رائد دياب لـ عالم الاقتصاد : بورصة الكويت تستعيد زخمها بعد الأزمة الإقليمية
اختتمت بورصة الكويت تعاملات شهر يوليو على تباين في أداء مؤشراتها، ونجح مؤشر السوق الأول في تحقيق مكاسب انعكست إيجاباً على مؤشر السوق العام، في حين سجل مؤشر السوق الرئيسي خسائر نتيجة الضغوط على عدد من أسهمه.
وتلقت البورصة دعماً من بدء الشركات المدرجة في إعلان نتائجها المالية للنصف الأول، التي جاءت حتى الآن في معظمها أفضل من التوقعات، رغم التقديرات السابقة التي رجحت تأثرها بالأوضاع الجيوسياسية.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» قال نائب رئيس أول-إدارة البحوث والاستراتيجيات الاستثمارية في شركة كامكو إنفست رائد دياب، إن أداء بورصة الكويت اتسم بالتباين خلال يوليو الماضي على المستوى اليومي، مع ميل ملحوظ نحو التراجع حتى جلسة 22 يوليو، غير أن السوق شهدت تحولاً إيجابياً بزخم تصاعدي لافت ابتداءً من جلسة 23 يوليو، مستمراً حتى نهاية الشهر، باستثناء جلسة 29 يوليو التي شهدت تراجعاً طفيفاً.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● هل أثّرت الحرب الدائرة في المنطقة على بورصة الكويت؟
في بداية الأحداث، تأثرت البورصة الكويتية بشدة أسوةً بباقي الأسواق الخليجية، كما شهدنا تراجعات في الأسواق العالمية أيضاً، وقد بدأت هذه التراجعات مع اندلاع الحرب والاعتداءات التي طالت المنطقة والكويت، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز وحالة عدم اليقين بشأن تداعيات هذه الأزمة على الاقتصاد الكويتي.
بطبيعة الحال، كانت ردة الفعل السلبية التي شهدتها البورصة الكويتية والأسواق الخليجية أمرًا طبيعيًا ومألوفًا في مثل هذه الظروف، حيث تكررت في أزمات سابقة وكان آخرها جائحة كورونا.
وإذا تحدثنا بالأرقام، فقد سجل مؤشرا السوق «الأول» و»العام» هبوطاً بنسبة بلغت نحو 5.5 % على أساس سنوي حتى نهاية جلسة 2 مارس، لتصل نسبة التراجع منذ بداية العام إلى نحو 5.5 % للمؤشرين، ولكن، عقب ذلك، بدأنا نشهد مرحلة من التعافي.
● في الفترة الأخيرة كان هناك إعادة توجيه للسيولة نحو الأسهم القيادية والمضاربية كيف ترى ذلك؟
لاحظنا تباينًا في الأداء ومعدلات التعافي؛ حيث كان الإقبال أكبر على الأسهم المتوسطة والصغيرة، مدعومًا بتحسّن الوضع المالي لبعض الشركات، وجدولة ديونها، وإعادة هيكلتها، بالإضافة إلى حصولها على مناقصات عديدة.
يُضاف إلى ذلك نشاط التداولات المضاربية التي تشهدها عادةً شركات السوق الرئيسي، وهو ما أدى إلى زيادة الإقبال على هذه الأسهم.
أما بالنسبة للأسهم التشغيلية والكبيرة ذات الثقل الوزني من حيث القيمة السوقية في بورصة الكويت، فإن أساسياتها لم تتغير وظلت قوية ومصحوبة بالدعم، ومع ذلك، كان هناك ترقبٌ رئيسي لما ستؤول إليه الأوضاع على الصعيد الجيوسياسي، بانتظار إفصاحات البنوك والشركات التشغيلية لتقييم حجم الأثر الناتج عن التوترات والحرب في المنطقة.
ولكن في الآونة الأخيرة، أظهرت البنوك الكويتية نمواً في الأرباح فاق التوقعات، مما أعاد التركيز والإقبال مجدداً نحو الأسهم الكبيرة خلال الجلسات الماضية.
وأسهم هذا الإقبال على الأسهم القيادية في تعويض معظم مؤشرات قطاعات السوق للخسائر التي سجلتها أثناء فترة الحرب، لتسجل حاليًا مستويات أعلى مما كانت عليه قبل اندلاعها عبر مؤشرات السوق الأربعة. ويُعد هذا الصعود وتجاوز مستويات ما قبل الحرب الأفضل لمؤشرات البورصة الكويتية مقارنةً بالأسواق الخليجية الأخرى من حيث سرعة تعويض الخسائر.
وبالحديث عن الأرقام، بلغت القيمة المتداولة في عام 2025 نحو 26.5 مليار دينار، وكان نصيب ‹السوق الأول› منها ما يقارب 56.5 %، أما منذ بداية العام الحالي وحتى الآن، فقد بلغت التداولات 11.6 مليار دينار، واستحوذ ‹السوق الأول› على نسبة 67 % منها، وهي نسبة تتجاوز ما تم تسجيله خلال العام الماضي.»
● هل صحيح بأن المستثمرين يفضلوا بالوقت الحالي الأسهم الصغيرة والمتوسطة على الأسهم القيادية؟
يمتلك المستثمر الكويتي الخبرة الكافية لتقييم الأوضاع، والوعي المالي الذي يؤهله لإدارة عمليات الدخول والخروج من السوق بكفاءة.
وكما ذكرت، كان هناك ترقب لأرباح القطاع المصرفي والشركات التشغيلية، مما أسفر عن عمليات تجميع على بعض الأسهم المتوسطة والصغيرة خلال الأشهر الماضية، وقد انعكس ذلك جلياً في نمو المؤشر الرئيسي بنسبة 5.2 %، ومؤشر رئيسي 50 بنسبة 15.9 % على أساس سنوي حتى نهاية شهر يوليو.
إلا أننا بدأنا نلاحظ عودة التركيز وعمليات شراء قوية على الأسهم القيادية، مما ساهم في تقليص الخسائر السنوية التي سجلتها خلال الفترة الماضية؛ ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى تراجع العديد من هذه الأسهم لمستويات متدنية أصبحت معها تقييماتها جاذبة للأسواق، حيث شهدت ثلثا أسهم السوق الأول تراجعاً، بخلاف المشهد الذي رأيناه في عام 2025.
يضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في هدوء الأوضاع الجيوسياسية، ولا سيما التصريحات المتعلقة بقرب التوصل إلى اتفاق ينهي حالة التوتر القائمة منذ أواخر فبراير والمتصلة بالحرب وتداعيات إغلاق مضيق هرمز.
كما تلعب ثقة المستثمرين بصلابة الاقتصاد الكويتي والمركز المالي القوي للدولة دوراً محورياً، إلى جانب قدرة الحكومة على تجاوز هذه المرحلة بنجاح، فضلاً عن نمو أرباح القطاع المصرفي خلال الربع الثاني، وهي أسباب مجتمعة قادت لعودة الإقبال على هذه الشركات الكبرى.
● ما تقييمك لـ نتائج الأعمال النصفية التي صدرت عن بعض الشركات في الكويت؟
أعلنت عدد قليل من الشركات عن أرباحها والتي جاءت متباينة، وقد برز جلياً انعكاس تأثير الحرب على بعض هذه الشركات؛ نتاج التراجع الطبيعي للنشاط الاقتصادي في المنطقة وفي دولة الكويت، بالإضافة إلى تأثرها بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لا سيما الشركات التي تعتمد على الواردات مقارنةً بالشركات المحلية التي ترتكز على السوق المحلي، كما طال هذا التأثير القطاعات المرتبطة بالضيافة والسياحة والسفر.
ولكن في الوقت ذاته، شهدنا نمواً في أرباح القطاع المصرفي خلال الربع الثاني، وهو ما يُعد مؤشراً إيجابياً للغاية.
● ما أبرز المؤشرات التي كشفتها النتائج والتوزيعات النصف سنوية بشأن أداء القطاع المصرفي؟
حتى الآن، أعلنت 8 بنوك عن أرباحها للربع الثاني من العام الحالي، في انتظار إفصاحات بنك وربة، وقد ارتفعت الأرباح حتى اللحظة بنسبة قاربت 23 % على أساس ربع سنوي، وبنسبة 7.2 % على أساس سنوي عند مقارنة الربع الثاني من العام الحالي بالفترة نفسها من العام الماضي، سجلت جميع البنوك نمواً على أساس ربع سنوي، مع وجود تباين في:
● صافي الدخل من الفائدة.
● صافي الدخل من غير الفائدة.
● إجمالي الإيرادات (على أساس ربع سنوي وسنوي).
وبشكل عام، حققت معظم البنوك نمواً ملحوظاً.
أما فيما يتعلق بمخصصات خسائر الائتمان، فقد شهد بنكا «الوطني» و«التجاري» ردّاً عكساً للمخصصات، بينما تراجعت المخصصات لدى بنكي «الدولي» و«الخليج».
في المقابل، ارتفعت المخصصات لدى بنوك «بيتك» و «بوبيان»، و «الأهلي»، و«برقان»، مما يظهر تباينًا في سياسات المخصصات بين البنوك.
بطبيعة الحال، استفاد القطاع المصرفي من نمو التسهيلات الائتمانية القائمة للمقيمين؛ حيث بلغت 53.2 مليار دينار في نهاية عام 2025، لتصل إلى 54.4 مليار دينار بنهاية يونيو الماضي، وفقاً لبيانات بنك الكويت المركزي.
وقد تفاعل أداء القطاع المصرفي إيجابياً مع هذه الأرقام والبيانات الجيدة، حيث استمرت عمليات الشراء على أسهم القطاع، وفي حين قلّصت بعض الأسهم التي شهدت تراجعات سابقة خسائرها، إلا أنها لا تزال تتداول في المنطقة الإيجابية، مما يشير إلى استمرار وجود فرص استثمارية واعدة في هذا القطاع.
النتائج الإيجابية والنمو المحقق في أداء القطاع المصرفي الكويتي خلال الربع الثاني يرجع أيضا إلى متانة هذا القطاع الحيوي، وما يتمتع به من ملاءة مالية مرتفعة وسيولة جيدة، فضلاً عن قدرته العالية على إدارة المخاطر ومواجهة التحديات.
ويعزز هذا النمو وبخاصة وأنه تحقق في ربعٍ تزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والأحداث الاستثنائية ثقة المستثمرين في استقرار القطاع وقدرته الاستباقية على امتصاص الصدمات الاستثمارية والتكيف مع المتغيرات.
● كيف انعكس اضطراب حركة الشحن في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين البحري على أداء الشركات المدرجة؟
من الطبيعي أن تُلقي حالة الضبابية الجيوسياسية وارتفاع المخاطر التشغيلية لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز بظلالها على المشهد الاقتصادي؛ إذ يُؤدي تصاعد احتمالات الأضرار والهجمات واحتجاز السفن إلى صعود مباشر في أقساط التأمين ضد مخاطر الحروب ولا يقتصر الأثر على تكاليف التأمين فحسب، بل يمتد ليشهد سلاسل الإمداد اضطراباً يسبب تأخيراً في وصول الشحنات.
ينعكس ذلك سلباً على القطاعات الحيوية التي تعتمد على الواردات؛ نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة أسعار المواد الخام والسلع المستوردة، والتي تتزامن عادة مع صعود أسعار النفط، مما يُشكل ضغطاً مباشراً على هوامش أرباح الشركات المدرجة خاصة في قطاعات التجارة، والصناعة، والنقل، والإنشاءات.
كما يُتوقع أن تؤدي هذه التأخيرات إلى تباطؤ جدول تنفيذ المشاريع وارتفاع ميزانياتها الإجمالية، وعلى الصعيد المالي، تزداد المخاوف من ارتفاع مخاطر الائتمان ومعدلات التعثر في سداد الأقساط والالتزامات المالية.
● ما هي أهم القطاعات التي واجهت ضغوطات بيعية خلال الفترة الأخيرة؟
شهدت السوق المالية ضغوطاً بيعية ملحوظة خلال فترة الحرب، وتحديداً في الأيام الأولى؛ حيث طالت هذه الضغوط القطاعات القيادية كالبنوك، والخدمات المالية، والعقارات.
في المقابل، أظهرت القطاعات الدفاعية وفي مقدمتها الاتصالات والرعاية الصحية تماسكاً محققة أداءً إيجابياً وارتفاعات ملموسة.
● نجح مؤشرا السوق الأول والعام في تحقيق مكاسب شهرية خلال يوليو الماضي، ما أبرز العوامل التي دعمت هذا الأداء؟
على المستوى اليومي، اتسم أداء السوق بالتباين مع ميل ملحوظ نحو التراجع حتى جلسة 22 يوليو، غير أن السوق شهدت تحولاً إيجابياً بزخم تصاعدي لافت ابتداءً من جلسة 23 يوليو، مستمراً حتى نهاية الشهر، باستثناء جلسة 29 يوليو التي شهدت تراجعاً طفيفاً.
وقد أسهم هذا المسار الصاعد في تعويض الخسائر السابقة، لينهي مؤشر السوق الأول تعاملات شهر يوليو على ارتفاع بنسبة 1.5 %.
وجاء هذا الأداء مدعوماً بشكل أساسي من القطاع المصرفي الذي سجل نمواً بنسبـة 3.1 % خلال الشهر، إلى جانب مكاسب متفرقة في قطاعات أخرى كالسلع الاستهلاكية، والتكنولوجيا، والطاقة.
ويُعزى هذا التعافي إلى عدة عوامل محورية؛ أبرزها الهدوء النسبي في المشهد الجيوسياسي عقب إعلان التهدئة وإتاحة الفرصة للمفاوضات، فضلاً عن الثقة المتزايدة بالملاءة المالية للكويت وكفاءة إدارة المخاطر، يُضاف إلى ذلك النتائج المالية القوية للقطاع المصرفي والتي فاقت التوقعات، ووصول أسعار العديد من الأسهم القيادية، ولا سيما البنكية إلى مستويات جاذبة للشراء.
كما عززت التوقعات المستقبلية الإيجابية هذا الأداء، في ظل استمرار التزام الدولة بتسريع عجلة التنمية وترسية المشاريع الرأسمالية؛ كونه المحرك الأساسي لنمو الائتمان المصرفي، يرافق ذلك توجه استراتيجي لتطوير البيئة التشريعية واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، والتي كان آخرها الإعلان عن مشروع «الشاهين» بالشراكة مع ثلاث مؤسسات عالمية عملاقة في قطاع الطاقة.
● ما هي عوامل الجذب في بورصة الكويت والفرص التي يراهن عليها، وتوقعاتك لمسار السوق في الفترة المقبلة؟
يراهن المستثمرون على تجاوز هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية، استناداً إلى الدعم الحكومي المستمر، والتدابير المتخذة لتخفيف الآثار السلبية للأزمة، ومن شأن استعادة الهدوء، وتوقف الاعتداءات على دولة الكويت والمنطقة، واستئناف الملاحة الآمنة للسفن التجارية ونقالات النفط عبر مضيق هرمز، أن ينعكس إيجاباً على السوق والاقتصاد الكويتيين.
ورغم ترجيح المؤسسات الدولية انكماش الناتج المحلي الإجمالي للكويت في العام الحالي ليصل إلى نحو 7.9 % ، فإن هناك إجماعاً على تحقق تعافٍ سريع بحلول عام 2027 ليصل النمو إلى 9 %، ويرتبط هذا التعافي بتعافي صادرات النفط إلى مستويات ما قبل الحرب، مما سيخفف الضغوط على الميزانية العامة، ويستعيد الزخم الاقتصادي والنشاط التشغيلي للشركات.
كما سيُسهم هذا الاستقرار في إطلاق الخطط التنموية، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، وزيادة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي. وسينعكس ذلك في حجم الاستثمارات في البنية التحتية، وعودة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسواق الناشئة، ومنها الكويت المندمجة على خريطة الاستثمار العالمي وعبر الانضمام لمؤشرات أسواق المال الدولية مدعومة بالأساسيات القوية للشركات الكويتية وخبرتها الاستثمارية.
وتبقى هذه الآفاق الإيجابية مرهونة بالوقف التام للأعمال العدائية والتوصل إلى حلول جذرية للصراع، وفي هذا السياق، تُقدّر مجلة «ميد» قيمة المشاريع التي تتواجد حالياً قيد التصميم والدراسة وتقييم العطاءات بنحو 126 مليار دولار؛ وهي مقومات تعزز تفاؤل المستثمرين وثقتهم بمستقبل الاقتصاد في حال تحقق الهدوء المستدام.