تفاؤل الاتفاق يُعيد الزخم لبورصة الكويت
شهدت بورصة الكويت خلال شهر مايو 2026 حالة من الأداء المتباين بين مؤشراتها الرئيسية، في ظل استمرار ترقب المستثمرين لمسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن اتفاق شامل لإنهاء التوترات والحرب التي ألقت بظلالها على اقتصادات وأسواق المنطقة خلال الأشهر الماضية.
ورغم أن شهر أبريل الماضي حمل موجة تفاؤل قوية انعكست بشكل مباشر على أداء الأسهم الكويتية بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، فإن شهر مايو اتسم بدرجة أعلى من الحذر والضبابية نتيجة تضارب التصريحات السياسية، وعودة الخلافات بشأن بعض بنود الاتفاق النهائي، وهو ما دفع شريحة واسعة من المستثمرين إلى تبني سياسة الترقب وتقليص المراكز الاستثمارية لحين اتضاح الرؤية.
ومع ذلك، فقد شهدت الجلستان الأخيرتان من الشهر تحولاً ملحوظاً في معنويات السوق، بعد تصريحات إيجابية صدرت عن الإدارة الأمريكية والوسطاء المشاركين في المحادثات، أكدت إحراز تقدم كبير في الملفات العالقة واقتراب التوصل إلى تفاهمات نهائية، الأمر الذي أعاد النشاط إلى العديد من الأسهم القيادية والتشغيلية، وقلّص جانباً مهماً من خسائر السوق المسجلة خلال الأسابيع الماضية.
ويعكس هذا الأداء مدى ارتباط بورصة الكويت خلال الفترة الحالية بالعامل النفسي والتطورات الجيوسياسية، إذ أصبحت حركة المؤشرات مرتبطة بصورة مباشرة بأي تصريحات أو تسريبات تتعلق بمستقبل الاتفاق، في وقت لا تزال فيه السيولة الاستثمارية تبحث عن محفزات أكثر استقراراً للعودة بقوة إلى السوق.
تراجع محدود
وعلى مستوى الأداء الشهري، أظهرت الإحصائيات تسجيل تراجع محدود في مؤشري السوق الأول والعام، مقابل ارتفاع واضح في مؤشرات السوق الرئيسي، بما يعكس استمرار النشاط المضاربي والانتقائي على الأسهم المتوسطة والصغيرة.
وانخفض مؤشر السوق الأول خلال مايو بنحو 0.83 % فاقداً 77.52 نقطة، ليغلق تعاملاته عند مستوى 9304.29 نقطة، متأثراً بعمليات جني الأرباح والضغوط التي تعرضت لها الأسهم القيادية في معظم جلسات الشهر.
كما تراجع مؤشر السوق العام بنسبة 0.51 % تعادل 45.24 نقطة، ليغلق عند مستوى 8815.12 نقطة مقارنة بإغلاق أبريل الماضي.
في المقابل، تمكن مؤشر السوق الرئيسي من تحقيق ارتفاع بنسبة 1.11 % تعادل 95.44 نقطة، ليصل إلى 8666.04 نقطة، مدعوماً بالنشاط المضاربي وتحسن التداولات على عدد من الأسهم الصغيرة والمتوسطة.
وكان الأداء الأقوى من نصيب مؤشر “الرئيسي 50” الذي ارتفع بنسبة 2.90% بما يعادل 271.53 نقطة، مغلقاً عند مستوى 9632.69 نقطة، في إشارة إلى انتقال جزء من السيولة نحو الأسهم التشغيلية المتوسطة ذات التقييمات الجاذبة.
التقلبات السياسية
ويؤكد الأداء المتذبذب الذي شهدته البورصة خلال مايو أن العامل السياسي والجيوسياسي لا يزال المحرك الرئيسي لقرارات المستثمرين خلال المرحلة الحالية، خاصة مع ارتباط المنطقة بمفاوضات حساسة تتعلق بأمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
ففي الوقت الذي كانت الأسواق تستعد فيه لاستكمال موجة الصعود التي بدأت عقب وقف إطلاق النار، جاءت التصريحات المتضاربة حول بعض الملفات العالقة لتُعيد حالة القلق إلى المتداولين، ما انعكس على مستويات السيولة واتجاهات المحافظ الاستثمارية.
ويرى مراقبون أن السوق الكويتي ما زال يمتلك أساسيات قوية وفرصاً تشغيلية جيدة، إلا أن المستثمرين يفضلون حالياً الانتظار لحين اتضاح الصورة السياسية بصورة كاملة، خصوصاً أن أي اتفاق شامل قد يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية أجنبية أكبر خلال النصف الثاني من العام.
السيولة تتراجع
وعكست بيانات التداولات استمرار الحذر بالسوق، إذ شهدت السيولة والكميات والصفقات تراجعاً ملحوظاً مقارنة بشهر أبريل الماضي.
وبلغت كمية الأسهم المتداولة خلال مايو نحو 8.21 مليار سهم، بانخفاض نسبته 8.88 %، فيما تراجعت السيولة بنسبة 12.32 % لتصل إلى 1.85 مليار دينار.
كما انخفض عدد الصفقات المنفذة بنحو 19.47% ليبلغ 452.86 ألف صفقة، ما يعكس تراجع شهية التداول لدى شريحة من المستثمرين، خاصة في ظل غياب المحفزات الاقتصادية المباشرة خلال معظم جلسات الشهر.
ويرتبط انخفاض السيولة أيضاً بترقب نتائج المحادثات السياسية، إضافة إلى انتهاء موسم الإفصاحات المالية للربع الأول، والذي عادة ما يُعيد ترتيب أولويات المحافظ والصناديق الاستثمارية.
القيمة السوقية
وعلى مستوى القيمة السوقية، فقد سجلت بورصة الكويت تراجعاً محدوداً خلال مايو، إذ انخفضت القيمة السوقية الإجمالية إلى 52.79 مليار دينار، مقارنة بـ53.06 مليار دينار بنهاية أبريل، بخسائر بلغت نحو 267 مليون دينار تعادل 0.50 %.
ورغم هذا التراجع، فإن السوق استطاع الحفاظ على معظم مكاسبه التي حققها خلال الأشهر الماضية، وهو ما يعكس وجود قناعة استثمارية بأن التراجعات الحالية مرتبطة بعوامل مؤقتة أكثر من كونها مرتبطة بضعف اقتصادي أو مالي داخلي.
قطاعياً، تباين أداء قطاعات البورصة خلال مايو، إذ تراجعت 6 قطاعات مقابل ارتفاع 7 قطاعات أخرى.
وجاء قطاع التكنولوجيا في صدارة القطاعات الرابحة بارتفاع قوي بلغ 67.75 %، مستفيداً من النشاط المضاربي والزخم الذي شهدته بعض الأسهم المرتبطة بالتحول الرقمي والخدمات التقنية.
في المقابل، تصدر قطاع السلع الاستهلاكية قائمة التراجعات بعد انخفاضه بنسبة 7.22 %، متأثراً بعمليات البيع وتراجع النشاط على عدد من الأسهم الاستهلاكية.
كما شهدت قطاعات أخرى أداءً متبايناً بين الصعود المحدود والتراجع النسبي، في ظل اختلاف توجهات المستثمرين وتوزيع السيولة بين الأسهم التشغيلية والمضاربية.
نتائج الشركات
ومن العوامل التي أثرت أيضاً على أداء البورصة خلال مايو، انتهاء فترة الإفصاح عن نتائج الربع الأول من عام 2026، والتي أظهرت تراجعاً واضحاً في أرباح الشركات المدرجة.
ووفق البيانات المعلنة، فقد انخفض صافي أرباح الشركات المدرجة بنسبة 49.39 % على أساس سنوي، ليبلغ نحو 365.22 مليون دينار، وهو ما شكّل عامل ضغط إضافياً على السوق، خاصة بالنسبة للأسهم القيادية التي تعتمد بصورة أساسية على نمو الأرباح والتوزيعات.
ورغم ذلك، يرى محللون أن جزءاً من هذا التراجع يرتبط بظروف استثنائية صاحبت الحرب والتوترات الإقليمية، إضافة إلى تأثيرات انخفاض النشاط الاقتصادي في بعض القطاعات خلال الفترة الماضية.
مراجعات المؤشرات
كما شهد شهر مايو عدداً من التطورات المرتبطة بالمؤشرات العالمية، والتي انعكست على أداء بعض الأسهم المدرجة.
ومن أبرز تلك التطورات إعلان إدراج شركة العملية للطاقة ضمن مؤشر فوتسي راسل للشركات الصغيرة، في خطوة من المتوقع أن تدعم تدفقات السيولة الأجنبية على السهم خلال الفترة المقبلة.
في المقابل، أعلنت مراجعات مؤشر مورجان ستانلي خروج شركة شمال الزور الأولى للطاقة والمياه من المؤشر، الأمر الذي انعكس على حركة السهم والتداولات المرتبطة به.
وتُعد مثل هذه المراجعات عاملاً مؤثراً في السوق الكويتي، نظراً لارتباطها بحركة المحافظ الأجنبية والصناديق الاستثمارية العالمية.
الاتفاق المرتقب
تتجه الأنظار حالياً نحو شهر يونيو، الذي يُتوقع أن يكون حاسماً في تحديد الاتجاه المقبل لبورصة الكويت وأسواق المنطقة بشكل عام.
ويرى مراقبون أن نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتوصل إلى اتفاق شامل سيمنح الأسواق دفعة قوية، عبر إعادة الاستقرار الجيوسياسي وعودة التركيز نحو الأساسيات الاقتصادية والمشاريع التنموية.
كما أن عودة الملاحة بصورة طبيعية في مضيق هرمز واستقرار صادرات النفط من شأنهما تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين النظرة المستقبلية للقطاعات التشغيلية، خصوصاً البنوك والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.
ومن المتوقع أيضاً أن تسهم أي تهدئة شاملة في جذب تدفقات أجنبية جديدة إلى السوق الكويتي، في ظل جاذبية التقييمات الحالية والفرص المرتبطة بالمشاريع الحكومية الكبرى.