حينما يضيع أداء المجلس بين زحمة العضويات وقلة التفرغ
في ظل التحولات المتسارعة في بيئة الأعمال وتعاظم متطلبات الرقابة والامتثال، برزت الحوكمة المؤسسية كإطار أساسي يحدد كيفية إدارة المؤسسات وتوجيهها وضمان كفاءتها واستدامتها. ولم تعد الحوكمة مجرد مبادئ نظرية، بل أصبحت منظومة متكاملة تربط بين مسؤوليات مجالس الإدارة وآليات اتخاذ القرار، ومستويات الشفافية والإفصاح، إضافة إلى أدوات قياس الأداء وتقييم النتائج. ومن هنا تأتي أهمية هذا الطرح في تسليط الضوء على أبرز ملامح الحوكمة ودورها في تعزيز فعالية المؤسسات ورفع قدرتها على تحقيق أهدافها بكفاءة واستدامة.
تتمثل مسؤوليات مجلس الإدارة وفق النظام الأميركي في اختيار إدارة المؤسسة والإشراف على أدائها، إلى جانب متابعة الأداء المالي وضمان الاستخدام الأمثل لرأس المال بما يعزز كفاءة تخصيص الموارد. كما يمتد دور المجلس ليشمل تعزيز المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة، ومتابعة مدى التزام الشركة بالقوانين واللوائح التنظيمية المعمول بها.
أما وفقاً للجنة كادبوري البريطانية، فإن مسؤوليات مجلس الإدارة تركز على تقييم ومراجعة أداء المؤسسة بصورة دورية، ووضع الاستراتيجية العامة ومتابعة تنفيذها، إضافة إلى الاستفادة من الكفاءات والخبرات المتاحة داخل المؤسسة بما يدعم جودة القرار وفعالية الحوكمة.
التحديات المحتملة
يعقد مجلس الإدارة أربعة اجتماعات سنوياً وفقاً للائحة حوكمة المؤسسات، كما يمكن عقده بدعوة من رئيس المجلس أو بناءً على طلب عضوين من أعضائه. ويتم توجيه الدعوة إلى الأعضاء قبل الاجتماع بخمسة أيام على الأقل، بينما يُرسل جدول الأعمال خلال فترة كافية تسبق الاجتماع لضمان الاطلاع والتحضير. ويُشترط لصحة انعقاد الاجتماع حضور نصف أعضاء المجلس على الأقل.
وفي حال وجود موضوعات غير مطروحة أو لم يُبت فيها، أو اختلاف في وجهات النظر بين الأعضاء، فإنه يتم توثيق ذلك في محضر اجتماع مجلس الإدارة مع بيان الإجراءات المتخذة بشأنه، بما يعكس مبدأ الشفافية وضبط الحوكمة.
أما فيما يتعلق بالمشكلات المحتملة التي قد تواجه مجلس الإدارة، فتتمثل في صعوبة وضع آليات ومعايير دقيقة لتقييم أداء الإدارة، إضافة إلى انشغال بعض الأعضاء في عضويات متعددة بمؤسسات أخرى بما قد يؤثر على درجة التفرغ. كما قد تؤثر كِبَر حجم المجلس على مستوى فاعليته، إلى جانب إشكاليات تتعلق باستقلالية بعض الأعضاء المستقلين أو عدم الالتزام الكامل بشروط الاستقلال. ومن التحديات أيضاً تفاوت الخبرات والمؤهلات لدى بعض أعضاء المجلس في مجال نشاط المؤسسة.
اختصاصات رئيس المجلس
يُعد رئيس مجلس الإدارة المسؤول الأول عن المجلس وعن المؤسسة، حيث يتولى رئاسة اجتماعات المجلس والإشراف على أعماله وتكليف الأعضاء بمهامهم ومتابعة أدائهم. كما تشمل مهامه إعداد جدول أعمال اجتماعات المجلس ومناقشته، مع الإشارة إلى أن هذه الأعمال يتم التخطيط لها واعتمادها في بداية العام بما يعزز استمرارية العمل المؤسسي ضمن إطار حوكمة واضح ومنظم.
كما تشمل اختصاصاته ترؤس اجتماعات الجمعية العامة لمساهمي المؤسسة أو تفويض أحد أعضاء مجلس الإدارة للقيام بذلك عند الحاجة، إلى جانب التصديق على قرارات مجلس الإدارة أو تفويض من ينوب عنه، بما يضمن استمرارية اتخاذ وتنفيذ القرارات دون تعطيل.
ويمتد دور رئيس المجلس إلى تشجيع أعضاء مجلس الإدارة على ممارسة مهامهم بفاعلية والمشاركة الكاملة في أعمال المجلس وأنشطته، بما يعزز من جودة العمل الجماعي داخل إطار الحوكمة المؤسسية. كما يمثل المؤسسة أمام الغير وفقاً لما ينص عليه نظام المؤسسات ولوائحه التنفيذية والنظام الأساسي، مع ضمان وجود قنوات تواصل فعّالة مع المساهمين تتيح نقل آرائهم وملاحظاتهم إلى مجلس الإدارة بصورة منظمة.
وفي إطار الالتزام بالحوكمة، يحرص رئيس مجلس الإدارة على التحقق من اتباع جميع القوانين واللوائح والتعاميم الصادرة عن الجهات الحكومية، إضافة إلى ضمان الالتزام بالنظام الأساسي للمؤسسة. كما يشرف على تشكيل اللجان المنبثقة عن المجلس بما يدعم توزيع الأدوار وتعزيز الرقابة الداخلية.
ويشمل دوره أيضاً العمل بشكل متواصل على تطوير المجلس ورفع كفاءته، من خلال تعزيز مهارات الأعضاء وزيادة مستوى الوعي لديهم، إلى جانب ترسيخ ثقافة المشاركة والعمل الجماعي بما ينعكس إيجاباً على فعالية الحوكمة.
الإفصاح والشفافية
تُعدّ الشفافية والإفصاح من أهم مبادئ الحوكمة، ويُعد غيابهما من أبرز أسباب تراجع أداء المؤسسات أو تعثرها. ويتجلى الإفصاح، خصوصاً فيما يتعلق بمكافآت أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، من خلال توضيح سياسة المكافآت وآلية تحديدها داخل المؤسسة، بما يضمن وضوح الإطار الحاكم لها.
كما يتطلب الإفصاح عرضاً دقيقاً وشفافاً للمكافآت الممنوحة في تقارير مجلس الإدارة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وتشمل المنافع والمزايا مهما كان نوعها، دون أي إخفاء أو تضليل. إضافة إلى ذلك، يتم توضيح العلاقة بين المكافآت والسياسة المعتمدة، مع بيان أي انحرافات جوهرية عن هذه السياسة، بما يعزز الثقة ويكرّس مبادئ الإفصاح والشفافية.
الفكر الإداري
أما مفهوم الأداء، فقد تعددت محاولات تعريفه بدقة، حيث يُنظر إليه باعتباره درجة تحقيق الأفراد أو المؤسسات للأهداف المخططة بكفاءة وفاعلية. كما يُعرّف أيضاً بأنه مجموعة من المعايير المناسبة للقياس والتقييم، التي تمكّن الباحثين من إصدار حكم موضوعي على الأنشطة والنتائج، بما في ذلك أثر المؤسسة على بيئتها الخارجية.
ويُلاحظ من هذه التعريفات وجود اختلاف في زاوية التناول، حيث يربط أحدها الأداء بمدى تحقيق الأهداف، بما يعني أن مستوى الأداء يتحدد بحجم الفجوة بين ما تم التخطيط له وما تم تحقيقه فعلياً؛ فكلما اتسعت هذه الفجوة انخفض مستوى الأداء، وكلما تقلصت ارتفع. وبذلك يرتبط الأداء ارتباطاً مباشراً بكل من الفاعلية والكفاءة بوصفهما معيارين أساسيين لقياس نجاح المؤسسات.
بناءً على ما تقدم من تعريفات، يمكن القول إن الأداء يُعرّف بأنه القدرة على تحقيق الأهداف المحددة بأقل قدر ممكن من الفاقد في الموارد المتاحة والمستهلكة، وهو ما يعكس توازناً بين تحقيق النتائج واستثمار الموارد بكفاءة. ومن هذا المنطلق، يتضح أن الأداء يقوم على عنصرين أساسيين متكاملين هما الفاعلية المرتبطة بمدى تحقيق الأهداف، والكفاءة المرتبطة بتقليل التكاليف والالتزام بالمقاييس والمعايير المعتمدة. وفي ضوء هذا التحليل، يمكن اعتبار الأداء المتميز هو ذلك الأداء الذي ينجح في خلق قيمة مضافة مقدمة للسوق بأقل تكلفة ممكنة، بما يعزز القدرة التنافسية للمؤسسة واستدامة نتائجها.
أما الكفاءة، فيمكن النظر إليها بوصفها تحقيق أكبر عائد ممكن مقابل أقل استخدام ممكن للموارد، أي الحفاظ على التكاليف عند أدنى مستوياتها الممكنة مقابل تعظيم العوائد، بما يعكس الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة داخل المؤسسة.
المؤسسات الحديثة
وفيما يتعلق بقياس الأداء، تسعى الحكومات الحديثة إلى مواكبة التطورات المتسارعة من خلال تبني أساليب إدارة الأداء الحكومي المستلهمة من منهجيات القطاع الخاص، بهدف تحسين جودة الخدمات المقدمة ورفع كفاءتها. ويأتي ذلك في ظل تحديات متعددة أبرزها تزايد حاجات المجتمع وتنوعها، وتعدد الأهداف المؤسسية، إضافة إلى ندرة الموارد والتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي دفعت الدول إلى التنافس على جذب الاستثمارات عبر تهيئة بيئات تنظيمية واستثمارية جاذبة. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن الجهود التنظيمية المخططة الهادفة إلى تحقيق التحسين المستمر والتميز والاستجابة لعوامل التنافسية تُعرف بمفهوم إدارة التميز.
ومن خلال القياس الكمي للأداء، تستطيع المؤسسات الحصول على معلومات دقيقة حول منتجاتها وخدماتها وعملياتها التشغيلية، حيث يُعد قياس الأداء منهجية أساسية لفهم وإدارة وتحسين الأعمال داخل المنظمات. كما يتيح هذا القياس تحديد مدى قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها، وتوضيح مجالات التحسين المطلوبة لتطوير الأداء، إضافة إلى تقييم مدى صحة المسار التشغيلي الذي تتبعه المنظمة، وقياس مستوى رضا العملاء، فضلاً عن توفير بيانات تدعم الرقابة الفعالة على العمليات.
وتُعد هذه البيانات أساساً رئيسياً لاتخاذ القرارات داخل المؤسسة، حيث تسهم نظم قياس الأداء في تقييم مدى نجاح الاستراتيجية المعتمدة، من خلال اختيار مجموعة من المؤشرات التي تعكس توجهات المؤسسة وعوامل نجاحها الحالية والمستقبلية. ومن خلال تطوير هذه المؤشرات، تستطيع المؤسسة تعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها، مما يجعل نظم قياس الأداء أداة محورية في دعم تنفيذ الاستراتيجية.
كما يتوقف نجاح الإدارة بشكل كبير على فعالية نظام قياس الأداء ونتائجه، إذ كلما كان النظام أكثر دقة وقوة، انعكس ذلك إيجاباً على مستوى الأداء المؤسسي. ويُعد تطوير وتنفيذ نظام فعال لقياس الأداء شرطاً أساسياً لتحقيق التميز المؤسسي، لما له من دور في تحديد عوامل النجاح الرئيسية، وتشخيص المجالات التي تحتاج إلى تحسين. لذلك فإن تحديد متطلبات القياس السليم والاعتماد على مؤشرات مناسبة ومرتبطة بنظام قياس الأداء يُعد عاملاً حاسماً في نجاح المؤسسة أو تعثرها.