سلاسل التوريد.. أرباح عالمية وكلفة بيئية خفية
لم تعد سلاسل التوريد مجرد شبكة عالمية تنقل المواد الخام والمنتجات بين القارات، بل أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة في البيئة والمجتمعات المحلية. فخلف كل منتج يصل إلى رفوف المتاجر أو يُشحن إلى المستهلكين، تمتد رحلة طويلة تمر بالمناجم والمزارع والمصانع والموانئ ووسائل النقل، لتترك في كثير من الأحيان بصمة بيئية تتحملها مجتمعات بعيدة عن المستهلك النهائي.
ورغم أن سلاسل التوريد كانت تُقيَّم لعقود وفق معايير الكفاءة والسرعة وخفض التكاليف، فإن الخبراء يؤكدون اليوم أن نجاحها يجب أن يُقاس أيضاً بقدرتها على تحقيق العدالة البيئية، والحد من الأضرار التي تتحملها المناطق الأكثر هشاشة نتيجة الأنشطة الصناعية والإنتاجية.
شاشة سلاسل التوريد
أعادت جائحة «كوفيد-19» تسليط الضوء على الدور الحيوي لسلاسل التوريد في الاقتصاد العالمي بعدما تسببت اضطراباتها في نقص العديد من السلع الأساسية. وفي الوقت نفسه، كشفت الجائحة عن انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان خلال مراحل الإنتاج، إلا أن الآثار البيئية المصاحبة لهذه السلاسل لم تحظ بالاهتمام ذاته.
ويرى باحثون أن هذه التأثيرات تمثل شكلاً من «الظلم البيئي»، حيث تتحمل المجتمعات المحلية التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية، بينما تذهب المكاسب الاقتصادية إلى أطراف أخرى. لذلك يدعو الخبراء إلى تحميل الشركات مسؤولية أكبر عن الآثار البيئية لأنشطتها، وجعل العدالة البيئية جزءاً أساسياً من استراتيجيات إدارة سلاسل التوريد.
تقييم المخاطر البيئية
واقترح الباحثون أن تبدأ الشركات بدمج العدالة البيئية ضمن إجراءات «العناية الواجبة»، بحيث لا يقتصر تقييم المخاطر على حقوق الإنسان، بل يمتد إلى حماية البيئة والناشطين والمدافعين عنها، خاصة في المناطق التي تتعرض لضغوط بسبب المشروعات الصناعية واستخراج الموارد.
وشهد هذا المجال تطورات مهمة، إذ أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة إرشادات تساعد الشركات على دمج الاعتبارات البيئية في عملياتها، فيما اعتمد الاتحاد الأوروبي تشريعاً يلزم الشركات بإجراء تقييمات شاملة للمخاطر البيئية والحقوقية عبر عملياتها وسلاسل توريدها.
كما بدأت شركات عالمية في اتخاذ خطوات عملية، إذ اعتمدت «كوكاكولا» سياسة تمنع الاستيلاء غير المشروع على الأراضي داخل سلاسل التوريد، بينما أدرجت شركات مثل «شل» و«كيلوغز» و«ريو تينتو» حماية المدافعين عن البيئة ضمن سياساتها المتعلقة بحقوق الإنسان.
تقنيات إزالة الكربون
ويركز المسار الثاني على جعل سلاسل التوريد أكثر قدرة على إصلاح الأضرار البيئية، وليس الاكتفاء بتقليلها. فمع استمرار تراكم غازات الاحتباس الحراري لعقود وربما قرون، يرى الخبراء أن خفض الانبعاثات وحده لم يعد كافياً، بل يجب العمل على إزالة جزء من ثاني أكسيد الكربون الموجود بالفعل في الغلاف الجوي.
ويمكن لسلاسل التوريد أن تؤدي دوراً مهماً في هذا التحول عبر الاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون، وتحسين تخزينه في التربة، والاستفادة من الحلول الطبيعية والجيولوجية لامتصاص الانبعاثات.
ويؤكد الباحثون أن الشركات في الدول الصناعية، التي تتحمل تاريخياً النصيب الأكبر من الانبعاثات، مطالبة بقيادة هذه الجهود، إلى جانب تمويل نقل التقنيات البيئية إلى الدول النامية، بما يسهم في تقليص الفجوة البيئية وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة آثار تغير المناخ.
إشراك المجتمعات المحلية
ويتمثل المسار الثالث في بناء شراكات حقيقية مع المجتمعات المتضررة، إذ إن المشكلات البيئية غالباً ما تكون نتيجة تراكمات تمتد عبر مراحل الإنتاج والنقل كافة، ما يجعل معالجتها مسؤولية مشتركة بين الشركات والحكومات والمجتمع المدني والسكان المحليين.
ويؤكد الباحثون أن نجاح المبادرات البيئية يعتمد على إشراك المجتمعات في صنع القرار، والاستفادة من خبراتها المحلية، بدلاً من الاكتفاء باستشارتها بعد اتخاذ القرارات. كما ينبغي أن تعطي الشركات الأولوية لحماية البيئة وتحقيق منافع طويلة الأجل، بدلاً من التركيز على المكاسب التجارية السريعة.
ويخلص الخبراء إلى أن مفهوم الاستدامة بصيغته التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات البيئية الحالية، وأن الانتقال إلى مفهوم «العدالة البيئية» أصبح ضرورة ملحة لضمان توزيع أكثر إنصافاً للمنافع والأعباء. وعندما تتحمل الشركات مسؤولية إصلاح الأضرار الناتجة عن أنشطتها، يمكن لسلاسل التوريد أن تتحول من مصدر للضغوط البيئية إلى قوة داعمة للتنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.