رياح التوتر تهز العملات المشفرة
تراجعت أسعار البيتكوين، أكبر العملات المشفرة في العالم، بأكثر من 2 % خلال تعاملات الأربعاء، لتنخفض دون مستوى 62 ألف دولار، بعدما سيطرت حالة من الحذر على الأسواق المالية العالمية عقب تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو استثمارات أكثر أماناً.
وجاء التراجع بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن فيها انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران، في خطوة أعادت المخاوف السياسية إلى واجهة الأسواق العالمية، وزادت من حالة الضبابية بشأن مستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس سريعاً على أداء العملات المشفرة وأسواق الأسهم في آن واحد.
ويرى متعاملون أن البيتكوين، التي حققت مكاسب قوية خلال الأشهر الماضية بدعم من تدفقات الاستثمار المؤسسي، أصبحت أكثر حساسية للأحداث الجيوسياسية، مع تزايد ارتباطها بحركة أسواق المال العالمية وتغير شهية المستثمرين للمخاطرة، بعدما دخلت المؤسسات الاستثمارية الكبرى بقوة إلى السوق، وأصبحت قراراتها مرتبطة بدرجة أكبر بالمتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية.
كما يشير محللون إلى أن العملات المشفرة لم تعد تتحرك بمعزل عن الأسواق التقليدية كما كان الحال في سنواتها الأولى، بل باتت تتأثر بسرعة بأي تطورات تمس الاقتصاد العالمي أو الاستقرار السياسي، ما جعلها عرضة لموجات بيع متسارعة عند ارتفاع مستويات القلق، حتى وإن لم تكن تلك التطورات مرتبطة مباشرة بقطاع الأصول الرقمية.
تصريحات ترامب
أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسم المشهد في الأسواق، بعدما أعلن خلال قمة قادة حلف شمال الأطلسي في أنقرة أن مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران لإنهاء الصراع أصبحت «منتهية»، مؤكداً أنه لا يرغب في التعامل مع طهران.
وتزامنت هذه التصريحات مع تنفيذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية جديدة داخل إيران، إلى جانب إلغاء إعفاء كان يسمح لطهران ببيع النفط، رداً على هجمات استهدفت ثلاث ناقلات.
وأثارت هذه التطورات مخاوف المستثمرين من اتساع نطاق الأزمة في المنطقة، الأمر الذي انعكس سريعاً على مختلف الأسواق المالية، وفي مقدمتها العملات المشفرة التي تعد من أكثر الأصول تقلباً واستجابة للأحداث العالمية.
ويرى اقتصاديون أن أي تصعيد في منطقة الشرق الأوسط ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وتوقعات التضخم، ومسار السياسة النقدية، وهي عوامل تؤثر بصورة غير مباشرة في أسواق العملات المشفرة، باعتبارها تعتمد بشكل كبير على وفرة السيولة العالمية وإقبال المستثمرين على المخاطرة.
تحول لافت
وفي الوقت ذاته، زادت الضغوط على سوق العملات المشفرة بعد إعلان شركة «ستراتيجي» (Strategy)، بقيادة مايكل سايلور، بيع بيتكوين بقيمة 216 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، في أكبر عملية بيع تنفذها الشركة منذ بدء استراتيجيتها الاستثمارية في العملة المشفرة عام 2020.
وتمثل هذه الخطوة تحولاً واضحاً في سياسة الشركة، التي عرفت خلال السنوات الماضية بتجميع البيتكوين والاحتفاظ بها على المدى الطويل، لتصبح من أكبر الشركات المالكة للعملة المشفرة على مستوى العالم.
ويرى مراقبون أن الصفقة قد تعكس تحولاً في إدارة السيولة لدى الشركة، مع التعامل مع البيتكوين كمصدر محتمل للتمويل إلى جانب أسواق الأسهم والدين، وهو ما أثار اهتمام المستثمرين بشأن إمكانية اتباع شركات أخرى النهج ذاته.
كما أثار الإعلان تساؤلات بشأن ما إذا كانت الشركات الكبرى المالكة للبيتكوين قد تلجأ مستقبلاً إلى تسييل جزء من حيازاتها عند الحاجة إلى التمويل أو تعزيز مراكزها المالية، الأمر الذي قد يزيد من تقلبات السوق إذا تكررت مثل هذه العمليات خلال الفترات المقبلة.
ارتباط وثيق
أظهرت تحركات الأسواق مجدداً الترابط المتزايد بين البيتكوين وأسواق الأسهم الأميركية، إذ جاء تراجع العملة المشفرة بالتزامن مع انخفاض العقود الآجلة لأسهم التكنولوجيا، في ظل ارتفاع مستويات القلق لدى المستثمرين.
ويشير خبراء إلى أن دخول المؤسسات الاستثمارية الكبرى إلى سوق العملات المشفرة خلال السنوات الأخيرة جعل تحركاتها أكثر ارتباطاً بالأصول المالية التقليدية، بعدما كانت تتحرك في السابق بصورة أكثر استقلالية.
كما يواصل المستثمرون مراقبة تطورات السياسة النقدية الأميركية، إذ إن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة قد يحد من تدفقات السيولة نحو الأصول الرقمية ويزيد الضغوط على أسعارها.
ويؤكد محللون أن صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالبيتكوين أصبحت تشكل حلقة وصل مباشرة بين سوق العملات المشفرة والأسواق المالية التقليدية، ما يعني أن أي موجة خروج للأموال من تلك الصناديق تنعكس سريعاً على الأسعار الفورية للعملة المشفرة.
المرحلة المقبلة
يرى محللون أن مسار البيتكوين خلال الفترة المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على تطورات المشهد الجيوسياسي، إلى جانب اتجاهات أسواق الأسهم والسياسة النقدية الأميركية، حيث إن استمرار التوترات قد يبقي الضغوط قائمة على العملات المشفرة.
وفي المقابل، فإن أي مؤشرات على تراجع التصعيد أو عودة المسار الدبلوماسي قد تعيد الثقة تدريجياً إلى الأسواق، وتدعم عودة المستثمرين إلى الأصول الرقمية، خاصة مع استمرار الاهتمام المؤسسي بالبيتكوين.
كما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الأميركية وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، باعتبارها عوامل رئيسية قد تؤثر في السيولة العالمية واتجاهات الاستثمار خلال النصف الثاني من العام.
ويعتقد محللون أن تحسن البيئة الاقتصادية وتراجع المخاطر الجيوسياسية قد يسمحان بعودة التدفقات الاستثمارية إلى صناديق البيتكوين، وهو ما قد يدعم الأسعار مجدداً إذا ترافق مع استمرار الطلب المؤسسي واستقرار السياسات النقدية.
مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى التقلبات
ويرى خبراء أن سوق العملات المشفرة يدخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى التقلبات، في ظل تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والمالية، وهو ما يزيد من صعوبة التنبؤ بالاتجاهات قصيرة الأجل.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسواق تراقب تدفقات الاستثمار إلى صناديق البيتكوين المتداولة، وتحركات كبار المستثمرين والشركات المالكة للعملة، باعتبارها مؤشرات مهمة على قوة الطلب خلال المرحلة المقبلة.
ويشير مراقبون إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في بناء محافظهم الاستثمارية، مع التركيز على إدارة المخاطر بدلاً من السعي وراء المكاسب السريعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار حالة التذبذب حتى تتضح صورة الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية خلال الأشهر المقبلة.
ورغم التراجع الحالي، يؤكد محللون أن البيتكوين لا يزال يحظى باهتمام المستثمرين على المدى الطويل، مدعوماً بتوسع تبني المؤسسات المالية الكبرى للأصول الرقمية، إلا أن استقرار الأسعار سيظل مرتبطاً بعودة الهدوء إلى المشهد الجيوسياسي العالمي، وانحسار حالة عدم اليقين التي تخيم على الأسواق المالية، بما يسمح بعودة السيولة تدريجياً إلى الأصول ذات المخاطر المرتفعة واستئناف مسار الصعود من جديد.