‭ ‬إصدار‭ ‬الدولار‭ ‬بوصفه‭ ‬العملة‭ ‬الرئيسية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يوفر‭ ‬السيولة‭ ‬اللازمة‭ ‬للأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬استفادت‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لتمويل‭ ‬استثماراتها‭ ‬المحلية‭ ‬رغم‭ ‬ضعف‭ ‬المدخرات‭ ‬الداخلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬امتيازات‭ ‬استثنائية‭ ‬شُبهت‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخياً‭ ‬بـ«حقوق‭ ‬الإقطاعي‮»‬‭.‬

نظام‭ ‬نقدي

وظل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستمرار‭ ‬طالما‭ ‬بقي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬ونظامه‭ ‬المالي‭ ‬يحظيان‭ ‬بثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬وجهت‭ ‬ضربة‭ ‬قوية‭ ‬لهذه‭ ‬الثقة،‭ ‬بعدما‭ ‬أدى‭ ‬انهيار‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬الأميركية‭ ‬والأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬ثروات‭ ‬الأفراد‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الدولية،‭ ‬خاصة‭ ‬استثمارات‭ ‬دول‭ ‬الفائض‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬واليابان‭ ‬وألمانيا‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أصولاً‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬مقومة‭ ‬بالدولار‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬الأميركية‭.‬
ورغم‭ ‬اهتزاز‭ ‬الثقة‭ ‬بالدولار‭ ‬نتيجة‭ ‬الأزمة،‭ ‬فإن‭ ‬العملة‭ ‬الأميركية‭ ‬استعادت‭ ‬قوتها‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬اجتماع‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الدولار‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬مخاوف‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬بديل‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الحلول‭ ‬محل‭ ‬العملة‭ ‬الأميركية‭.‬
فالدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والأصول‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬أسواقاً‭ ‬أخرى‭ ‬توفر‭ ‬الحجم‭ ‬والعمق‭ ‬والسيولة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الأسواق‭ ‬الأميركية،‭ ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬رغم‭ ‬تضررها‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الداعمين‭ ‬لاستقرار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬استثماراتها‭ ‬الضخمة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬دفعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬جديدة‭ ‬للمستقبل،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬التدريجي‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬وتنويع‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬الصين،‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬تسجيل‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬ميزانها‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬تدريجية‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى