توترات هرمز تدفع النفط لأعلى مستوياته
قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في نحو ثلاثة أسابيع، مع عودة المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة العوامل المحركة للأسواق، بعدما تصاعد التوتر الإقليمي على خلفية الخلاف بين الإمارات وإيران، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن مستقبل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ نحو ستة أشهر. وجاء الصعود الجديد ليؤكد أن أسواق الطاقة لا تزال شديدة الحساسية لأي تطورات يمكن أن تهدد حركة الإمدادات، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم شرايين تجارة النفط العالمية.
وارتفعت العقود الآجلة لمزيج «برنت» تسليم أكتوبر بنسبة 0.9 % لتصل إلى 91.81 دولار للبرميل بحلول الساعة 10:49 صباحاً بتوقيت لندن، مواصلة مكاسبها لليوم الرابع على التوالي، بينما صعدت عقود خام «غرب تكساس» الوسيط تسليم سبتمبر، التي تنتهي الخميس، بنسبة 1.1 % إلى 85.85 دولار للبرميل. كما ارتفعت عقود أكتوبر الأكثر تداولاً بنسبة 1.2 % إلى 85.03 دولار، في إشارة إلى اتساع نطاق القلق في السوق وعدم اقتصاره على العقود الأقرب أجلاً.
توتر إقليمي
وجاءت موجة الارتفاع بعدما أعلنت الإمارات قطع جميع العلاقات الاقتصادية مع إيران، إثر اتهامها طهران بإطلاق صاروخين باليستيين على أراضيها، وهو تطور رفع مستوى المخاوف من اتساع دائرة المواجهة وانعكاسها بصورة مباشرة على منشآت الطاقة وطرق الشحن في الخليج. ويضيف هذا التصعيد طبقة جديدة من المخاطر إلى سوق تعاني بالفعل من اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وفي الوقت نفسه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، عدم وجود محادثات جارية مع طهران، بينما بقي الخلاف بشأن وضع مضيق هرمز من دون تسوية واضحة. وأدى غياب مؤشرات على انفراجة سياسية قريبة إلى تعزيز علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار الخام، إذ بات المتعاملون يراقبون بصورة أكبر قدرة ناقلات النفط على عبور المنطقة وليس فقط التصريحات السياسية والدبلوماسية الصادرة عن الأطراف المختلفة.
أسعار مرتفعة
وكان النفط قد سجل ارتفاعات قوية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط أواخر فبراير، ما أضاف ضغوطاً تضخمية جديدة على الاقتصاد العالمي. وتزامن ذلك مع استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على قطاع الطاقة، خصوصاً بعد الهجمات التي طالت مصافي ومنشآت وأسهمت في زيادة شح الإمدادات.
ولا تقتصر الأزمة على النفط الخام، إذ ارتفعت أسعار المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل، بوتيرة تفوق صعود الخام نفسه. وتنعكس هذه الزيادة مباشرة على تكاليف النقل البري والشحن والزراعة والقطاع الصناعي، ما يجعل أثر ارتفاع الطاقة أوسع من مجرد زيادة تكلفة الوقود بالنسبة للمستهلكين، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط على أسعار السلع والخدمات.
وترى بريانكا ساتشديفا، رئيسة رؤى الأسواق لدى «فيليب نوفا»، أن المرحلة التالية من تحرك النفط قد تكون مرتبطة بدرجة أقل بظهور عنوان سياسي أو عسكري دراماتيكي جديد، وبدرجة أكبر بمخاوف المتعاملين من الوقوف على الجانب الخطأ من حركة التجارة الفعلية. ويعني ذلك أن السوق بدأت تركز بصورة متزايدة على تدفقات البراميل وحركة الناقلات ومستويات المخزون.
شح الديزل
وتبدو سوق الديزل العالمية أكثر تأثراً من غيرها بالتطورات الراهنة، مع تعطل جزء من التدفقات القادمة من الشرق الأوسط وتعليق موسكو صادراتها. وأدى هذا النقص إلى قفزة غير مسبوقة في هوامش التكرير، إذ تجاوز هامش إنتاج الديزل من النفط الخام في الولايات المتحدة مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى على الإطلاق.
وفي أوروبا، تضاعفت العقود الآجلة لزيت الغاز بأكثر من مرتين منذ بداية العام، ما يعكس حجم الاختلال بين العرض والطلب. ويكتسب الديزل أهمية اقتصادية خاصة لارتباطه المباشر بالنقل والشاحنات والآلات الزراعية والصناعة، ولذلك فإن استمرار ارتفاعه قد يترك تأثيراً أكثر وضوحاً على معدلات التضخم مقارنة بارتفاع أسعار الخام وحده.
كما يعني اتساع هوامش التكرير أن تكلفة الطاقة الحقيقية التي يتحملها الاقتصاد أصبحت أعلى بكثير مما يوحي به سعر برميل الخام الذي يدور حول 90 دولاراً، إذ يدفع المستهلك النهائي تكلفة إضافية نتيجة نقص المنتجات المكررة وارتفاع مصروفات النقل والتأمين والتكرير.
مخزونات هابطة
وفي الولايات المتحدة، قدمت بيانات المخزونات دعماً إضافياً للأسعار، بعدما أظهرت تقديرات معهد البترول الأميركي انخفاضاً متواضعاً في مخزونات الخام على مستوى البلاد، بما يشمل مركز كوشينغ في ولاية أوكلاهوما، وهو نقطة التسليم الرئيسية للعقود الآجلة لخام غرب تكساس.
كما أشارت التقديرات إلى تراجع مخزونات نواتج التقطير التي تضم الديزل، الأمر الذي يزيد حساسية السوق لأي اضطراب جديد في الإمدادات. ويترقب المستثمرون البيانات الرسمية لتحديد ما إذا كان الانخفاض يمثل اتجاهاً مستمراً أم حركة مؤقتة، لكن تزامنه مع المخاطر الجيوسياسية وشح المنتجات المكررة يوفر دعماً واضحاً للأسعار في الوقت الراهن. ويضع انخفاض المخزون السوق أمام معادلة أكثر تعقيداً، لأن قدرة الولايات المتحدة على امتصاص صدمات الإمدادات تصبح أكثر أهمية عندما تتراجع المخزونات التجارية في الوقت الذي تواجه فيه طرق الشحن الرئيسية مخاطر متزايدة.
تضخم عالمي
ويثير صعود النفط والديزل مخاوف تتجاوز أسواق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي، إذ يمكن لاستمرار الأسعار المرتفعة أن يعرقل جهود البنوك المركزية لاحتواء التضخم. فارتفاع تكلفة الوقود ينتقل تدريجياً إلى أسعار النقل والإنتاج والمواد الغذائية والسلع المصنعة، ما قد يدفع الشركات إلى تحميل المستهلكين جزءاً من الزيادة.
وتصبح هذه المخاطر أكثر حساسية إذا استمر خام برنت بالقرب من 90 دولاراً أو تجاوزها لفترة طويلة، لأن الاقتصادات المستوردة للطاقة ستواجه ارتفاعاً في فواتير الواردات، بينما قد تتضرر هوامش أرباح الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وفي المقابل، تستفيد الدول والشركات المنتجة للنفط من تحسن الإيرادات، ما يعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين من موجة الأسعار الجديدة.
السوق يترقب مسار الإمدادات الفعلية
وتبقى حركة النفط خلال المرحلة المقبلة رهناً بمدى تحول المخاطر السياسية والعسكرية إلى اضطرابات فعلية وممتدة في الإمدادات. فإذا استمرت الناقلات في تغيير مساراتها أو تزايدت الحوادث الأمنية حول مضيق هرمز، فقد تواجه السوق ضغوطاً إضافية تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، خصوصاً مع شح الديزل وتراجع المخزونات الأميركية.
أما إذا هدأت التوترات واستعادت حركة الشحن قدراً أكبر من الانتظام، فقد تتراجع علاوة المخاطر التي تراكمت في الأسعار خلال الجلسات الأخيرة. لكن استمرار غياب تسوية سياسية للحرب، والخلاف بين الإمارات وإيران، وتعطل بعض تدفقات الطاقة الروسية، كلها عوامل تجعل احتمالات الهبوط الحاد محدودة في الوقت الحالي. ولذلك تبدو الأسواق أمام مرحلة يصبح فيها عدد الناقلات التي تعبر الممرات الحيوية وكميات الخام والوقود التي تصل فعلياً إلى المشترين أكثر تأثيراً على الأسعار من التصريحات السياسية وحدها.