توقعات الغد تصنع أزمات الاقتصاد اليوم
قد تبدأ الأزمة الاقتصادية قبل أن تتراجع المبيعات أو تنخفض الرواتب أو تتوقف المصانع عن الإنتاج، إذ يكفي أحياناً أن يتوقع المستهلكون والشركات مستقبلاً أكثر صعوبة حتى تتغير قراراتهم المالية، فتتراجع المشتريات وتتجمد الاستثمارات وتبدأ عمليات تسريح الموظفين. وهذه العلاقة بين توقعات المستقبل والقرارات الاقتصادية الحالية تمثل جوهر الأبحاث التي تناولها الاقتصاديان روبرت هال، الأستاذ بجامعة ستانفورد، ومايكل وودفورد، الأستاذ بجامعة كولومبيا، في أعمالهما المتعلقة بالاستهلاك والسياسة النقدية وتقلبات النشاط الاقتصادي.
وتوضح هذه الأبحاث أن الاقتصاد لا يتحرك استجابة للأموال المتاحة اليوم فقط، بل يتأثر أيضاً بما يتوقع الأفراد والشركات الحصول عليه أو دفعه خلال السنوات المقبلة. ومن هنا، تصبح الثقة في المستقبل عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء والتوظيف والاقتراض والاستثمار، حتى قبل حدوث أي تغير فعلي في الدخل أو أسعار الفائدة.
الراتب المنتظر
تخيل موظفاً يتقاضى 20 ألف ريال شهرياً، وأبلغته شركته في أكتوبر أن راتبه سيرتفع بصورة دائمة إلى 22 ألف ريال ابتداءً من يناير. ورغم أن الزيادة لم تدخل حسابه المصرفي بعد، فقد يقرر شراء أثاث جديد بالتقسيط، اعتماداً على تحسن دخله المتوقع خلال السنوات المقبلة.
في المقابل، إذا حصل الموظف نفسه على مكافأة استثنائية تبلغ 12 ألف ريال، فقد يفضل ادخار معظمها بدلاً من زيادة إنفاقه الشهري بصورة دائمة، لأن المكافأة المؤقتة لا توفر المصدر المستمر نفسه للتمويل.
ويعكس هذا المثال ما يعرف اقتصادياً بفرضية الدخل الدائم، التي تفترض أن قرارات الاستهلاك ترتبط بالدخل المتوقع على المدى الطويل، وليس فقط بالدخل الذي يحصل عليه الفرد خلال شهر معين.
وفي بحث نشره عام 1978، ربط روبرت هال هذه الفرضية بمفهوم التوقعات العقلانية، الذي يقوم على استخدام الأفراد المعلومات المتاحة عند اتخاذ قراراتهم الاقتصادية.
ووفق النموذج، فإن المعلومات المعروفة مسبقاً عن الدخل المستقبلي قد تنعكس على الإنفاق فور الإعلان عنها، بينما تصبح المفاجآت غير المتوقعة العامل الأهم في تفسير التغيرات اللاحقة في الاستهلاك.
لكن هذا التصور يواجه قيوداً عملية، أبرزها عدم قدرة بعض الأسر على الاقتراض أو افتقارها إلى المدخرات، ما يجعلها مضطرة إلى انتظار وصول الأموال فعلياً قبل زيادة إنفاقها.
وأظهرت دراسات عن استردادات الضرائب الأميركية عام 2001 أن الأسر أنفقت ما بين 20 % و40 % من المبالغ المستردة على سلع غير معمرة خلال ثلاثة أشهر، وكانت الاستجابة أكبر لدى الأسر التي تواجه قيوداً على السيولة.
وتؤكد هذه النتائج أن التوقعات تؤثر في الاستهلاك، لكنها لا تلغي أهمية توفر الأموال والتمويل عند اتخاذ قرارات الشراء.
قرارات الاستثمار
أما الشركات، فتواجه حسابات أكثر تعقيداً عند اتخاذ قرارات التوسع، لأن شراء المعدات وتوظيف العمال والحصول على القروض يرتبط بتوقعات تمتد لسنوات.
فصاحب مصنع للأثاث يفكر في شراء ماكينة جديدة لا يكتفي بالنظر إلى حجم الطلب الحالي، بل يدرس المبيعات المتوقعة وتكاليف التمويل والأجور وأسعار المواد الأولية خلال العمر التشغيلي للمعدات.
وهنا تبرز إسهامات مايكل وودفورد، الذي قدم في كتابه «الفائدة والأسعار» الصادر عام 2003 إطاراً يربط قرارات الأسر والشركات بالسياسة النقدية، مع مراعاة أن الأسعار لا تستجيب دائماً بصورة فورية للتغيرات الاقتصادية.
ويعرف هذا المفهوم باسم «جمود الأسعار»، ويعني أن بعض الشركات تحتفظ بأسعار منتجاتها لفترات محددة، حتى عندما تتغير تكاليف الإنتاج أو ظروف السوق.
ويساعد هذا الجمود في تفسير قدرة السياسة النقدية على التأثير في الإنتاج والتوظيف، وليس في مستويات الأسعار وحدها.
كما تركز نماذج وودفورد على الفائدة الحقيقية المتوقعة، التي تعبر بصورة مبسطة عن الفرق بين سعر الفائدة الاسمي والتضخم المتوقع.
فعندما تبلغ الفائدة الاسمية 5 %، ويصل التضخم المتوقع إلى 2 %، تكون الفائدة الحقيقية التقريبية 3 %.
ولا تتوقف قرارات الاستثمار على هذا المعدل في الوقت الحاضر، بل تتأثر أيضاً بمسار الفائدة المتوقع خلال السنوات المقبلة.
قوة الوعود
تكتسب التوقعات أهمية أكبر عندما تنخفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، بينما يظل الاقتصاد يعاني ضعف النشاط والاستثمار.
وفي هذه الحالة، تصبح قدرة البنك المركزي على تحفيز الاقتصاد من خلال خفض إضافي للفائدة محدودة، ما يدفعه إلى استخدام أدوات أخرى للتأثير في توقعات المستثمرين والمستهلكين.
ومن أبرز هذه الأدوات «التوجيه المستقبلي»، الذي يعتمد على إعلان البنك المركزي نواياه بشأن مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وفي 9 أغسطس 2011، أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين صفر و0.25 %، وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية قد تبرر استمرارها عند مستويات منخفضة حتى منتصف عام 2013 على الأقل.
وكان الهدف من هذه الرسالة التأثير في توقعات الأسواق بشأن تكلفة التمويل المستقبلية، بما يساعد على تشجيع الإنفاق والاستثمار.
الثقة بالمستقبل تحرك اقتصاد الحاضر
تكشف هذه الأبحاث أن فعالية السياسات الاقتصادية لا تعتمد فقط على حجم الإنفاق الحكومي أو مستوى أسعار الفائدة، بل ترتبط أيضاً بمدى اقتناع الأفراد والشركات باستمرار تلك السياسات وقدرتها على تحقيق أهدافها.
فإذا توقع المستهلكون تحسن دخولهم، فقد يزيدون إنفاقهم، وإذا وثقت الشركات باستقرار الطلب وتكاليف التمويل، فقد توسع استثماراتها وتوظيفها.
أما عندما تسود توقعات سلبية، فقد تتحول المخاوف نفسها إلى عامل يضعف النشاط الاقتصادي، حتى قبل تحقق أسبابها.
وهكذا تصبح إدارة التوقعات وبناء الثقة جزءاً أساسياً من أدوات الاستقرار الاقتصادي، لأن القرارات التي يتخذها المستهلكون والمستثمرون اليوم تتأثر إلى حد كبير بالمستقبل الذي يتصورونه.