رهانات برنت تشعل توقعات قفزة الأسعار العالمية
لم تعد أسعار النفط تتحرك وفق معادلات العرض والطلب التقليدية فحسب، بل أصبحت رهينة للتطورات العسكرية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعد أن دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر خطورة انعكست بصورة مباشرة على الأسواق العالمية. ومع تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الآمال بعودة سريعة للاستقرار في مضيق هرمز، اندفعت صناديق التحوط إلى بناء أكبر موجة رهانات صعودية على خام برنت منذ ما يقرب من عشرة أعوام، في مؤشر واضح على أن المستثمرين يتوقعون استمرار الضغوط على الإمدادات وارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه التحركات تغيراً جذرياً في مزاج الأسواق، إذ انتقلت المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف الطلب على الطاقة إلى القلق من نقص الإمدادات، وهو ما أعاد «العلاوة الجيوسياسية» بقوة إلى أسعار النفط، بعد أشهر من تراجعها.
تحول استثماري
أظهرت بيانات بورصة ICE Futures Europe أن مديري الأموال وصناديق التحوط رفعوا مراكز الشراء على خام برنت بنحو 76 ألف عقد خلال الأسبوع المنتهي في 14 يوليو، لترتفع المراكز المفتوحة إلى نحو 357 ألف عقد، وهو أكبر ارتفاع أسبوعي منذ ديسمبر عام 2016.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجم الزيادة فقط، بل تكمن أيضاً في توقيتها، إذ جاءت بعد أسبوع واحد من تراجع المراكز الاستثمارية إلى أدنى مستوياتها في سبعة أشهر، وهو ما يؤكد أن المستثمرين غيروا استراتيجياتهم بصورة سريعة عقب تصاعد الأحداث العسكرية في المنطقة.
ويعتبر بناء مراكز شراء بهذا الحجم رسالة واضحة بأن المؤسسات الاستثمارية الكبرى تراهن على استمرار ارتفاع أسعار النفط، وأنها ترى أن المخاطر المحيطة بالإمدادات أصبحت أكبر من المخاطر المرتبطة بتباطؤ النمو العالمي أو ضعف الطلب.
ويرى محللون أن هذه التحركات غالباً ما تسبق موجات صعود قوية في الأسواق، لأن صناديق التحوط تعتمد على نماذج مالية ومعلومات واسعة قبل اتخاذ قرارات استثمارية بهذا الحجم.
قفزة الأسعار
تزامنت هذه التحركات الاستثمارية مع ارتفاع قوي في أسعار النفط، إذ قفز خام برنت بنحو 16% خلال الأسبوع الماضي، ليسجل ثالث مكاسب أسبوعية متتالية، في واحدة من أقوى موجات الصعود منذ سنوات.
ويشير هذا الأداء إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير احتمالات استمرار الأزمة لفترة أطول، مع تنامي المخاوف من اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج العربي، الذي يمثل المصدر الأكبر للصادرات النفطية في العالم.
كما أن ارتفاع الأسعار لم يكن مدفوعاً فقط بالمخاوف السياسية، بل أيضاً بدخول سيولة استثمارية كبيرة إلى سوق العقود الآجلة، إذ سارعت الصناديق إلى زيادة انكشافها على النفط للاستفادة من الاتجاه الصاعد.
ويرى خبراء أن استمرار تدفق الأموال إلى السوق قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى حتى دون حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات، لأن الأسواق المالية عادة ما تستبق الأحداث وتبني أسعارها على التوقعات المستقبلية.
هرمز تحت الضغط
أصبح مضيق هرمز مجدداً محور اهتمام أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدى انهيار الاتفاق المؤقت لوقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران إلى تراجع واضح في تدفقات النفط عبر المضيق.
ويمر عبر هرمز نحو خمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وأي اضطراب في حركة الملاحة داخل المضيق ينعكس مباشرة على أسعار النفط، ليس فقط بسبب احتمال نقص الإمدادات، وإنما أيضاً نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما يزيد تكلفة وصول الخام إلى الأسواق العالمية.
كما أن شركات النقل البحري أصبحت أكثر حذراً في التعامل مع المنطقة، الأمر الذي يرفع المخاطر التشغيلية ويؤثر في سرعة تدفق الصادرات النفطية.
تصعيد عسكري
ازدادت حدة المواجهة خلال الأيام الماضية بعدما وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية داخل إيران، مستهدفة جسوراً ومطاراً ومنشآت حيوية، في حين ردت طهران باستهداف محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في الكويت.
وأعاد هذا التصعيد المخاوف من احتمال توسع رقعة الصراع إلى دول ومرافق حيوية أخرى في المنطقة، الأمر الذي يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويؤكد مراقبون أن الأسواق لا تنظر فقط إلى حجم الضربات العسكرية، بل إلى احتمال تأثيرها في البنية التحتية للطاقة أو في الممرات البحرية، لأن أي تطور من هذا النوع قد يؤدي إلى قفزات جديدة في الأسعار.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يزيد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، وهو ما يدفعهم إلى الاحتفاظ بمراكز شرائية أكبر تحسباً لأي تصعيد إضافي.
علاوة المخاطر
يرى محللون أن الأسواق أعادت إدراج ما يعرف بـ»العلاوة الجيوسياسية» ضمن أسعار النفط، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى الأسعار نتيجة المخاطر السياسية والأمنية.
وخلال الأشهر الماضية تراجعت هذه العلاوة مع هدوء الأوضاع نسبياً، إلا أن التطورات الأخيرة أعادتها بقوة، وهو ما يفسر سرعة صعود الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن استمرار حالة الغموض بشأن مستقبل الصراع يجعل من الصعب توقع عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة في المدى القريب، خصوصاً إذا استمرت التهديدات التي تطال طرق الملاحة الدولية.
الأسواق تنتظر كلمة السياسة الأخيرة والحاسمة
يدخل النفط مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعسكرية مع العوامل الاقتصادية بصورة غير مسبوقة، بعدما أصبحت التطورات الميدانية المحرك الرئيسي للأسعار. ومع عودة صناديق التحوط إلى بناء مراكز شرائية ضخمة، واستمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، يبدو أن الأسواق تستعد لفترة طويلة من التقلبات الحادة. وبينما يراهن المستثمرون على استمرار الصعود، يبقى مستقبل الأسعار مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الأزمة الأميركية الإيرانية، ومدى نجاح الجهود الدولية في منع اتساع رقعة الصراع وحماية شرايين الطاقة العالمية.