خام برنت يتراجع إلى 94.28 دولار بعد موجة صعود قوية
شهدت أسواق النفط العالمية بداية أسبوع حافلة بالتقلبات، بعدما تحولت الأسعار نحو التراجع خلال تعاملات الثلاثاء عقب المكاسب القوية التي سجلتها في الجلسة السابقة، في وقت يواصل فيه المستثمرون والمتعاملون مراقبة التطورات السياسية والأمنية المرتبطة بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي باتت تمثل العامل الأكثر تأثيراً في اتجاهات السوق خلال المرحلة الحالية.
وجاء هذا التراجع بعد يوم واحد فقط من صعود حاد تجاوزت نسبته 5 في المئة لكل من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، وهو ارتفاع عكس حجم القلق الذي يسيطر على الأسواق بشأن أمن الإمدادات في منطقة الخليج العربي، ولا سيما مع استمرار التركيز على مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
حركة الأسعار
انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 70 سنتاً، أو ما يعادل 0.74 %، لتصل إلى 94.28 دولار للبرميل خلال التداولات الصباحية، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 66 سنتاً، أو 0.72 %، لتستقر عند 91.50 دولار للبرميل.
ورغم هذا التراجع المحدود نسبياً، فإن الأسعار لا تزال تحافظ على جزء كبير من المكاسب التي حققتها في الجلسة السابقة، الأمر الذي يعكس استمرار حالة الحذر لدى المستثمرين وعدم اقتناعهم بأن المخاطر الجيوسياسية قد تراجعت بشكل كامل.
ويشير محللون إلى أن الحركة الحالية للأسعار لا تمثل تحولاً جذرياً في اتجاه السوق، بقدر ما تعكس عمليات إعادة تقييم للمخاطر بعد موجة ارتفاع سريعة، إضافة إلى قيام بعض المستثمرين بجني الأرباح بعد المكاسب الكبيرة التي تحققت خلال فترة قصيرة.
ترقب المفاوضات
لا تزال المفاوضات الأميركية الإيرانية تتصدر اهتمامات المتعاملين في سوق النفط، حيث ينظر إليها باعتبارها العامل القادر على تغيير معادلة الأسعار بشكل سريع سواء صعوداً أو هبوطاً.
ففي حال تحقيق تقدم ملموس في هذه المحادثات، قد تنخفض المخاوف المرتبطة بالإمدادات وتبدأ علاوة المخاطر الجيوسياسية بالتراجع تدريجياً، ما يفتح المجال أمام هبوط إضافي للأسعار. أما إذا تعثرت المفاوضات أو شهدت انتكاسات جديدة، فقد تعود الأسواق إلى تسعير سيناريوهات أكثر تشدداً، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً.
وكانت الأسواق قد شهدت خلال الأسابيع الماضية حالة من التذبذب الحاد نتيجة التغير المستمر في التصريحات الصادرة عن مختلف الأطراف، وهو ما جعل المستثمرين يتعاملون بحذر شديد مع أي تطورات جديدة أو إشارات سياسية مرتبطة بالملف الإيراني.
رسائل متباينة
ساهمت التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيادة حالة الضبابية التي تسيطر على الأسواق، بعدما أشار في مقابلة إعلامية إلى أن إنهاء المحادثات ليس من أولوياته الحالية، قبل أن يؤكد لاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن المفاوضات لا تزال مستمرة.
كما أبدى تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق يضمن استمرار وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية خلال الأسبوع المقبل، وهي تصريحات منحت الأسواق بعض الأمل بإمكانية احتواء التوترات الحالية.
غير أن المستثمرين باتوا أكثر حذراً في التعامل مع التصريحات السياسية، إذ يفضلون انتظار خطوات عملية ومؤشرات ملموسة قبل إعادة تسعير المخاطر بشكل كامل، خصوصاً أن التجارب السابقة أظهرت أن المفاوضات قد تشهد تحولات مفاجئة في أي مرحلة.
علاوة المخاطر
أكد عدد من خبراء الأسواق أن أسعار النفط الحالية ما زالت تتضمن ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي القيمة الإضافية التي يضيفها المستثمرون إلى الأسعار تحسباً لاحتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات.
وتتغير هذه العلاوة بصورة مستمرة وفقاً لمستوى التوترات السياسية والعسكرية، حيث ترتفع في أوقات الأزمات وتنخفض عند ظهـور مؤشـرات علـى الاستقرار أو التوصـل إلى تسويات دبلوماسية.
ويشير مراقبون إلى أن حجم هذه العلاوة ازداد بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة نتيجة المخاوف المرتبطة بمنطقة الخليج، إلا أن استمرارها يعتمد بصورة مباشرة على مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
وفي حال تحقق تقدم ملموس وظهرت ضمانات واضحة بشأن أمن الملاحة وتدفق الإمدادات، فمن المرجح أن تبدأ هذه العلاوة بالتراجع تدريجياً، ما قد يخفف الضغوط الصعودية على الأسعار.
صادرات أميركية قياسية
في المقابل، أظهرت بيانات تتبع حركة السفن أن صادرات النفط الخام الأميركية سجلت مستوى قياسياً جديداً خلال شهر مايو الماضي، بعدما ارتفعت إلى نحو 5.6 مليون برميل يومياً.
ويعكس هذا الرقم النمو المتواصل في دور الولايات المتحدة كمورد رئيسي للنفط في الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل سعي العديد من الدول المستهلكة إلى تنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على المناطق التي تشهد توترات جيوسياسية.
وقد استفادت الصادرات الأميركية بشكل كبير من زيادة الطلب الآسيوي والأوروبي خلال الفترة الماضية، حيث اتجهت العديد من المصافي إلى تعزيز مشترياتها من الخام الأميركي لتعويض أي مخاطر محتملة قد تؤثر على تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط.
كما ساهمت المرونة الكبيرة التي يتمتع بها قطاع النفط الأميركي، إضافة إلى تطور البنية التحتية للتصدير، في تعزيز قدرة المنتجين الأميركيين على الاستجابة السريعة للمتغيرات العالمية والاستفادة من ارتفاع الطلب الخارجي.
قطاع الشحن يترقب
على صعيد متصل، يراقب قطاع الشحن البحري التطورات السياسية الجارية عن كثب، نظراً إلى ارتباطها المباشر بحركة التجارة العالمية وتكاليف النقل البحري.
وخلال اجتماع لقيادات تنفيذية في قطاع الشحن عُقد في العاصمة اليونانية أثينا، شدد المشاركون على أهمية أن يتضمن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قواعد واضحة ومحددة تسمح للسفن بالعودة إلى العمل بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز.
وأكد مسؤولو القطاع أن وضوح القواعد والإجراءات يمثل عاملاً أساسياً لاستعادة الثقة وتقليل تكاليف التأمين والشحن التي ارتفعت بصورة ملحوظة خلال فترة التوترات الأخيرة.
كما أشاروا إلى أن شركات النقل البحري تحتاج إلى بيئة تشغيلية مستقرة يمكن من خلالها التخطيط للرحلات وإدارة المخاطر بكفاءة، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على استمرار تدفق الطاقة دون انقطاع.
مستقبل السوق
تتجه الأنظار حالياً إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات سياسية وميدانية، إذ يبدو أن سوق النفط دخل مرحلة تتجاوز فيها العوامل الجيوسياسيـة تأثير العوامل التقليدية المتعلقة بالعرض والطلب.
فالمستثمرون يراقبون بدقة كل تصريح يصدر عن واشنطن أو طهران، كما يتابعون حركة الناقلات عبر مضيق هرمـز وأي مؤشرات على تغير مستوى المخاطر في المنطقة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرجح محللون استمرار حالة التذبذب خلال المدى القصير، مع بقاء الأسعار حساسة للغاية تجاه أي أخبار تتعلق بالمفاوضات أو الملاحة البحرية أو أمن الإمدادات.
وبينما توفر الصادرات الأميركية القياسية دعماً إضافياً للأسواق العالمية وتحد من مخاطر نقص الإمدادات، فإن العامل الحاسم سيظل مرتبطاً بمصير المحادثات الأميركية الإيرانية وقدرتها على إنتاج اتفاق يبدد المخاوف ويعيد الاستقرار إلى أحد أهم الممرات النفطية في العالم، الأمر الذي سيحدد إلى حد كبير اتجاه أسعار النفط خلال النصف الثاني من العام الحالي.