تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تغير‭ ‬المناخ‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية

تغير‭ ‬المناخ‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية

لم‭ ‬يعد‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬بيئي‭ ‬يرتبط‭ ‬بارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬أو‭ ‬موجات‭ ‬الجفاف‭ ‬والفيضانات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وجيوستراتيجية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وتغيير‭ ‬مواقع‭ ‬النفوذ‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وتهديد‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬والصناعة‭ ‬والغذاء،‭ ‬وفرض‭ ‬معادلات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭.‬
وتكشف‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬القياسية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬والحرائق‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬كندا،‭ ‬والتقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬بين‭ ‬الجفاف‭ ‬والفيضانات‭ ‬والأعاصير‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬أن‭ ‬الظواهر‭ ‬المناخية‭ ‬المتطرفة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬لكن‭ ‬التأثير‭ ‬الأعمق‭ ‬يتجاوز‭ ‬الخسائر‭ ‬المباشرة،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬البنية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والطاقة‭.‬
طريق‭ ‬جديد

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬حيث‭ ‬أطلقت‭ ‬شركة‭ ‬صينية‭ ‬عملية‭ ‬شحن‭ ‬أسبوعية‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«طريق‭ ‬الحرير‭ ‬الجليدي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تقليص‭ ‬زمن‭ ‬ومسافات‭ ‬النقل‭ ‬المعتادة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وأوروبا‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬النصف‭.‬
ولا‭ ‬تمثل‭ ‬الخطوة‭ ‬مجرد‭ ‬محاولة‭ ‬تجارية‭ ‬لاختصار‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية،‭ ‬وإنما‭ ‬تأتي‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬تعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬القطبي‮»‬،‭ ‬أطلقتها‭ ‬الصين‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬بهدف‭ ‬دمج‭ ‬طريق‭ ‬بحر‭ ‬الشمال‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬ذوبان‭ ‬الجليد‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬يتحول‭ ‬مسار‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الصعوبة‭ ‬أمام‭ ‬الملاحة‭ ‬التجارية‭ ‬إلى‭ ‬ممر‭ ‬يحمل‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬متزايدة‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بكين،‭ ‬فإن‭ ‬تطويره‭ ‬يوفر‭ ‬فرصة‭ ‬لإنشاء‭ ‬طرق‭ ‬وسلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬جديدة‭ ‬تكون‭ ‬للصين‭ ‬فيها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬والتحكم‭.‬
ويمنح‭ ‬المسار‭ ‬أيضاً‭ ‬بديلاً‭ ‬لنقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهي‭ ‬ميزة‭ ‬تزداد‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬القائمة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والاضطرابات‭ ‬المناخية‭.‬

أزمة‭ ‬بنما
توضح‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمناخ‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭. ‬فالقناة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عملياتها‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬العذبة‭ ‬واجهت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الجفاف‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2023‭ ‬و2024‭ ‬انخفاضاً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬المياه‭.‬
واضطرت‭ ‬السلطات‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬عدد‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬عبور‭ ‬القناة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬عبرها‭ ‬بنحو‭ ‬32‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق‭.‬
وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬ففي‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬الشركات‭ ‬والدول‭ ‬تركز‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬والإضرابات‭ ‬والتوترات‭ ‬السياسية‭ ‬عند‭ ‬تقييم‭ ‬سلامة‭ ‬طرق‭ ‬التجارة،‭ ‬لكن‭ ‬الجفاف‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬باتا‭ ‬قادرين‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬ممرات‭ ‬استراتيجية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬فتح‭ ‬طرق‭ ‬بحرية‭ ‬جديدة‭ ‬نتيجة‭ ‬ذوبان‭ ‬الجليد‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬يمنح‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬مكاسب‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬فيه‭ ‬ممرات‭ ‬تقليدية‭ ‬لضغوط‭ ‬متزايدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬عاملاً‭ ‬يعيد‭ ‬توزيع‭ ‬المزايا‭ ‬الجغرافية‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭.‬

أنهار‭ ‬أوروبا
المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬البحار‭ ‬والقنوات‭. ‬ففي‭ ‬أوروبا،‭ ‬تعرضت‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬نهري‭ ‬الراين‭ ‬والدانوب‭ ‬لاضطرابات‭ ‬قوية،‭ ‬ووصلت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬إلى‭ ‬التوقف،‭ ‬بعدما‭ ‬دفعت‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬مستويات‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية‭ ‬بصورة‭ ‬استثنائية‭.‬
ويكتسب‭ ‬الأمر‭ ‬أهمية‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبيرة‭ ‬لأن‭ ‬الأنهار‭ ‬الأوروبية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ممرات‭ ‬محلية،‭ ‬بل‭ ‬شرايين‭ ‬لنقل‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬والوقود‭ ‬والمنتجات‭ ‬الصناعية‭ ‬بين‭ ‬الموانئ‭ ‬والمراكز‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وتحول‭ ‬انخفاض‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬وصناعة‭ ‬أيضاً‭. ‬ففي‭ ‬رومانيا،‭ ‬أغلقت‭ ‬محطة‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬نهر‭ ‬الدانوب‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التبريد،‭ ‬بينما‭ ‬توقفت‭ ‬شركات‭ ‬لصناعة‭ ‬السيارات،‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬فورد‮»‬‭ ‬و«داسيا‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬الإنتاج‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الطاقة‭.‬
وكانت‭ ‬المجر‭ ‬قريبة‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬الاضطرار‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬باكس‮»‬‭ ‬النووية،‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬المرتفعة‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬الأوروبية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬تزامن‭ ‬الطلب‭ ‬المرتفع‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬قدرة‭ ‬بعض‭ ‬المحطات‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭.‬

أمن‭ ‬الطاقة
يمتد‭ ‬الخطر‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتراجع‭ ‬مستويات‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أكبر‭ ‬خزانات‭ ‬البحيرات‭ ‬قرب‭ ‬نهر‭ ‬كولورادو،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهرومائية‭.‬
وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬قضية‭ ‬أمن‭ ‬طاقة‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ظاهرة‭ ‬بيئية‭. ‬فالجفاف‭ ‬يقلل‭ ‬المياه‭ ‬اللازمة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الكهرباء،‭ ‬بينما‭ ‬تدفع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬المرتفعة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬التبريد‭ ‬والطاقة‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ضغطاً‭ ‬مزدوجاً‭ ‬على‭ ‬الشبكات‭ ‬الكهربائية‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تثير‭ ‬موجات‭ ‬الجفاف‭ ‬مخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬انخفاض‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬عالمياً،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬قد‭ ‬تنتقل‭ ‬تداعياته‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬التضخم‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وأسعار‭ ‬الأصول‭.‬
ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تتزايد‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬المصطلحات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمناخ‭ ‬خلال‭ ‬مكالمات‭ ‬إعلان‭ ‬نتائج‭ ‬الشركات‭ ‬الأوروبية‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬والشركات‭ ‬باتوا‭ ‬ينظرون‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬الحرارة‭ ‬والجفاف‭ ‬والفيضانات‭ ‬باعتبارها‭ ‬متغيرات‭ ‬مالية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتكاليف‭ ‬والأرباح‭.‬

صراع‭ ‬قطبي
أعمق‭ ‬التحولات‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬جيوسياسياً‭. ‬فالقطب‭ ‬الشمالي‭ ‬الذي‭ ‬يذوب‭ ‬تدريجياً‭ ‬بات‭ ‬يحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬ودول‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا،‭ ‬بينما‭ ‬تعزز‭ ‬الصين‭ ‬حضورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭.‬
ويخلق‭ ‬ظهور‭ ‬ممرات‭ ‬تجارية‭ ‬جديدة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬ساحة‭ ‬منافسة‭ ‬مختلفة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭. ‬كما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأميركي‭ ‬المتزايد‭ ‬بغرينلاند،‭ ‬التي‭ ‬اكتسب‭ ‬موقعها‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬المناخية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬القطبية‭.‬
وتواجه‭ ‬أوروبا‭ ‬معادلة‭ ‬مشابهة،‭ ‬لأن‭ ‬اضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والنقل‭ ‬النهري‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قضية‭ ‬تكاليف‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرة‭ ‬القارة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والتجارية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬
أما‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا،‭ ‬فتبدو‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬تعرضاً‭ ‬لمخاطر‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬بسبب‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬والكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬العالية‭ ‬على‭ ‬السواحل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الفيضانات‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬البحار‭ ‬والطقس‭ ‬المتطرف‭ ‬عوامل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬أضرار‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واسعة‭.‬

مكاسب‭ ‬الصين
في‭ ‬المقابل،‭ ‬بنت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمنحها‭ ‬أفضلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الذي‭ ‬يتشكل‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭. ‬فقد‭ ‬عززت‭ ‬صناعاتها‭ ‬البحرية‭ ‬وقدراتها‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬السفن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬ثقلاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬العالمية‭.‬
والميزة‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭. ‬فمع‭ ‬انتقال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬نحو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬النظيفة،‭ ‬تمتلك‭ ‬بكين‭ ‬موقعاً‭ ‬متقدماً‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬التحول‭.‬
وتنتج‭ ‬الصين‭ ‬حصة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬وخلايا‭ ‬بطاريات‭ ‬الليثيوم‭ ‬عالمياً،‭ ‬كما‭ ‬بنت‭ ‬نفوذاً‭ ‬قوياً‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬الضرورية‭ ‬لتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة،‭ ‬وكذلك‭ ‬للصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والتكنولوجية‭.‬
وهذه‭ ‬السيطرة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬مالي‭ ‬ونقدي‭ ‬أيضاً‭. ‬فقد‭ ‬ساهم‭ ‬وصول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬وفيرة‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وصعود‭ ‬الدولار‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فيما‭ ‬يطرح‭ ‬الانتقال‭ ‬الأخضر‭ ‬احتمال‭ ‬امتلاك‭ ‬الصين‭ ‬بعض‭ ‬المزايا‭ ‬المماثلة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

تسعير‭ ‬المخاطر
رغم‭ ‬ضخامة‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬مخاطر‭ ‬المناخ‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬تقييماتها‭. ‬ويرى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬البريطاني‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬أنتوني‭ ‬هوبلي‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬قرارات‭ ‬الاستثمار‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتخذ‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭.‬
ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالضرورة‭ ‬بإنكار‭ ‬الظاهرة،‭ ‬وإنما‭ ‬بوجود‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬البيانات‭ ‬المناخية‭ ‬ولغة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬فحتى‭ ‬مع‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬لمعايير‭ ‬البيئة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والحوكمة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬آليات‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭ ‬والفرص‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمناخ‭ ‬محدودة‭ ‬نسبياً‭.‬
ومن‭ ‬المشكلات‭ ‬الأساسية‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين‭ ‬يعتمد‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬دورات‭ ‬قصيرة‭ ‬تمتد‭ ‬12‭ ‬شهراً،‭ ‬بينما‭ ‬تحتاج‭ ‬المخاطر‭ ‬المناخية‭ ‬إلى‭ ‬تقديرات‭ ‬تمتد‭ ‬لعقود‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬معدلات‭ ‬الخصم‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬المشروعات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬قد‭ ‬تقلص‭ ‬حسابياً‭ ‬قيمة‭ ‬الخسائر‭ ‬المستقبلية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ظلت‭ ‬المخاطر‭ ‬الفعلية‭ ‬قائمة‭.‬
وعندما‭ ‬توضع‭ ‬مخاطر‭ ‬المناخ‭ ‬ضمن‭ ‬سيناريو‭ ‬لعام‭ ‬2050،‭ ‬فإن‭ ‬استخدام‭ ‬معدلات‭ ‬الخصم‭ ‬التقليدية‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬أثر‭ ‬الخسائر‭ ‬البعيدة‭ ‬يبدو‭ ‬صغيراً‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬الحالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤخر‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬وفق‭ ‬الحجم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للخطر‭.‬

رجوع لأعلى