خمس فرق لرسم مستقبل السياسة النقدية
بدأ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش أولى خطواته لإعادة رسم ملامح البنك المركزي، عبر إطلاق مبادرة غير تقليدية تقوم على تشكيل خمس فرق عمل مستقلة تضم نخبة من الاقتصاديين والأكاديميين ومحافظي البنوك المركزية السابقين وقادة الشركات العالمية، بهدف مراجعة أدوات السياسة النقدية وآليات اتخاذ القرار بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وتعكس هذه الخطوة رغبة وارش في ترك بصمته الخاصة على المؤسسة النقدية الأكثر تأثيراً في العالم، على غرار الرؤساء السابقين الذين ارتبطت أسماؤهم بإصلاحات بارزة، لكنها تختلف عن المحاولات السابقة من حيث اعتمادها على مراجعة شاملة يقودها خبراء من خارج الهيكل التنفيذي التقليدي للاحتياطي الفيدرالي.
ويرى مراقبون أن هذه المبادرة تأتي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات متشابكة، تشمل التضخم، والذكاء الاصطناعي، وسوق العمل، وتقلبات الأسواق المالية، ما يجعل تحديث أدوات البنك المركزي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
نهج مختلف
على مدى العقود الماضية، سعى كل رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي إلى إدخال تغييرات تعكس رؤيته الخاصة لإدارة السياسة النقدية.
فقد رسخ بن برنانكي هدفاً رسمياً للتضخم، بينما قادت جانيت يلين دورة رفع أسعار الفائدة بعد سنوات من السياسة النقدية التيسيرية، وأطلق جيروم باول مراجعة شاملة لإطار السياسة النقدية في عام 2019 لمواكبة المتغيرات الاقتصادية.
أما وارش، فقد اختار مساراً مختلفاً، يقوم على الاستفادة من خبرات متنوعة خارج المؤسسة، عبر تشكيل لجان متخصصة تتولى مراجعة الملفات الرئيسية وتقديم توصيات مستقلة، في محاولة لإثراء عملية صنع القرار وتوسيع قاعدة الأفكار التي يعتمد عليها البنك المركزي.
ولم يكن هذا النهج جديداً على وارش، إذ سبق له المشاركة عام 2014 في فريق عمل شكله بنك إنجلترا لمراجعة سياسات التواصل مع الأسواق، كما شغل عضوية مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2011، ما منحه خبرة مباشرة في عمل البنوك المركزية.
خمس أولويات
قسم وارش عملية المراجعة إلى خمسة محاور رئيسية، يشرف على كل منها فريق يضم ثلاثة خبراء من خلفيات أكاديمية ومصرفية وقطاع الأعمال.
ويتولى الفريق الأول مراجعة سياسات التواصل مع الأسواق، وكيفية تحسين الرسائل الصادرة عن الفيدرالي في أوقات عدم اليقين، ويضم شخصيات بارزة مثل المحافظ السابق لبنك إنجلترا ميرفن كينج، والرئيس الأسبق للبنك المركزي البرازيلي أرمينيو فراجا.
أما الفريق الثاني، فيركز على الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، من خلال تقييم فوائدها وتكاليفها وتأثيرها في المؤسسات المالية والأسواق، ويشارك فيه اقتصاديون بارزون مثل راغورام راجان وجيريمي شتاين وكارين دينان.
ويعمل الفريق الثالث على تطوير البيانات الاقتصادية المستخدمة في صنع القرار، بهدف تحسين سرعة وجودة المعلومات التي يعتمد عليها البنك المركزي، ويضم خبراء من الجامعات الأميركية إلى جانب قيادات تنفيذية من قطاع الأعمال.
الذكاء الاصطناعي
ويحظى تأثير التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، باهتمام خاص ضمن المبادرة الجديدة، إذ خُصص فريق مستقل لدراسة انعكاساتها على الإنتاجية وسوق العمل.
ويضم هذا الفريق أسماء معروفة في قطاع التكنولوجيا، من بينها مارك أندريسن، الشريك المؤسس لشركة «أندريسن هورويتز»، إلى جانب تشارلز جونز من جامعة ستانفورد، وآشا شارما من شركة مايكروسوفت.
ويهدف الفريق إلى تقييم الكيفية التي قد يغير بها الذكاء الاصطناعي طبيعة الوظائف والإنتاجية والنمو الاقتصادي، بما يساعد الاحتياطي الفيدرالي على تطوير أدواته بما يتناسب مع التحولات المقبلة.
كما خصص وارش فريقاً خامساً لمراجعة أطر التضخم، وإعادة تقييم الطريقة التي يفهم بها البنك المركزي الضغوط السعرية ويستجيب لها، وهو ملف يعد من أكثر القضايا حساسية في السياسة النقدية الأميركية.
مزايا وتحديات
يرى مؤيدو المبادرة أن تنوع خلفيات أعضاء الفرق يمنح الاحتياطي الفيدرالي فرصة للاستفادة من خبرات أكاديمية وعملية مختلفة، بعيداً عن الرؤى التقليدية التي تهيمن عادة على المؤسسات النقدية.
كما يمكن لهذه اللجان أن تقدم أفكاراً جديدة حول استخدام البيانات الفورية، وتأثير الذكاء الاصطناعي، ومستقبل الإنتاجية، وهي ملفات أصبحت تحتل موقعاً متقدماً في النقاشات الاقتصادية العالمية.
لكن في المقابل، تواجه المبادرة تحديات واضحة، أبرزها اختلاف التوجهات الفكرية بين أعضاء الفرق، خصوصاً في الملفات المثيرة للجدل مثل مستهدف التضخم والميزانية العمومية.
فعلى سبيل المثال، يضم فريق التضخم الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل توماس سارجنت، الذي يدافع عن أهمية مستهدف التضخم، إلى جانب ويليام وايت الذي ينتقد هذا النهج، فيما يتبنى جريج مانكيو موقفاً وسطاً يدعم وجود مستهدف للتضخم دون الالتزام الصارم بنسبة 2 %.
ويرى محللون أن هذا التنوع قد يثري النقاش، لكنه قد يجعل الوصول إلى توصيات موحدة أكثر صعوبة.
التوافق يحدد نجاح مبادرة وارش
ورغم الطموح الكبير الذي تحمله مبادرة كيفن وارش، فإن نجاحها لن يقاس بعدد الخبراء المشاركين أو جودة التوصيات التي ستصدر عنها، بل بقدرة رئيس الاحتياطي الفيدرالي على تحويل هذه المقترحات إلى سياسات تحظى بتأييد مجلس المحافظين وتدخل حيز التنفيذ.
وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، تمثل هذه الفرق محاولة لإعادة صياغة أدوات البنك المركزي بما يواكب تحديات المستقبل، لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في مدى نجاحها في بناء توافق داخل المؤسسة النقدية الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، وتحويل الأفكار إلى قرارات عملية ترسم ملامح السياسة النقدية الأميركية خلال السنوات المقبلة.