رهانات الفائدة تشعل انتعاش العملات المشفرة
شهدت أسواق العملات المشفرة انتعاشاً ملحوظاً في ختام تعاملات الأسبوع، بعدما استعادت شهية المستثمرين نحو الأصول عالية المخاطر عقب صدور بيانات اقتصادية أميركية عززت التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى التريث في تشديد السياسة النقدية. وأسهم هذا التحول في دفع البيتكوين إلى تجاوز مستوى 62 ألف دولار، لتسجل أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية أفضل أداء أسبوعي لها منذ عدة أسابيع، وسط تفاؤل متزايد بشأن مستقبل البيئة التنظيمية للأصول الرقمية في الولايات المتحدة.
وجاءت المكاسب في وقت بدأت فيه الأسواق العالمية تعيد تقييم توقعاتها لمسار أسعار الفائدة الأميركية، بعد بيانات أظهرت تباطؤ نمو الوظائف خلال يونيو، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أداء العملات المشفرة التي تعد من أكثر الأصول تأثراً بتغير مستويات السيولة وتوجهات المستثمرين نحو المخاطرة.
وصعدت البيتكوين إلى 62026 دولاراً، محققة مكاسب يومية بلغت 0.84 %، بينما ارتفعت بأكثر من 3.5 % على أساس أسبوعي، في حين واصل الإيثريوم مكاسبه ليصل إلى 1732 دولاراً مرتفعاً بنسبة 1.95 %، كما صعدت الريبل بنحو 3 % لتصل إلى 1.1148 دولار، في مؤشر على أن موجة الصعود لم تقتصر على العملة الأكبر، وإنما امتدت إلى معظم العملات الرئيسية.
انتعاش واسع
لم تكن مكاسب العملات المشفرة نتيجة تطورات داخل القطاع فقط، وإنما جاءت امتداداً لتحسن شهية المخاطرة في مختلف الأسواق المالية العالمية، بعدما بدأت توقعات المستثمرين تميل إلى احتمال تباطؤ دورة رفع أسعار الفائدة الأميركية.
فعندما تتراجع توقعات التشديد النقدي، ترتفع شهية المستثمرين تجاه الأصول التي تنطوي على مستويات أعلى من المخاطر، مثل الأسهم التكنولوجية والعملات المشفرة، في مقابل تراجع الإقبال على الدولار والسندات.
ويرى محللون أن هذا التحول كان المحرك الرئيسي للمكاسب التي سجلتها البيتكوين خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً مع عودة السيولة الاستثمارية إلى الأسواق عالية المخاطر.
شهية المخاطرة
أسهم تراجع توقعات الفائدة أيضاً في تحسين معنويات المستثمرين بصورة عامة، إذ عاد كثير منهم إلى زيادة استثماراتهم في الأصول الرقمية بعد أسابيع من الحذر.
وخلال الأشهر الماضية، دفعت توقعات استمرار الفائدة المرتفعة المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على العملات المشفرة، باعتبارها من أكثر الاستثمارات تقلباً، إلا أن تغير المشهد الاقتصادي أعاد الاهتمام بهذا القطاع.
ويرى محللون أن موجة الصعود الحالية تعكس تحسناً تدريجياً في ثقة المستثمرين، لكنها لا تزال مرتبطة إلى حد كبير بالتطورات الاقتصادية الأميركية.
وضوح تنظيمي
ويعتبر ملف التنظيم أحد أكبر التحديات التي واجهت العملات المشفرة خلال السنوات الأخيرة، إذ أدى غياب القواعد الواضحة إلى زيادة التقلبات وتردد العديد من المؤسسات الاستثمارية في دخول السوق.
ومع تزايد الحديث عن قرب إقرار تشريعات جديدة، بدأت الأسواق تنظر بإيجابية أكبر إلى مستقبل القطاع، خاصة إذا نجحت الولايات المتحدة في تقديم إطار تنظيمي متوازن يجمع بين حماية المستثمرين وتشجيع الابتكار.
ويرى خبراء أن وضوح البيئة التنظيمية قد يكون عاملاً لا يقل أهمية عن أسعار الفائدة في تحديد اتجاه العملات المشفرة خلال السنوات المقبلة.
البيتكوين أولاً
ورغم المكاسب الجماعية، بقيت البيتكوين المحرك الرئيسي للسوق، مستفيدة من مكانتها كأكبر وأشهر العملات المشفرة.
ويعتقد محللون أن تجاوز مستوى 62 ألف دولار يحمل أهمية نفسية وفنية في الوقت نفسه، لأنه يعزز ثقة المستثمرين بإمكانية استمرار الاتجاه الصاعد إذا استمرت الظروف الاقتصادية الحالية.
كما ساعدت زيادة الطلب من المستثمرين الأفراد والمؤسسات على دعم الأسعار، بالتزامن مع تراجع الضغوط البيعية التي شهدتها السوق خلال الأسابيع الماضية.
صعود جماعي
ولم تقتصر المكاسب على البيتكوين، بل امتدت إلى معظم العملات المشفرة الرئيسية، في دلالة على أن التحسن شمل القطاع بأكمله وليس العملة الأكبر فقط.
فقد ارتفع الإيثريوم بنسبة 1.95% ليصل إلى 1732.29 دولاراً، مستفيداً من عودة الإقبال على الأصول الرقمية، بينما سجلت الريبل واحدة من أكبر المكاسب اليومية بين العملات الرئيسية، بعدما صعدت بنسبة 3 % إلى 1.1148 دولار.
ويرى محللون أن الأداء الجماعي يعكس تحسن معنويات المستثمرين بصورة عامة، إذ غالباً ما تقود البيتكوين موجات الصعود، قبل أن تمتد المكاسب تدريجياً إلى بقية العملات الرقمية، وهو ما حدث بالفعل خلال تعاملات الأسبوع الحالي.
كما سجلت العديد من العملات متوسطة وصغيرة القيمة مكاسب متفاوتة، في إشارة إلى اتساع دائرة الإقبال على المخاطرة، وعدم اقتصارها على العملات الكبرى فقط.
مستثمرون مؤسساتيون
ويعتقد مراقبون أن التحسن الحالي لم يعد يعتمد فقط على المستثمرين الأفراد كما كان الحال في السنوات السابقة، بل باتت المؤسسات المالية تلعب دوراً أكبر في حركة السوق.
فمع دخول صناديق استثمار وشركات إدارة أصول إلى سوق العملات المشفرة خلال العامين الماضيين، أصبحت تحركات الأسعار أكثر ارتباطاً بالتطورات الاقتصادية العالمية، مثل أسعار الفائدة، وحركة الدولار، وأداء أسواق الأسهم.
ويرى خبراء أن مشاركة المستثمرين المؤسساتيين منحت السوق قدراً أكبر من السيولة والعمق، لكنها في الوقت نفسه جعلت العملات المشفرة أكثر تأثراً بقرارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية الكبرى.
تراجع الدولار
ومن العوامل التي دعمت العملات المشفرة هذا الأسبوع، انخفاض الدولار الأميركي بعد صدور بيانات الوظائف، إذ أدى تراجع العملة الأميركية إلى تحسين شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر المرتفعة.
وعادة ما تتحرك العملات المشفرة بصورة عكسية مع قوة الدولار، لأن ارتفاع العملة الأميركية يدفع المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً، بينما يؤدي ضعفها إلى زيادة الإقبال على الاستثمارات البديلة.
كما ساهم انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية في دعم هذا الاتجاه، بعدما أصبحت تكلفة الاحتفاظ بالأصول مرتفعة المخاطر أقل مقارنة بالفترة السابقة.
مزيج من التفاؤل والحذر
يدخل قطاع العملات المشفرة النصف الثاني من العام وسط مزيج من التفاؤل والحذر. فمن جهة، عززت البيانات الاقتصادية الأخيرة فرص تحسن بيئة الاستثمار، مع تراجع احتمالات استمرار التشديد النقدي، وهو ما أعاد الزخم إلى البيتكوين وبقية العملات الرقمية.
ومن جهة أخرى، يترقب المستثمرون ما ستسفر عنه المناقشات داخل الكونغرس بشأن مشروع قانون CLARITY، باعتباره أحد أهم التشريعات التي قد تعيد رسم مستقبل الصناعة في أكبر اقتصاد في العالم.
وفي حال نجحت الولايات المتحدة في إقرار إطار تنظيمي واضح، بالتزامن مع توجه الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أقل تشدداً، فقد يدخل قطاع العملات المشفرة مرحلة جديدة من النمو تستند إلى مشاركة مؤسساتية أوسع وثقة أكبر من المستثمرين.
أما إذا عادت الضغوط التضخمية وارتفعت توقعات الفائدة مجدداً، أو واجهت التشريعات التنظيمية عراقيل جديدة، فمن المرجح أن تعود التقلبات الحادة إلى الأسواق، لتبقى العملات المشفرة رهينة التوازن بين السياسة النقدية والتطورات التنظيمية، وهما العاملان اللذان سيحددان إلى حد كبير اتجاه القطاع خلال ما تبقى من العام.