خصمان في الأسواق وشريكان خلف أبواب المصانع
في أغسطس 2012، كانت «آبل» و«سامسونغ» تخوضان واحدة من أشهر حروب براءات الاختراع في تاريخ التكنولوجيا، بالتزامن مع منافسة شرسة بين «أيفون» و«جالاكسي» على المستهلكين، لكن خلف أبواب المصانع كانت العلاقة مختلفة تماماً، إذ كانت الشركة الكورية تصنع معالجات ورقائق ذاكرة وشاشات تدخل في أجهزة منافستها الأميركية.
وبعد 14 عاماً، لا تزال هذه المفارقة حاضرة، بل أصبحت أكثر وضوحاً مع توسع اعتماد «آبل» على القدرات الصناعية لـ«سامسونغ» في بعض المكونات المتقدمة. فالمنافسان اللذان يتصارعان على مبيعات الهواتف يستطيعان في الوقت نفسه تحقيق أرباح من نجاح المنتج نفسه، لكن في طبقتين مختلفتين من سلسلة القيمة.
جدار داخلي
خلال المحاكمة الشهيرة بين الشركتين عام 2012، قال كبير محامي «سامسونغ» إن مكونات الشركة الكورية كانت تمثل نحو 26 % من تكلفة مكونات «أيفون»، وهو رقم يكشف مدى عمق العلاقة الصناعية بين الخصمين حتى في ذروة المواجهة القانونية والتجارية بينهما.
وتعاملت «سامسونغ» مع هذا التناقض من خلال ما وصفته تقارير بـ«الجدار الداخلي» الذي يفصل نشاط الهواتف عن أعمال المكونات. فبينما تسعى وحدة الهواتف إلى انتزاع حصة سوقية من «أيفون»، تعمل وحدات الشاشات والرقائق والذاكرة بمنطق مختلف تماماً، يقوم على زيادة المبيعات إلى «آبل» باعتبارها أحد أهم العملاء.
ويعود هذا النموذج إلى الواجهة بقوة في 2026، مع دخول «آبل» سوق الهواتف القابلة للطي عبر «أيفون ديو»، الذي يبدأ سعره من 1999 دولاراً، وسط تقارير تشير إلى أن «سامسونغ» تتولى توريد شاشاته القابلة للطي.
وتشير تقديرات غير مؤكدة إلى أن «سامسونغ» تحصل على نحو 250 دولاراً مقابل كل شاشة، وأنها فازت بعقد حصري يمتد ثلاث سنوات، ما يعني أن إحدى أبرز نقاط تميز الهاتف الجديد تأتي من المصانع التابعة لأحد أكبر منافسيه.
اعتماد متزايد
ولا يقتصر التعاون على الهاتف القابل للطي. فوفق بيانات «أومديا»، استحوذت «سامسونغ ديسبلاي» على 56.8 % من مشتريات «آبل» لشاشات «أيفون» في 2025، بعدما كانت حصتها 49.1 % في 2024، ما يشير إلى ارتفاع اعتماد الشركة الأميركية عليها رغم سياستها المستمرة لتنويع الموردين.
وباعت «سامسونغ ديسبلاي» إلى «آبل» نحو 141.6 مليون لوحة في 2025، مقابل 122.3 مليون لوحة في العام السابق. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الشركة الكورية وفرت ما بين 60 % و70 % من ذاكرة سلسلة «أيفون 17» في أواخر 2025، ما يوضح أن العلاقة تمتد من الشاشات إلى مكونات إلكترونية رئيسية أخرى.
وتظهر «آبل» بالاسم ضمن أكبر خمسة عملاء لمجموعة «سامسونغ» في تقريرها السنوي، فيما شكل العملاء الخمسة مجتمعين نحو 15 % من مبيعات المجموعة خلال 2025، من دون أن تكشف الشركة الكورية عن حصة «آبل» منفردة.
وفي المقابل، تدرج قائمة موردي «آبل» الرسمية «سامسونغ» وشركاتها التابعة ضمن سلسلة التوريد، ما يؤكد الطابع المؤسسي طويل الأجل للعلاقة، بعيداً عن المنافسة الظاهرة بين هواتف الشركتين.
حساب الأرباح
لكن تقدير حجم استفادة «سامسونغ» من كل جهاز تبيعه «آبل» ليس بهذه البساطة. فإذا صح أن شاشة «أيفون ديو» تكلف 250 دولاراً، فإنها تمثل نحو 12.5 % من سعر الهاتف الابتدائي البالغ 1999 دولاراً، لكن ذلك لا يعني أن الـ250 دولاراً تمثل ربحاً صافياً للشركة الكورية، أو أنها تحصل على النسبة نفسها من أرباح الهاتف.
وسجلت «سامسونغ ديسبلاي» إيرادات قدرها 29.8 تريليون وون، أي نحو 21.9 مليار دولار، خلال 2025، وبلغ ربحها التشغيلي 4.1 تريليون وون، بهامــش تشغيـلي قــدره 13.8 % على مستوى النشاط ككل، لكن لا تتوافر بيانات تسمح بتطبيق هذا الهامش على شاشة «ديو» تحديداً.
وعلى الجانب الآخر، سجلت «آبل» هامشاً إجمالياً لمنتجاتها بلغ 40.1 % في الربع المنتهي في 27 يونيو 2026، فيما وصلت مبيعات «أيفون» إلى 54.252 مليار دولار. لكن الشركة لا تكشف هامش أرباح هواتفها بصورة منفصلة، وبالتالي لا يمكن حساب نصيب «سامسونغ» من كل دولار تربحه «آبل» من «أيفون».
سلسلة القيمة
ولا يعني الاعتماد الكبير على «سامسونغ» أن الشركة الكورية تصنع بمفردها القيمة التي تحققها هواتف «أيفون». فرقم 56.8 % نفسه يعني أن 43.2 % من شاشات «أيفون» خلال 2025 جاءت من موردين آخرين، ما يمنح «آبل» قدراً من التنوع في سلسلة الإمداد ويحد من اعتمادها الكامل على مصدر واحد.
كما تمتلك «آبل» عناصر أخرى في سلسلة القيمة، تشمل هندسة المنتج وتصميم المعالجات والمودم ونظام التشغيل والتطبيقات والتوزيع والعلامة التجارية وقوة التسعير، وهي عوامل تسمح لها بتحويل مجموعة من المكونات المصنعة لدى موردين مختلفين إلى منتج نهائي يباع بهوامش مرتفعة.
أما «سامسونغ»، فتكمن قوتها في امتلاك قدرات صناعية يصعب استبدالها سريعاً، خصوصاً في شاشات «أوليد» القابلة للطي ورقائق الذاكرة والإنتاج واسع النطاق، ما يجعلها قادرة على الاستفادة حتى عندما يحقق هاتف منافس نجاحاً على حساب أجهزة «جالاكسي».
المنافسان يربحان الصفقة نفسها
وتكشف العلاقة بين الشركتين عن نموذج اقتصادي يتجاوز المنافسة التقليدية؛ فـ«سامسونغ موبايل» تريد بيع أكبر عدد ممكن من أجهزة «جالاكسي»، بينما تريد «سامسونغ ديسبلاي» ووحدات المكونات الحصول على أكبر الطلبيات الممكنة من «آبل»، حتى لو كانت تلك المكونات ستستخدم في هاتف ينافس منتجات المجموعة الكورية نفسها.
وبهذا المعنى، تحول «الجدار الداخلي» الذي كان يحمي عقود توريد بمليارات الدولارات خلال حرب الهواتف في 2012 إلى شكل من أشكال التحوط الصناعي في 2026. فإذا بيع جهاز «جالاكسي فولد»، تستفيد «سامسونغ» من المنتج النهائي، وإذا استحوذ «أيفون ديو» على جزء من سوق الهواتف القابلة للطي، تستطيع الشركة الكورية تحقيق إيرادات من الشاشة الموجودة داخله.