تغير المناخ يعيد رسم طرق التجارة العالمية
لم يعد تغير المناخ مجرد ملف بيئي يرتبط بارتفاع درجات الحرارة أو موجات الجفاف والفيضانات، بل أصبح قوة اقتصادية وجيوستراتيجية قادرة على إعادة رسم طرق التجارة العالمية، وتغيير مواقع النفوذ بين الدول، وتهديد إنتاج الطاقة والصناعة والغذاء، وفرض معادلات جديدة على الأسواق المالية.
وتكشف موجات الحر القياسية في أوروبا، والحرائق الواسعة في شمال كندا، والتقلبات الحادة بين الجفاف والفيضانات والأعاصير في آسيا، أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي. لكن التأثير الأعمق يتجاوز الخسائر المباشرة، ليصل إلى إعادة تشكيل البنية التي تقوم عليها التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة.
طريق جديد
أحد أبرز الأمثلة يظهر في القطب الشمالي، حيث أطلقت شركة صينية عملية شحن أسبوعية عبر ما يعرف بـ«طريق الحرير الجليدي»، في خطوة من شأنها تقليص زمن ومسافات النقل المعتادة بين الصين وأوروبا إلى نحو النصف.
ولا تمثل الخطوة مجرد محاولة تجارية لاختصار الرحلات البحرية، وإنما تأتي ضمن استراتيجية أوسع تعرف باسم «طريق الحرير القطبي»، أطلقتها الصين بالتعاون مع روسيا عام 2017، بهدف دمج طريق بحر الشمال في مبادرة «الحزام والطريق».
ومع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي، يتحول مسار كان شديد الصعوبة أمام الملاحة التجارية إلى ممر يحمل قيمة اقتصادية واستراتيجية متزايدة. وبالنسبة إلى بكين، فإن تطويره يوفر فرصة لإنشاء طرق وسلاسل إمداد جديدة تكون للصين فيها قدرة أكبر على التأثير والتحكم.
ويمنح المسار أيضاً بديلاً لنقاط الاختناق التقليدية في التجارة العالمية، وهي ميزة تزداد أهميتها في عالم أصبحت فيه الممرات البحرية القائمة أكثر عرضة للصراعات السياسية والاضطرابات المناخية.
أزمة بنما
توضح قناة بنما كيف يمكن للمناخ أن يتحول مباشرة إلى مشكلة للتجارة العالمية. فالقناة التي تعتمد عملياتها على كميات كبيرة من المياه العذبة واجهت خلال فترة الجفاف بين عامي 2023 و2024 انخفاضاً حاداً في مستويات المياه.
واضطرت السلطات نتيجة ذلك إلى تحديد عدد السفن التي تستطيع عبور القناة، ما أدى إلى انخفاض حجم التجارة عبرها بنحو 32 % مقارنة بالعام السابق.
وتكشف هذه الأزمة عن تحول مهم في مفهوم المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد. ففي الماضي، كانت الشركات والدول تركز بصورة أساسية على الحروب والإضرابات والتوترات السياسية عند تقييم سلامة طرق التجارة، لكن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة باتا قادرين أيضاً على تعطيل ممرات استراتيجية.
وفي المقابل، فإن فتح طرق بحرية جديدة نتيجة ذوبان الجليد في الشمال يمنح بعض الدول مكاسب استراتيجية في الوقت الذي تتعرض فيه ممرات تقليدية لضغوط متزايدة، وهو ما يجعل تغير المناخ عاملاً يعيد توزيع المزايا الجغرافية بين الاقتصادات.
أنهار أوروبا
المشكلة لا تقتصر على البحار والقنوات. ففي أوروبا، تعرضت حركة الشحن عبر نهري الراين والدانوب لاضطرابات قوية، ووصلت في بعض المناطق إلى التوقف، بعدما دفعت موجات الحر مستويات المياه إلى مستويات متدنية بصورة استثنائية.
ويكتسب الأمر أهمية اقتصادية كبيرة لأن الأنهار الأوروبية ليست مجرد ممرات محلية، بل شرايين لنقل المواد الخام والوقود والمنتجات الصناعية بين الموانئ والمراكز الاقتصادية.
وتحول انخفاض المياه إلى أزمة طاقة وصناعة أيضاً. ففي رومانيا، أغلقت محطة للطاقة النووية تعتمد على مياه نهر الدانوب في عمليات التبريد، بينما توقفت شركات لصناعة السيارات، بينها «فورد» و«داسيا»، عن الإنتاج للمساهمة في توفير الطاقة.
وكانت المجر قريبة كذلك من الاضطرار إلى إغلاق محطة «باكس» النووية، ما يوضح أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة قد يضغط على شبكات الكهرباء الأوروبية، خصوصاً إذا تزامن الطلب المرتفع على الطاقة مع تراجع قدرة بعض المحطات على الإنتاج.
أمن الطاقة
يمتد الخطر نفسه إلى الولايات المتحدة، حيث تتراجع مستويات المياه في بعض أكبر خزانات البحيرات قرب نهر كولورادو، الأمر الذي يهدد إنتاج الطاقة الكهرومائية.
وهنا يصبح تغير المناخ قضية أمن طاقة وليس مجرد ظاهرة بيئية. فالجفاف يقلل المياه اللازمة لإنتاج الكهرباء، بينما تدفع درجات الحرارة المرتفعة الطلب على التبريد والطاقة إلى الارتفاع، ما يخلق ضغطاً مزدوجاً على الشبكات الكهربائية.
وفي الوقت نفسه، تثير موجات الجفاف مخاوف بشأن انخفاض المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وهو تطور قد تنتقل تداعياته سريعاً إلى التضخم والسياسة النقدية وأسعار الأصول.
ولذلك لم يعد غريباً أن تتزايد الإشارات إلى المصطلحات المرتبطة بالمناخ خلال مكالمات إعلان نتائج الشركات الأوروبية. فالمستثمرون والشركات باتوا ينظرون تدريجياً إلى الحرارة والجفاف والفيضانات باعتبارها متغيرات مالية يمكن أن تؤثر في الإنتاج والتكاليف والأرباح.
صراع قطبي
أعمق التحولات قد يكون جيوسياسياً. فالقطب الشمالي الذي يذوب تدريجياً بات يحظى باهتمام متزايد في الولايات المتحدة وكندا ودول شمال أوروبا، بينما تعزز الصين حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة بالتعاون مع روسيا.
ويخلق ظهور ممرات تجارية جديدة بالقرب من روسيا ساحة منافسة مختلفة بين القوى الكبرى. كما يساعد على تفسير الاهتمام الأميركي المتزايد بغرينلاند، التي اكتسب موقعها أهمية أكبر مع التحولات المناخية والاقتصادية في المنطقة القطبية.
وتواجه أوروبا معادلة مشابهة، لأن اضطرابات سلاسل الإمداد والنقل النهري لم تعد قضية تكاليف فقط، وإنما ترتبط أيضاً بقدرة القارة على تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي في ظل الضغوط السياسية والتجارية القادمة من الصين والولايات المتحدة.
أما جنوب آسيا، فتبدو من أكثر المناطق تعرضاً لمخاطر تغير المناخ بسبب موقعها الجغرافي والكثافة السكانية العالية على السواحل، ما يجعل الفيضانات وارتفاع مستويات البحار والطقس المتطرف عوامل قادرة على إحداث أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة.
مكاسب الصين
في المقابل، بنت الصين خلال السنوات الماضية عناصر قوة يمكن أن تمنحها أفضلية في الاقتصاد الذي يتشكل تحت تأثير تغير المناخ. فقد عززت صناعاتها البحرية وقدراتها الضخمة في بناء السفن، وهو ما يمنحها ثقلاً كبيراً في الخدمات اللوجستية العالمية.
والميزة الصينية لا تتوقف عند النقل البحري. فمع انتقال الاقتصاد العالمي تدريجياً من الوقود الأحفوري نحو التكنولوجيا النظيفة، تمتلك بكين موقعاً متقدماً في الصناعات المرتبطة بهذا التحول.
وتنتج الصين حصة كبيرة من السيارات الكهربائية وخلايا بطاريات الليثيوم عالمياً، كما بنت نفوذاً قوياً في سلاسل توريد العديد من المعادن الأرضية النادرة الضرورية لتقنيات الطاقة النظيفة، وكذلك للصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
وهذه السيطرة قد تتحول من قوة صناعية إلى نفوذ مالي ونقدي أيضاً. فقد ساهم وصول الولايات المتحدة إلى مصادر وفيرة ومنخفضة التكلفة من الطاقة في دعم نموها الاقتصادي وصعود الدولار خلال القرن العشرين، فيما يطرح الانتقال الأخضر احتمال امتلاك الصين بعض المزايا المماثلة خلال القرن الحادي والعشرين.
تسعير المخاطر
رغم ضخامة هذه التحولات، لا تزال الأسواق المالية في المراحل الأولى من إدخال مخاطر المناخ بصورة كاملة في تقييماتها. ويرى الاستراتيجي البريطاني المتخصص في تغير المناخ أنتوني هوبلي أن معظم قرارات الاستثمار لا تزال تتخذ كما لو أن تغير المناخ لا يحدث.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بإنكار الظاهرة، وإنما بوجود فجوة بين البيانات المناخية ولغة رأس المال. فحتى مع الانتشار الواسع لمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة، لا تزال آليات تسعير المخاطر والفرص المرتبطة بالمناخ محدودة نسبياً.
ومن المشكلات الأساسية أن قطاع التأمين يعتمد عادة على دورات قصيرة تمتد 12 شهراً، بينما تحتاج المخاطر المناخية إلى تقديرات تمتد لعقود. كما أن معدلات الخصم المستخدمة في تقييم المشروعات الرأسمالية قد تقلص حسابياً قيمة الخسائر المستقبلية، حتى لو ظلت المخاطر الفعلية قائمة.
وعندما توضع مخاطر المناخ ضمن سيناريو لعام 2050، فإن استخدام معدلات الخصم التقليدية قد يجعل أثر الخسائر البعيدة يبدو صغيراً في الحسابات الاستثمارية الحالية، وهو ما يؤخر إعادة توجيه رؤوس الأموال وفق الحجم الحقيقي للخطر.