رهان الفائدة يسحب الذهب من قمته
تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الاثنين مع تزايد مخاوف المستثمرين من عودة الضغوط التضخمية وارتفاع احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية، بعدما عززت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4 % إلى 4436.04 دولار للأونصة بحلول الساعة 08:35 بتوقيت غرينتش، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 19 أغسطس، فيما هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب بنسبة 1 % إلى 4486.40 دولار.
ويأتي التراجع امتداداً للخسائر الحادة التي تعرض لها المعدن النفيس نهاية الأسبوع الماضي، بعدما هبط بأكثر من 3 % يوم الجمعة، مسجلاً أكبر انخفاض يومي منذ 10 يونيو، عقب تصريحات وارش في ندوة جاكسون هول.
وقال وارش إن الاحتياطي الفيدرالي سيكون أمامه «عمل كثير» إذا لم يطمئن صانعو السياسة إلى أن التضخم يتحرك بصورة واضحة نحو المستوى المستهدف عند 2%، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة حساب توقعاتها بشأن الخطوة المقبلة للبنك المركزي.
رهانات سبتمبر
وتظهر أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «CME» أن الأسواق باتت تسعر احتمالاً بنحو 60 % لرفع أسعار الفائدة الأميركية خلال اجتماع سبتمبر، بعدما كان الاحتمال لا يتجاوز نحو 36 % قبل تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي.
ويشكل ارتفاع احتمالات الفائدة ضغطاً مباشراً على الذهب، لأن المعدن لا يقدم عائداً ثابتاً لحامليه، في حين تصبح السندات والأدوات المالية التي تدر فائدة أكثر جاذبية عندما ترتفع العوائد.
وقال ريكاردو إيفانجيليستا، كبير المحللين لدى «أكتيف تريدز»، إن الذهب لا يزال تحت تأثير خطاب وارش، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من التضخم الناتج عن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى أن هذه التطورات تزيد احتمال إقدام الاحتياطي الفيدرالي على رفع الفائدة قبل نهاية العام، وهو سيناريو قد يبقي الذهب تحت ضغوط على المدى القصير.
وفي الوقت نفسه، زادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط من حالة التذبذب في الأسواق بعد تجدد المواجهة بين واشنطن وطهران، وارتفاع أسعار النفط بأكثر من 3 % عقب الهجوم الأميركي على جزيرة لارك الإيرانية.
وقد تبدو التوترات السياسية داعمة تقليدياً للذهب باعتباره ملاذاً آمناً، لكن ارتفاع أسعار النفط قد يغذي التضخم، ما يرفع بدوره فرص تشديد السياسة النقدية الأميركية ويقلل أثر الطلب على الملاذات الآمنة.
مكاسب قوية
ورغم الهبوط الحاد خلال الجلسات الأخيرة، لا يزال الذهب في طريقه لتحقيق أفضل أداء شهري له منذ أغسطس، إذ يحتفظ بمكاسب تتجاوز 10 %. وكان المعدن قد سجل الأسبوع الماضي أعلى مستوى في ثلاثة أشهر عند 4696.18 دولار للأونصة، مدعوماً بمجموعة من العوامل، بينها زيادة الطلب على الأصول الآمنة وتحركات وزارة الخزانة الأميركية في سوق السندات.
وقررت الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة، وهو ما ساعد الذهب في وقت سـابق عــلى تحقيق مـوجــة صعود قوية قبل أن تتغير الصورة عقب تصريحات وارش.
وتوضح هذه التحركات أن المستثمرين أصبحوا يتعاملون مع الذهـب بين قـوتين متعــارضتين؛ فمــن جهـة، تدعمـه المخاطـر الجيوسياسية ومخاوف الديون والتقلبات المالية، ومن جهة أخرى تضغط عليه توقعات الفائدة المرتفعة وقوة الدولار والعوائد الأميركية.
ولا يزال الفارق كبيراً بين السعر الحالي والقمة المسجلة الأسبوع الماضي، إلا أن بقاء المكاسب الشهرية فوق 10 % يعكس قوة الطلب الذي شهده المعدن منذ بداية أغسطس.
معادن متباينة
وفي بقية أسواق المعادن، تحركت الأسعار في اتجاهات مختلفة، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1 % إلى 66.99 دولار للأونصة، لتتجه إلى إنهاء الشهر بمكاسب تتجاوز 16 %.
وفي المقابل، انخفض البلاتين بنسبة 1.1% إلى 1799.89 دولار، بينما تراجع البلاديوم 1.3 % إلى 1403.92 دولار.
ورغم خسائر الجلسة، يتجه البلاتين والبلاديوم إلى تسجيل أكبر مكاسب شهرية منذ ديسمبر، ما يعكس اتساع موجة الصعود التي شهدتها المعادن خلال الأسابيع الأخيرة قبل عودة ضغوط الفائدة.
الذهب أمام اختبار الفائدة
ستظل حركة الذهب خلال الفترة المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بتوقعات أسعار الفائدة الأميركية، خصوصاً مع اقتراب اجتماع سبتمبر وارتفاع احتمال رفعها إلى نحو 60 %.
وأي بيانات تظهر استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد تعزز هذا الاحتمال وتفرض ضغوطاً إضافية على المعدن، بينما يمكن لبيانات أضعف أو مؤشرات على تراجع الأسعار أن تعيد جزءاً من الزخم للذهب.
ورغم هبوطه إلى أدنى مستوى منذ 19 أغسطس، فإن استمرار المكاسب الشهرية بأكثر من 10 % يؤكد أن الاتجاه الأوسع لا يزال أكثر قوة من تراجعات الأيام الأخيرة. ولذلك تدخل السوق مرحلة شديدة الحساسية، يتنافس فيها الخوف من رفع الفائدة مع الطلب على الذهب كملاذ في مواجهة التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين المالي.