توترات إيران تربك وول ستريت رغم صمود التكنولوجيا
شهدت الأسهم الأمريكية جلسة متقلبة أعادت إلى الأذهان مدى حساسية الأسواق المالية للتطورات الجيوسياسية، بعدما طغت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن انتهاء الاتفاق المؤقت مع إيران على الزخم الذي وفرته نتائج قطاع التكنولوجيا. وبينما واصل المستثمرون الرهان على شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، فإن تصاعد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط دفع المتعاملين إلى تقليص المخاطر، لتغلق المؤشرات الرئيسية على أداء متباين.
وجاءت هذه التحركات في وقت كانت فيه الأسواق تستعد لمواصلة موجة الصعود التي قادتها أسهم التكنولوجيا خلال الأيام الماضية، إلا أن التطورات السياسية دفعت المستثمرين إلى التحول سريعاً نحو الأصول الأقل مخاطرة، وهو ما حدّ من مكاسب السوق وأعاد التقلبات إلى الواجهة.
ويؤكد هذا المشهد أن الأسواق العالمية لم تعد تتحرك وفق نتائج الشركات أو البيانات الاقتصادية فقط، بل أصبحت التطورات السياسية والعسكرية قادرة على تغيير اتجاه التداولات خلال ساعات، خصوصاً عندما ترتبط بإمدادات الطاقة أو الاستقرار الجيوسياسي.
ويرى محللون أن تزايد ارتباط الأسواق بالأحداث السياسية يعكس حساسية المستثمرين لأي تطورات قد تؤثر في سلاسل الإمداد العالمية أو معدلات التضخم، وهو ما يجعل ردود الفعل أكثر سرعة مقارنة بما كان عليه الحال في السنوات الماضية.
انعكاس مفاجئ
بدأت جلسة التداول وسط أجواء إيجابية مدعومة بقطاع التكنولوجيا، إلا أن تصريحات ترامب خلال قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا قلبت المشهد سريعاً، بعدما أعلن أن الاتفاق المؤقت الرامي إلى إنهاء الحرب مع إيران «انتهى»، مؤكداً أنه غير مهتم بإجراء محادثات إضافية مع طهران، ومحذراً من احتمال تنفيذ هجمات أمريكية جديدة.
وأعادت هذه التصريحات حالة عدم اليقين إلى الأسواق، بعدما كانت الآمال تتزايد بإمكانية استمرار المسار الدبلوماسي بين الجانبين، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية.
كما دفعت هذه التصريحات مديري المحافظ الاستثمارية إلى زيادة مستويات التحوط، وسط توقعات بأن تبقى الأسواق شديدة الحساسية لأي تصريحات أو تحركات عسكرية جديدة خلال الفترة المقبلة.
أداء متباين
انعكست هذه التطورات على أداء مؤشرات وول ستريت، إذ تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.3 % ليغلق عند 7481 نقطة، بينما هبط مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1.12 % فاقداً نحو 592 نقطة.
في المقابل، تمكن مؤشر ناسداك من إنهاء الجلسة على ارتفاع طفيف بلغ 0.19 %، مستفيداً من الأداء القوي لأسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، وهو ما حد من خسائر السوق بشكل عام.
ويبرز هذا التباين استمرار انقسام المستثمرين بين التخارج من القطاعات الأكثر حساسية للمخاطر والاحتفاظ بالأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي ما زالت تحظى بتوقعات نمو قوية على المدى الطويل.
التكنولوجيا تصمد
ورغم موجة الحذر، حافظت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية على قوتها، بعدما قفز سهم برودكوم بدعم إعلان أبل عزمها إنفاق أكثر من 30 مليار دولار ضمن اتفاقية توريد رقائق إلكترونية تم توقيعها مع الشركة في وقت سابق من الأسبوع.
ويعكس هذا الاتفاق استمرار الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ويؤكد أن الطلب على الرقائق المتقدمة لا يزال قوياً رغم التقلبات السياسية والاقتصادية.
كما عززت هذه الصفقة قناعة المستثمرين بأن شركات تصنيع الرقائق ستظل من أبرز المستفيدين من سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، في ظل التوسع المستمر في إنشاء مراكز البيانات وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويرى خبراء أن شركات الرقائق أصبحت تمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الجديد، الأمر الذي يجعل أداءها أقل تأثراً بالتقلبات قصيرة الأجل مقارنة بعدد من القطاعات التقليدية.
النفط يقفز
وفي المقابل، جاءت أكبر ردود الفعل في سوق الطاقة، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية بنسبة 5.2 % عقب تصريحات ترامب، وسط مخاوف من اتساع نطاق التوترات في منطقة الخليج واحتمال تعرض إمدادات النفط العالمية لمزيد من المخاطر. ويعد الشرق الأوسط أحد أهم مصادر إنتاج النفط في العالم، ولذلك تنعكس أي تطورات عسكرية أو سياسية في المنطقة سريعاً على أسعار الخام، وهو ما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن، وهو ما قد ينعكس على أرباح الشركات ويؤثر في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.
السندات تتأثر
وامتدت حالة القلق إلى سوق السندات الأمريكية، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة مع تعرضها لموجة بيع، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تقييم توقعاتهم بشأن التضخم وأسعار الفائدة.
ويؤدي ارتفاع أسعار النفط عادة إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمات الأسهم، خاصة في القطاعات الحساسة للفائدة.
كما يرفع استمرار العوائد المرتفعة تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والأفراد، وهو ما قد يبطئ وتيرة الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي إذا استمرت هذه الظروف لفترة طويلة.
معادلة معقدة
وتعكس تحركات الأسواق الحالية وجود عاملين متناقضين يتحكمان في اتجاه المستثمرين.
فمن جهة، لا تزال شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تقدم فرص نمو قوية مدعومة بالاستثمارات الضخمة في الرقائق ومراكز البيانات، ومن جهة أخرى، تفرض التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة حالة من عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى التحوط وتقليص المخاطر.
ولهذا السبب أصبحت جلسات التداول أكثر تقلباً، مع انتقال الأسواق سريعاً بين التفاؤل والحذر تبعاً لتطورات الأخبار، وهو ما يفسر الارتفاع الواضح في مستويات التذبذب داخل السوق الأمريكية.
ترقب مستمر
وتترقب الأسواق خلال الأيام المقبلة أي تطورات جديدة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، لما لها من تأثير مباشر على أسعار النفط، والتضخم، وأسواق السندات، وبالتالي على اتجاه الأسهم الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، يواصل المستثمرون متابعة نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى لمعرفة مدى قدرتها على تحويل الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح ملموسة، في وقت أصبحت فيه الأسواق أكثر تشدداً في تقييم خطط النمو المستقبلية.
كما يراقب المستثمرون عن كثب البيانات الاقتصادية الأمريكية المقبلة، وخاصة مؤشرات التضخم وسوق العمل، بحثاً عن إشارات قد تحدد المسار المتوقع للسياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.