دمج كيبك والبترول الوطنية يعزز الشراكات الدولية
أوضح الخبير والاستشاري النفطي الدكتور عبد السميع بهبهاني أن حل الشركة الكويتية للصناعات البترولية المتكاملة «كيبيك» وضمها لشركة البترول الوطنية يتوافق واستراتيجية القطاع النفطي 2040 والمتمثلة في خفض التكاليف التشغيلية، وتسريع اتخاذ القرار، وتعزيز القدرة التنافسية، وتسهيل الشراكات مع الشركات العالمية.
وبين بهبهاني في حوار أجرته «عالم الاقتصاد» أن التجربة الكويتية في موضوع الدمج تستدعي مزيداً من الحذر، مضيفاً أن ما يميز تلك التجربة هو أنها ستعزز فرص التحالف مع الشركات العالمية الكبرى والاستفادة من خبراتها التقنية والتسويقية ونفوذها الدولي.
وقال بهبهاني: «إنني متفائل بمستقبل شركات القطاع النفطي، فالكويت ما زالت تمتلك إحدى أكبر الثروات النفطية في العالم مقارنة بمساحتها وعدد سكانها، مع احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 50 مليار برميل، وهو ما يوفر قاعدة قوية للاستقرار الاقتصادي لعقود مقبلة. كما أن القطاع يمتلك خبرة تراكمية تتجاوز 200 سنة عند جمع خبرات شركاته ومؤسساته المختلفة، الأمر الذي يمنحه القدرة الفنية والبشرية على مواصلة التطور والمنافسة”.
غير أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الاحتياطيات أو القدرة على الإنتاج، بل بكيفية تعظيم القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. فالكويت نجحت خلال السنوات الماضية في تحقيق التوازن المالي للدولة عند مستويات إنتاج قريبة من المعدلات الحالية، ولذلك فإن الأولوية المستقبلية لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الإنتاج، بل على زيادة العائد من البرميل عبر التكرير والبتروكيماويات والصناعات التحويلية ومشتقات الطاقة ذات القيمة المضافة الأعلى.
وفيما يلي التفاصيل…
- بداية، كيف تقيمون حل شركة «كيبك» وضمها للبترول الوطنية؟
قرار حل الشركة الكويتية للصناعات النفطية المتكاملة (كيبيك) وضمها إلى البترول الوطنية يجب أن يُقيَّم بعيداً عن الشعارات النظرية المرتبطة بالدمج. فمن حيث المبدأ، تتحدث الجهات المعنية عن أهداف إيجابية تتمثل في خفض التكاليف التشغيلية، وتسريع اتخاذ القرار، وتعزيز القدرة التنافسية، وتسهيل الشراكات مع الشركات العالمية، وهي أهداف تتوافق مع توجهات استراتيجية القطاع النفطي حتى عام 2040، إلا أن التجربة الكويتية تستدعي قدراً من الحذر. فقد سبق أن طُرحت دراسات للدمج وأُلغيت رغم تكلفتها المرتفعة. وفي المقابل، تبقى الميزة الأهم والأكثر واقعية للدمج هي تعزيز فرص التحالف مع الشركات العالمية الكبرى والاستفادة من خبراتها التقنية والتسويقية ونفوذها الدولي. غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بقدرة القطاع على معالجة أوجه القصور الإدارية والتشغيلية أولاً. ومن هنا، كان من الممكن الاستفادة من تجربة كيبيك ومجمع الزور العملاق وتقييم نتائجها لعدة سنوات قبل تعميم نموذج الدمج على نطاق أوسع داخل القطاع النفطي الكويتي.
- هل القرار يعزز من استراتيجية القطاع النفطي ويحقق رؤية القطاع لعام 2040؟
من الناحية النظرية، قد يُنظر إلى دمج كيبيك في البترول الوطنية باعتباره خطوة داعمة لاستراتيجية القطاع النفطي ورؤية 2040، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الهيكل التنظيمي بقدر ما يكمن في قدرة القطاع على تنفيذ أهدافه الأساسية بكفاءة وضمن الجداول الزمنية المقررة. فجوهر الاستراتيجية يتمثل في تعظيم قيمة الثروة النفطية عبر زيادة الاحتياطيات، ورفع القيمة المضافة من خلال التكرير والبتروكيماويات، وتقليص الكلف التشغيلية، وتوجيه الإنتاج لخدمة النمو الاقتصادي لا لمجرد زيادة الكميات المنتجة. لذلك فإن قرار الدمج لا يمكن اعتباره بحد ذاته إنجازاً استراتيجياً أو ضمانة لتحقيق رؤية 2040، ما لم يترافق مع إصلاحات أعمق في إدارة المشاريع وتحديد الأولويات وتسريع اتخاذ القرار.
- هل ستتأثر صناعة التكرير من قرار الدمج؟
لن تتأثر صناعة التكرير الكويتية سلباً بقرار دمج كيبيك في البترول الوطنية، لأن الجدوى الاقتصادية للتكرير ترتبط أساساً بظروف السوق العالمية وهوامش الربحية أكثر من ارتباطها بالهيكل الإداري للشركات. بل إن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أظهرت أهمية التكرير كأحد أكثر الأنشطة النفطية قدرة على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة. فالحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت سلاسل الإمداد العالمية أدت إلى ارتفاع هوامش التكرير إلى مستويات تفوق متوسطاتها التاريخية بمرتين إلى ثلاث مرات، خصوصاً في منتجات الديزل ووقود النقل.
ومنذ سنوات، تدعو معظم الدراسات الاقتصادية في دول الخليج إلى تحقيق توازن أكبر بين إنتاج النفط الخام وتكريره محلياً، بحيث تتحول نسبة أكبر من البراميل المنتجة إلى مشتقات ذات قيمة مضافة أعلى بدلاً من تصدير الخام مباشرة. وتزداد أهمية هذا التوجه في الكويت نظراً لتوافر الاحتياطيات الكبيرة وقرب المصافي من مرافق التصدير والأسواق الإقليمية.
ومع ذلك، تبقى هناك تحديات تتعلق بالمنافسة العالمية وتسويق المنتجات المكررة، إضافة إلى أنماط الاستهلاك المحلي والدعم الحكومي للمشتقات. ورغم هذه التحديات، فإن مستقبل التكرير والمشتقات النفطية يبدو أكثر استقراراً وربحية من الاعتماد على بيع الخام وحده، خصوصاً مع استمرار الطلب العالمي على وقود الطائرات والديزل ومنتجات الطاقة والصناعة. ومن ثم، فإن نجاح الدمج يجب أن يُقاس بمدى قدرته على دعم هذا التوجه الاستراتيجي لا بمجرد إعادة هيكلة الشركات.
- هل قرار الدمج عن طريق الضم سيؤثر على صناعة الكيماويات البترولية؟
قد يكون قطاع البتروكيماويات المستفيد الأكبر من قرار دمج «كيبيك» في البترول الوطنية، وذلك لأن التحدي الرئيسي الذي واجه مشروع البتروكيماويات في مجمع الزور لم يكن تقنياً بقدر ما كان مرتبطاً ببطء اتخاذ القرار وتغير الأولويات الاستثمارية. فحتى اليوم لم يصل المشروع إلى قرار الاستثمار النهائي، رغم أن كلفته التقديرية تقارب 10 مليارات دولار، ويُفترض أن يشكل الحلقة المكملة لمجمع الزور عبر إنتاج العطريات والبولي بروبيلين ومجموعة من المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
وقد تأخر المشروع نتيجة عدة عوامل، أبرزها ضخامة التكلفة الرأسمالية، وتراجع هوامش الربحية العالمية للبتروكيماويات خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى إعادة تقييم جدواه الاقتصادية بعد تشغيل مصفاة الزور، فضلاً عن انتظار الحسم المؤسسي قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. ومن هنا، فإن توحيد إدارة التكرير والبتروكيماويات تحت مظلة واحدة قد يسهم في تسريع اتخاذ القرار وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن مستقبل الطلب العالمي على النفط يتجه بصورة متزايدة نحو الصناعات البتروكيماوية، حيث تشير العديد من التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من نمو استهلاك الهيدروكربونات خلال العقود المقبلة سيأتي من هذا القطاع. كما أن الكويت تمتلك بالفعل قاعدة صناعية قوية عبر شركة صناعة الكيماويات البترولية وشراكاتها المحلية والعالمية الناجحة. لذلك، فإن الأثر الحقيقي للدمج لن يُقاس بإعادة الهيكلة الإدارية، بل بقدرته على تحويل مشروع الزور البتروكيماوي من مشروع مؤجل إلى مشروع منتج يضيف قيمة حقيقية للثروة النفطية الكويتية.
- كيف تنظرون لمستقبل شركات القطاع النفطي التابعة لمؤسسة البترول؟
أنظر إلى مستقبل شركات القطاع النفطي الكويتي بتفاؤل مشروط. فالكويت ما زالت تمتلك إحدى أكبر الثروات النفطية في العالم مقارنة بمساحتها وعدد سكانها، مع احتياطيات مؤكدة تتجاوز 50 مليار برميل، وهو ما يوفر قاعدة قوية للاستقرار الاقتصادي لعقود مقبلة. كما أن القطاع يملك خبرة تراكمية تتجاوز 200 سنة عند جمع خبرات شركاته ومؤسساته المختلفة، الأمر الذي يمنحه القدرة الفنية والبشرية على مواصلة التطور والمنافسة. غير أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الاحتياطيات أو القدرة على الإنتاج، بل بكيفية تعظيم القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. فالكويت نجحت خلال السنوات الماضية في تحقيق التوازن المالي للدولة عند مستويات إنتاج قريبة من المعدلات الحالية، ولذلك فإن الأولوية المستقبلية لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الإنتاج، بل على زيادة العائد من البرميل عبر التكرير والبتروكيماويات والصناعات التحويلية ومشتقات الطاقة ذات القيمة المضافة الأعلى.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن عدداً من المشاريع الاستراتيجية واجه تأخيراً أو تعثراً أفقده جزءاً من جدواه الاقتصادية، مما انعكس على مستوى العوائد المتوقعة. لذلك فإن مستقبل القطاع يبدو واعداً من حيث الموارد والإمكانات، لكنه يتطلب مراجعة جادة لآليات التنفيذ وإدارة المشاريع وتحديد الأولويات الاستثمارية. فالمشكلة ليست في نقص الفرص، بل في تحويل هذه الفرص إلى مشاريع ناجحة تحقق عائداً مستداماً للأجيال الحالية والقادمة.
- هل توقيت القرار سليم؟ وهل تتوقعون مزيداً من الدمج في القطاع النفطي؟
تقييم توقيت قرار الدمج يعتمد على زاويتين مختلفتين. فمن الناحية النظرية، يأتي القرار في مرحلة تشهد تحولات عميقة في أسواق الطاقة العالمية، حيث تتداخل التحديات الجيوسياسية مع المنافسة المتزايدة على الأسواق والاستثمارات والتقنيات الحديثة. وفي مثل هذه الظروف، قد يكون من المنطقي السعي إلى بناء كيانات نفطية أكبر وأكثر قدرة على المنافسة، وهو ما يتوافق مع التوجه المعلن لمؤسسة البترول نحو خلق شركات عملاقة تستطيع مجابهة المتغيرات الدولية وخفض التكاليف وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
أما من الناحية العملية، فإن لدي بعض التحفظات على التوقيت. فالالقطاع النفطي الكويتي يواجه بالفعل تحديات تتعلق بإدارة المشاريع، وتعظيم قيمة الثروة النفطية، ومواكبة المنافسة الإقليمية والعالمية. وفي مثل هذه المرحلة، قد يؤدي إدخال تغييرات هيكلية واسعة النطاق إلى إضافة أعباء إدارية وتنظيمية جديدة قبل معالجة التحديات الأساسية القائمة. لذلك فإن نجاح الدمج لن يتوقف على حجم الكيان الجديد، بل على قدرته الفعلية على تحسين الأداء واتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع بكفاءة أعلى.
أما بشأن احتمال استمرار الدمج، فأعتقد أن القرار الحالي قد يكون بداية لمسار أوسع لإعادة هيكلة القطاع النفطي. فالاستراتيجية التي طُرحت منذ سنوات تقوم على دمج الأنشطة المتشابهة في عدد محدود من الكيانات الكبرى القادرة على المنافسة عالمياً. وإذا اعتُبر دمج كيبيك تجربة ناجحة خلال السنوات المقبلة، فمن المرجح أن نشهد خطوات إضافية نحو مزيد من الدمج ضمن منظومة مؤسسة البترول الكويتية.