تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنافس‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصينية‭ ‬يصنع‭ ‬طفرة‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية

تنافس‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصينية‭ ‬يصنع‭ ‬طفرة‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية

يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ثمرة‭ ‬للدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬المركزي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬مساراً‭ ‬مختلفاً،‭ ‬إذ‭ ‬لعب‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬ولادة‭ ‬مئات‭ ‬الشركات‭ ‬وتوسيع‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬منتج‭ ‬عالمي،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬خلق‭ ‬فائضاً‭ ‬في‭ ‬المعروض‭ ‬بات‭ ‬يثير‭ ‬تحديات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تضم‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬140‭ ‬علامة‭ ‬تجارية‭ ‬تنتج‭ ‬مركبات‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة،‭ ‬تشمل‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬بالكامل‭ ‬والهجينة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬شديدة‭ ‬التنافس‭ ‬والتشرذم،‭ ‬ودفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسواق‭ ‬خارجية‭ ‬لتصريف‭ ‬إنتاجها‭.‬
وجاء‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الصادرات‭ ‬الصينية‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬تدفق‭ ‬السيارات‭ ‬الصينية‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬يهدد‭ ‬الصناعات‭ ‬الأوروبية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬نجحت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬حضورها‭ ‬بالقارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬مبيعاتها‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬مبيعات‭ ‬السيارات‭ ‬اليابانية،‭ ‬رغم‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬قبل‭ ‬عامين‭.‬

الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬تقود‭ ‬التحول

لم‭ ‬تكن‭ ‬الطفرة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬قطاع‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬نتاج‭ ‬خطة‭ ‬مركزية‭ ‬موحدة،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬تنافس‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وخلق‭ ‬الوظائف‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإيرادات،‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬ممول‭ ‬وشريك‭ ‬وداعم‭ ‬مباشر‭ ‬لشركات‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬مناطقها‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬كانت‭ ‬تفضل‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬دعم‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬السيارات‭ ‬الحكومية‭ ‬الكبرى،‭ ‬فإن‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬شركات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لبناء‭ ‬صناعات‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬
واعتمد‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬والتسهيلات‭ ‬والدعم‭ ‬الإداري‭ ‬للشركات‭ ‬الناشئة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المصنعين‭ ‬الذين‭ ‬دخلوا‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬

فائض‭ ‬إنتاج‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬السوق

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬مثل‭ ‬BYD‭ ‬وجيلي‭ ‬وشيري،‭ ‬فإنه‭ ‬أدى‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬لتصبح‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬سيارات‭ ‬تفوق‭ ‬حجم‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭.‬
وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬اتجهت‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أوروبا،‭ ‬لتصريف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الخلافات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬بكين‭ ‬وبروكسل،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مخاوف‭ ‬أوروبية‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الواردات‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬الصناعة‭ ‬المحلية‭.‬
كما‭ ‬انعكس‭ ‬فائض‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬إذ‭ ‬أعلنت‭ ‬مرسيدس‭-‬بنز‭ ‬تراجع‭ ‬تسليماتها‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الثاني‭ ‬بنسبة‭ ‬8‭%‬،‭ ‬فيما‭ ‬خفضت‭ ‬بي‭ ‬إم‭ ‬دبليو‭ ‬توقعاتها‭ ‬للأرباح،‭ ‬بينما‭ ‬أبدت‭ ‬فولكس‭ ‬واجن‭ ‬مخاوف‭ ‬متزايدة‭ ‬بشأن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تنافسيتها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭.‬

شراكات‭ ‬محلية‭ ‬صنعت‭ ‬
كبار‭ ‬المصنعين

ولعبت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬الكبرى،‭ ‬بعدما‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭.‬
فقد‭ ‬تأسست‭ ‬شيري‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬ووهو،‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬توجيه‭ ‬استثماراتها‭ ‬نحو‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات،‭ ‬بينما‭ ‬استفادت‭ ‬جيلي‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬حكومة‭ ‬مقاطعة‭ ‬تشجيانغ،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وسعت‭ ‬BYD‭ ‬نشاطها‭ ‬عبر‭ ‬شراكات‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭.‬
ومنح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬مرونة‭ ‬أكبر‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬التقليدية،‭ ‬ما‭ ‬ساعدها‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتوسع‭ ‬بسرعة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬منافسين‭ ‬عالميين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭.‬

لماذا‭ ‬يصعب‭ ‬تقليص‭ ‬فائض‭ ‬الإنتاج؟

ورغم‭ ‬تراجع‭ ‬هوامش‭ ‬الربحية‭ ‬واحتدام‭ ‬المنافسة،‭ ‬فإن‭ ‬سوق‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشهد‭ ‬دخول‭ ‬شركات‭ ‬جديدة‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬خروج‭ ‬الشركات‭ ‬المتعثرة‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬دخلت‭ ‬23‭ ‬علامة‭ ‬تجارية‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬السوق،‭ ‬مقابل‭ ‬خروج‭ ‬تسع‭ ‬علامات‭ ‬فقط‭.‬
ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تمسك‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬بالشركات‭ ‬العاملة‭ ‬داخل‭ ‬مناطقها،‭ ‬نظراً‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬وتنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قرارات‭ ‬الإغلاق‭ ‬أو‭ ‬الاندماج‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬فائض‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالدعم‭ ‬الحكومي،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬حصيلة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬لبناء‭ ‬قواعد‭ ‬صناعية‭ ‬مستقلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الحالية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬سريعة‭.‬

رجوع لأعلى