رهانات الفائدة تضغط على العملات المشفرة
تراجعت أسعار العملات المشفرة خلال تعاملات الثلاثاء، مع تعرض الأصول عالية المخاطر لضغوط متزايدة بفعل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط وتصاعد توقعات تشديد السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى، فيما تحولت أنظار المستثمرين بصورة خاصة إلى الولايات المتحدة واليابان مع ارتفاع الرهانات على زيادات جديدة في أسعار الفائدة.
وتداولت «بيتكوين»، أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، قرب مستوى 78.5 ألف دولار، متراجعة تحت وطأة تحول المستثمرين إلى قدر أكبر من الحذر، بعد شهر قوي حققت خلاله العملة مكاسب بلغت نحو 25 % في أغسطس، مسجلة أفضل أداء شهري لها منذ نوفمبر 2024.
ويأتي التراجع الحالي بعد موجة صعود قوية، ما يجعل العملة أكثر عرضة لجني الأرباح مع تغير البيئة النقدية. فبعدما استفادت الأصول الرقمية من تحسن شهية المخاطرة خلال أغسطس، بات المستثمرون يواجهون مزيجاً مختلفاً من الضغوط يجمع بين المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات زيادة الفائدة.
رهانات الفائدة
ورفع المتعاملون احتمالات إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة في اجتماعه خلال سبتمبـر إلـى 67 %، مواصلين بذلك إعادة تسعير توقعاتهم للسياسة النقدية الأميركية التي بدأت الأسبوع الماضي بعد تصريحات رئيس البنك كيفن وورش بشأن التزامه بكبح جماح التضخم.
وتشكل توقعات الفائدة المرتفعة عاملاً سلبياً بالنسبة إلى سوق العملات المشفرة، إذ تزيد جاذبية الأصول التقليدية التي توفر عوائد، مثل السندات وأدوات سوق النقد، مقابل الأصول الرقمية التي تعتمد بصورة أكبر على السيولة وشهية المستثمرين لتحمل المخاطر.
كما يمكن أن تؤدي الفائدة الأميركية الأعلى إلى دعم الدولار ورفع عوائد سندات الخزانة، ما يزيد الضغوط على الأصول عالية المخاطر بصورة عامة. ولذلك أصبحت تحركات «بيتكوين» مرتبطة بدرجة متزايدة بتوقعات السياسة النقدية، خصوصاً مع اتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين التقليديين في سوق العملات المشفرة.
وتزداد حساسية الأسواق حالياً بسبب استمرار التوترات في الشرق الأوسط، إذ يمكن أن يؤدي تصاعد الصراع إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة، ومن ثم زيادة الضغوط التضخمية. وفي هذه الحالة، قد يصبح الاحتياطي الفيدرالي أقل قدرة على تبني سياسة نقدية مرنة، وهو ما يفسر ارتفاع رهانات المستثمرين على زيادة الفائدة في سبتمبر.
ويضع ذلك العملات المشفرة أمام معادلة صعبة؛ فالتوترات الجيوسياسية قد تعزز أحياناً الطلب على الأصول البديلة، لكن إذا تحولت الأزمة إلى صدمة في أسعار الطاقة وأدت إلى تضخم أعلى، فإن التأثير الناتج عن ارتفاع الفائدة والعوائد قد يصبح أكثر قوة من الطلب على التحوط.
تشديد ياباني
ولا تقتصر الضغوط النقدية على الولايات المتحدة، إذ ارتفعت أيضاً توقعات المستثمرين بشأن بنك اليابان، مع تجاوز احتمالات رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماعه المقبل بعد أسبوعين مستوى 90 %.
ويكتسب التحول الياباني أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسواق العالمية، لأن اليابان ظلت لفترة طويلة مصدراً للسيولة منخفضة التكلفة، واستفاد المستثمرون من أسعار الفائدة المتدنية لتمويل استثمارات في أصول ذات عوائد ومخاطر أعلى حول العالم. ولذلك فإن استمرار بنك اليابان في رفع تكاليف الاقتراض يمكن أن يغير جزءاً من هذه المعادلة.
وقد يؤدي ارتفاع الفائدة اليابانية إلى تقليص جاذبية صفقات الاقتراض بالين للاستثمار في أصول أخرى، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى خفض مراكزهم في الأصول عالية المخاطر، ومن بينها العملات المشفرة.
وتزامن تشدد البنوك المركزية الكبرى يزيد الضغوط بصورة أكبر، لأن سوق الأصول الرقمية تستفيد عادة من وفرة السيولة وانخفاض تكلفة الأموال. وعندما تتحرك الولايات المتحدة واليابان في اتجاه أكثر تشدداً في الوقت نفسه، يصبح المستثمرون أكثر انتقائية، وترتفع احتمالات انتقال الأموال إلى أدوات أقل تقلباً.
وفي الوقت ذاته، فإن تجاوز احتمالات رفع الفائدة اليابانية 90 % يعني أن الأسواق باتت تتعامل مع الخطوة باعتبارها سيناريو مرجحاً للغاية، ما يجعل أي إشارات جديدة من بنك اليابان قادرة على إحداث تحركات ملحوظة في أسواق العملات والسندات والأصول الرقمية.
مكاسب أغسطس
ورغم ضغوط جلسة الثلاثاء، لا تزال «بيتكوين» تحتفظ بجزء كبير من الزخم الذي حققته خلال أغسطس، بعدما قفزت بنحو 25 % خلال الشهر، وهو أفضل أداء شهري للعملة منذ نوفمبر 2024. وتعكس هذه المكاسب استمرار قدرة سوق العملات المشفرة على جذب السيولة رغم التقلبات المرتفعة.
لكن المكاسب القوية نفسها تزيد احتمالات عمليات جني الأرباح، خصوصاً عندما تتغير توقعات أسعار الفائدة بسرعة. فالمستثمر الذي حقق ارتفاعاً كبيراً خلال فترة قصيرة قد يكون أكثر ميلاً إلى تقليص انكشافه عندما ترتفع عوائد السندات أو تتزايد المخاطر الجيوسياسية.
وتصبح منطقة 78.5 ألف دولار محط اهتمام الأسواق في ظل محاولة المستثمرين تحديد ما إذا كان التراجع الحالي مجرد تصحيح بعد مكاسب أغسطس أم بداية مرحلة أكثر تقلباً مع تحول السياسة النقدية العالمية نحو التشديد.
وسيكون أداء العملة خلال الفترة المقبلة مرتبطاً بدرجة كبيرة بمدى استمرار ارتفاع توقعات الفائدة، إلى جانب تطورات الشرق الأوسط وأسعار الطاقة. فأي تراجع في المخاطر التضخمية قد يسمح للأسواق بتقليص رهانات التشديد النقدي، وهو ما يمكن أن يعيد بعض الدعم إلى الأصول الرقمية.